اعتقال القُصَّر الفلسطينيين.. شهادات موثّقة من الداخل الإسرائيلي (1)


٢٥ مارس ٢٠١٩ - ٠٧:٢٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمود معاذ

"متطرفون يهود يغلقون ميدان بارئيلان ويلقون أحجارًا وقنبلة صاعقة على جنود وشرطيين إسرائيليين"، "مستوطنون يلقون أحجارًا ويضربون جنودًا تواجدوا في نقطة استيطانية غير قانونية بعد إخلائها"، "فتيان يهود يشكّلون تنظيمًا جديدًا يدعو لقتل أفراد الجيش والشرطة وكبار المسؤولين لأنهم "حادوا عن الأهداف التوسعية لإسرائيل".. مثل هذه الأخبار تمر مرور الكرام على القارئ الإسرائيلي وكذلك على الجيش بما فيه الجنود المصابين أنفسهم، ولن يصاحب تلك الأخبار اعتقالٌ بطريقة غير آدمية، أو ترحيل بطريقة غير قانونية، أو تحقيق بطريقة غير إنسانية، رغم أن المعتقل يافع كبير وعاقل، بيد أن الموقف يختلف تمامًا إذا كان المشتبه به فلسطينيًّا ولو كان صبيًّا قاصرًا.

شهادات جنود مجهولين بجيش الاحتلال

"نصف الأطفال الفلسطينيين يجري القبض عليهم من بيوتهم في منتصف الليل بعد أن يقتحم الجنود منازلهم، ثم يعطون للعائلة ورقة تفيد أين سيؤخذ طفلهم وبسبب أي تهمة، الورقة مكتوبة بالعربية والعبرية، ولكن غالبًا ما يملأ الضابط المسئول البيانات بالعبرية فقط، فيترك خلفه آباءً لا يستطيعون قراءة وفهم ماذا يريد الجنود من ابنهم، سبب الاعتقال الشائع هو إلقاء الأحجار؛ لكن ذلك لا يوضح الصورة كاملة، جاء ذلك في تحقيقٍ أحدث ضجة كبيرة في الأوساط العربية أعدته الصحفية الإسرائيلية "نيتا أخيتوف" مؤخرًا في الملحق الأسبوعي للصحيفة الشهيرة "هآرتس" حول طرق اعتقال الفتيان والأطفال الفلسطينيين.

تبرير إسرائيلي لا يمت للمنطق بصلة

صراحةً، لا يبدو هذا غريبًا على قوات الاحتلال وما تمارسه ضد الفلسطينيين عامة والأطفال الذين تريد تخويفهم من صغرهم حتى يكبروا على الخوف من الجنود، لكن ما هو غريب ويدعو للاندهاش - ليس من جانبنا كعرب فقط ولكن أيضًا للمنظمات الدولية – هو ما صَرَّح به المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ردًّا على إدانات عمليات اعتقال الأطفال الفلسطينيين، حين قال: "تتم عمليات الاعتقال مع الكبار والصغار بطريقة معينة للحفاظ على نسق حياة طبيعي في المنطقة التي تتم بها عملية الاعتقال"! بالفعل ما ذُكِر آنفًا ليس مزاحًا، تتم عمليات اعتقال لأطفال من منازلهم ليلاً أو من المدارس نهارًا أمام معلميهم وزملائهم للحفاظ على نسق حياة طبيعي في مكان الاعتقال!!

نماذج حية

تناول التحقيق الذي ورد في الصحيفة الإسرائيلية نماذجَ حيةً لعدةِ عمليات اعتقال وتحقيق وسجن قد تمت مع أطفال وصبية بل فتيات فلسطينيات، غير أن النموذج الذي سوف يُذكَر الآن لم يرِد في التقرير ولم يُشَر إليه، فقد وقع في توقيت متأخر عن تاريخ عمل التحقيق، وإليكم ما حدث كما ورد في صحيفة تميل إلى جانب اليمين في إسرائيل، وقد ضمت مقطعًا مصورًا للحدث مع تقريرها: "جنود مسلحون، يدخلون مدرسة "الحاجة" الابتدائية في الخليل، يلقون القبض على طفل لم يتعدَ الثماني السنوات، يمسكونه من أطراف قميصه وهو يرتدي حقيبته المدرسية، يحاول معلموه منع الجنود وانتقاد تخويفهم الطفل ووضعه في هذه الصدمة، يعتدي الجنود على المعلمين، يصممون ويأخذون الطفل لجهة غير معلومة".

"تقدم الجنود، ممسكين بالطفل، يحاول معلمٌ منع الجنود، يوجهون نحوه السلاح، يدخل اثنان منهم غرفة المدير ممسكَين بالطفل بطريقة مرعبة، حاول معلم آخر محاورتهم بالعبرية لكي يتركوا الطفل ليعود لفصله، قائلاً: هذا طفل صغير، يرد الجندي الإسرائيلي، لا يهمني ذلك مطلقًا، ما يهمني أنني رأيته يلقي حجرًا على الطريق، يمسك الطفل ملابس معلمه بقوة، يتم دفع المعلم بطريقة مهينة، ويخرج الجنود في طريقهم نحو الجيب العسكري، بينما يستمر المدير في الترديد بعبرية ضعيفة (هذا طفل صغير) لا يفعل ذلك، يستمر الجنود في طريقهم للجيب العسكري ويطلقون قنبلة غاز نحو المعلمين والتلاميذ لتخويفهم حتى يبتعدوا عن عربة الجنود".

طريقة التعامل نلك، تُذَكِّر بمقالٍ نُشِر في صحيفة إسرائيلية يسارية في يوليو 2018، كان عنوانه "الطفل هو طفل إلا أن كان فلسطينيًّا"، كانت مناسبة المقال هي قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعزل الأبناء المهاجرين بطريقة غير شرعية عن أسرهم "صور وأعداد الصبية الموقوفين، أخرجت مئات آلاف الأمريكيين للتظاهر لأنهم لا يحبون أن تتصرف دولتهم بشكل غير إنساني، حتى آتت التحركات أُكُلَها وتراجع ترامب، حتى في إسرائيل يعتبر الإسرائيليون الأطفال خطًّا أحمر، غير أن هناك صبية لم ينجحوا في لمس قلوب اليهود الإسرائيليين؛ الأطفال الفلسطينيين، المئات منهم يملأون السجون وأجهزة التحقيقات وهم يُضرَبون، ويُهانون، معزولون، مقيدون بالأغلال، وإلى الآن لم يتخذ الإسرائيليون أي موقف من أجل تغيير هذا الوضع".. هكذا عبّر الناشطان" إيتان دياموند" و"آسيا لاديجينيسكي" عن معاناة الأطفال الفلسطينيين في مقالهما الذي نشرته صحيفة "هآرتس".

"لا تتبع إسرائيل الأسلوب القانوني معهم، وهو الاستدعاء فقط، لكن يُقبَض عليهم وأيديهم مربوطة من الخلف بشكل مؤلم، أعينهم مغطاة لساعات لبث الرعب فيهم، يواجهون عنفًا جسديًّا وتهديدات وسبابًا وإهانات، يتم تفتيشهم عراةً! وغالبًا ما يُمنَع عنهم الطعام والشراب والنوم ودخول المرحاض".. هكذا أوضح الكاتبان الطريقة غير الإنسانية التي يتم تعامل الأطفال الفلسطينيين بها دون غيرهم، وأبرزا عدم تعاطف الجمهور الإسرائيلي رغم كون ذلك يتعلق بمجرد أطفال، وليس ذلك بغريب عن الجمهور الذي يتجه بقوة نحو اليمين المتطرف، فقد منح اليسار "دون القائمة العربية" أصواتًا أوصلته إلى خمسة مقاعد فقط في انتخابات الكنيست الأخيرة، وجعل الجمهور ذاته "بنيامين نتنياهو" وحزبه اليميني الليكود متسيدًا للسلطة ومسيطرًا على رئاسة الحكومة لعِقد من الزمان.

تناقض يبرز التطرف

كل ما سبق قد حدث من أجل القبض على طفل يقولون إن كل تهمته إلقاء أحجارٍ، وفي الوقت ذاته انضم منذ أسابيع شخصٌ يدعى "إيتمار بن جبير" لقائمة منافسة على مقاعد بالكنيست، كان "إيتمار" هذا من أكبر المحرّضين على اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "إسحاق رابين" على خلفية توقيعه على اتفاقيات أوسلو التي مهدت آنذاك لسلام مع الفلسطينيين، بل ويعلق صورة في منزله لباروخ جولدشتيان الذي ارتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي بقتل 29 مسلمًا وإصابة 125 آخرين فجر يوم الجمعة 25 فبراير 1994.

طريقة تعامل جنود الاحتلال مع الأطفال والصبية الفلسطينيين الذي يعد المقطع المصور نموذجًا مصغرًا له، لا يُذَكر المتابع للشأن الفلسطيني إلا بحادث استشهاد السيدة الفلسطينية "عائشة الرابي" في أكتوبر 2018 على يد بعض المستوطنين الذي ألقوا عليها الأحجار حتى وافتها المنية (لم يتم الحكم عليهم بعد)، أما طريقة تعامل الجنود الإسرائيليين مع مرتكبي الحادث فكان غريبًا بعض الشيء، سوف نعرف ذلك في الحلقة القادمة مع قصة جديدة تُجَسِّد طريقة التعامل المروعة لقوات الاحتلال مع الفلسطينيين.





الكلمات الدلالية اعتقال الفلسطينيين

اضف تعليق