اعتقال القُصَّر الفلسطينييـن.. شهادات موثّقة من الداخل الإسرائيلي (2)


٢٧ مارس ٢٠١٩ - ٠١:٠٦ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد عاشور ومحمود معاذ

في الشارع الرئيسي الذي يقود إلى مدينة "سلفيت" بالضفة الغربية، مرت سيارة بها سيدة فلسطينية تُدعى "عائشة الرابي"، من على تلة مطلة على ذلك الشارع، هاجم المستوطنون المركبات الفلسطينية المارة بالحجارة، وكانت "عائشة"، وهي أم لتسعة أبناء، ضحية لإجرامهم، وارتفعت روح الشهيدة إلى السماء، كان ذلك قبل زفاف إحدى بناتها بأسبوعين، اُتّهِم خمسة فتيان بقتلها، جميعهم طلاب في مدرسة دينية بمستوطنة "رحليم".

تعامل الأمن الإسرائيلي مع الموقف

بادئ ذي بدء؛ جرى السماح للإعلام بالنشر في تلك القضية في يناير 2019، أي بعد قرابة الثلاثة أشهر من الحادث البشع، وجرى إيقاف ثلاثة فتيان يهود في المرحلة الأولى من التحقيقات، واثنين يوم 5 يناير، اتبعت قوات جهاز الأمن العام القانون في التعامل مع القُصَّر وهو الاستدعاء، فرغم كونهم متهمين في قضية قتل وليس مجرد إلقاء أحجار بشكل عشوائي، وطبقًا لشهادة أحد منفّذي الجريمة (كان مستاءً من الأمن): "وصل الأمن إلى منزلي، طلبوا من أحد والدَي مرافقتي إلى مركز الشرطة من أجل تقديم الشهادة، أجلسوني على مقعد ووجَّه المحقِّق لي أسئلة شخصية، ثم قال: نعرفك جيدًا، نعلم أنك متورط في الحادث، وفي الأسابيع القادمة سوف نأخذك إلينا، ثم أطلقوا سراحي".

وبينما كانت الجلسات جارية لمناقشة القضية في محكمة السلام بـ"ريشون لتسيون"، تجمهر العديد من المستوطنين أمام ولم يتوقفوا عن الصفير والصريخ لإيصال رسالة الغضب إلى القضاة والمحققين، كما تظاهر العديد من اليهود أيضًا أمام منزل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو اعتراضًا على القبض على زملائهم، ولم يتم القبض على أيٍّ من المتجمهرين أمام المحكمة أو المتظاهرين أمام منزل رئيس الوزراء، بل طرحت وسائل الإعلام الإسرائيلية تساؤلات بأنه لِمَ لا يكون مرتكبو الحادث فلسطينيين ولم يستطيعوا تحديد إن كانت السيارة تابعة ليهود أو عرب، وذلك رغم أن لوحات سيارات الفلسطيين التي تصدق عليها السلطة في الضفة لها ما يميزها من صيغة عن تلك الإسرائيلية.

"لن أتحدث عن تناول الإعلام لحادث عائشة المروع، وفكرت في الحديث عن (يعقوب) زوج عائشة الذي كان يجلس بجانبها حين سقطت غريقة في دمائها، لم يكن له حولٌ ولا قوةٌ لإنقاذ شريكة حياته، فَكَّرت أيضًا في أبنائها وبناتها التسعة الذين صاروا أيتامًا، بينما يواصل المستوطنون حملاتهم الممنهجة لتبرئة أبنائهم، من الضغط على رئاسة الوزراء والمحكمة وحتى النائب العام، حتى وصل بهم الجبروت في اتهام زوج عائشة نفسه بقتلها، وبالطبع هؤلاء عرب لا يراهم المستوطنون إلا بهذه الطريقة".. هكذا عبّر الكاتب اليساري" نحميا شتراسلري" عن انزعاجه من الحادث وممارسات المستوطنين الذين لا يتعاملون مع الفلسطينيين كبشر.
 
صبي فلسطيني في المعتقل

 هنا سوف يختلف كل شيء، فالمحققون الذين استدعوا الفتى الإسرائيلي وأحد والديه إلى الشرطة للتحقيق، والذين أقصى كلماتهم الجارحة للمستوطنين "نعرفك وسوف نأخذك لاحقًا خلال أسابيع"، لم يفعلوا ذلك مطلقًا مع الأطفال والقُصَّر الفلسطينيين، حسب شهادات بعض الجنود الذين شاركوا في عمليات اعتقال أطفال فلسطينيين من بيوتهم ليلاً ودون مراعاة والديهم أو حضور أي منهم مع ابنه. "إن التهديدات تكون موجّهة مباشرة نحو الطفل، مثل (ستقبع في السجن طيلة حياتك)، وجزء منها موجه لعائلته (سأُحضِر أمك إلى هنا وسأقتلها أمام عينيك)، أو موجه لمصدر الرزق (اذا لم تعترف سنلغي ترخيص عمل والدك في إسرائيل ولن يكون له عمل بسببك وستجوع الأسرة)، كما يتم أحيانًا ممارسة الضغط النفسي عبر جُملٍ مثل: "صديقك قال لنا إنّك رشقت الحجارة وتم إطلاق سراحه، أنت يمكنك التوقيع هنا ليُطلَق سراحك".. وذلك لرغبة المحققين في إظهار السيطرة أكثر من رغبتهم في تطبيق القانون، إذا اعترف الطفل سيوجد ملف، وإذا لم يعترف، هو في كل الأحوال يكون قد دخل دائرة الإجرام ويتم تهديده بتخويف ورعب وإذلال".

"مؤمن الطيط".. اعْتُقِلَ في سن الثالثة عشرة

كانت هذه شهادة مؤمن: "سمعت طرقًا على الباب في الثالثة فجرًا، عندها دخل والدي إلى غرفتي وقال: إن الجنود في الصالون وهم يريدون أن نعطيهم الهويات، أبلغوا والدي بأنهم سيأخذونني إلى التحقيق في عتسيون، قَيَّدوني خارج المنزل وعصّبوا عيني ووضعوني في سيارة عسكرية، ذهبنا إلى بيت ابن عمي الذي اعتقلوه أيضًا، ثم سافرنا إلى كرمي تسور وبقَينا مقيدين حتى الصباح".

وتابع: "أخذوا ابن عمي فقط صباحًا إلى التحقيق، بعد التحقيق معه اقتادونا إلى سجن عوفر، أعادوني بعد يوم واحد إلى عتسيون وقالوا إنهم سيحققون معي، وقبل التحقيق أدخلوني إلى غرفة وقام جندي بصفعي هناك ثم نقلني إلى غرفة التحقيق، حينها قال المحقق إنني مسؤول عن إشعال إطارات السيارات؛ الأمر الذي أدى إلى إحراق البستان المجاور لمنزلي، قلت أنا لم أفعل ذلك ووقّعت على وثيقة مكتوبة بالعبرية وملأها المحقق بالعربية، ثم أعادوني مجددًا إلى عوفر".

وأردف الصبي: "نظرا لأنني أخبرتهم في الجلسة الأولى أنني لن أعترف، كانت لي سبع جلسات في المحكمة، لم أفهم ما وقّعت عليه، وأن هذا المكتوب كان تلفيقا، فأرسلوني مرة أخرى إلى التحقيق، وصمّمت على عدم الاعتراف في ثلاث جلسات تحقيق، إلا أن المحامي أبرم صفقة في النهاية مع النائب العام بأنه إذا اعترفتُ في المحكمة، ستدفع أسرتي 4 آلاف شيكل ويتم الإفراج عني، أنا طالب جيد، أحب كرة القدم، لعبًا ومشاهدةً، تقريبًا لا أتجول في الخارج منذ اعتقالي".

وليس هناك مجالٌ للاندهاش، فالقصة الأخيرة هي نموذج حي لتعامل الأمن والإعلام الإسرائيليَيْن حين يعتقلون أطفالاً وصبيانًا فلسطينيين، وأحيانًا فتيات، تهمتهم جميعًا هي أن شخصًا ما "رآهم أو اشتبه" في أنهم ألقوا حجارة تجاه دورية لسيارة الجيش العسكرية، أو عند مرور جنود تابعين لقوات الاحتلال أو حتى بالقرب منهم، وفي المقابل كيف تعامل الأمن مع فتيان يهود قتلوا فلسطينية (عائشة الرابي) وكيف تناول مسئولو التحقيقات تلك الحادثتين، فضلاً عن  ترويج وسائل باحتمالية بأن قاتل (الرابي) فلسطينيٌ؟!



اضف تعليق