العمليات الاستباقية منذ 2018 .. "رادار" الاستخبارات الأوروبية لرصد خلايا داعش


٣٠ مارس ٢٠١٩ - ٠١:٢٩ م بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

شهدت بعض عواصم أوروبا تنسيق وعمل مشترك في مجال تبادل المعلومات في متابعة الجماعات الإسلاموية المتطرفة، فتم توقيف ثلاثة أشخاص في كل من براغ وفيينا لارتباطهم بـ"أعمال إرهابية" في ألمانيا يوم 27 مارس 2019 .

وحسب المعطيات، يشتبه في أن هؤلاء الثلاثة، وهم عراقيون، متواطئون في أعمال تخريب في خطوط السكك الحديدية في ألمانيا عام 2018.

ونقلت وسائل إعلام نمساوية في فيينا عن وزير الداخلية هربرت كيكل أن "مشتبهين بالإرهاب أوقفا في براغ، وكانا يشكلان خلية مشتركة" مع شخص ثالث يعتقد أنه عراقي أيضا.

وأوقف الثالث (42 عاماً) قبل بضعة أيام في فيينا، ويتهم بـ"اعتداءات إرهابية" لقيامه بأعمال تخريب في خطوط للسكك الحديد الألمانية في أكتوبر وديسمبر 2018 .

وفي أعقاب ذلك أوضح بيان صادر عن الادعاء في ميونيخ وبرلين والشرطة البافارية، أنّ للمتهم "تعاطفا ظاهرا" مع تنظيم داعش. وعُثر إثر الحادثين على وثائق كُتب عليها باللغة العربية بالقرب من مواقع التخريب.

كما أنّ راية "داعش" عثر عليها أيضاً فوق خط السكة الحديد المستهدف قرب برلين. جدير بالذكر، أن تعليمات التنظيم تطلب من أنصار وأعضاء التنظيم ترك وبشكل مقصود راية أو رسالة تشير إلى أن منفذي العمليات هم من تنظيم داعش.

إن عملية تخريب خطوط سكك حديدية في ألمانيا ودول أوروبية، أخرى يعتبر توجه جديد إلى تنظيم داعش، إلى أعضاء التنظيم أو من المرتبطين بالتنظيم.

لقد تعودنا دائما أن تنظيم داعش تميز بدون شك أكثر من تنظيم القاعدة والجماعات المتطرفة الأخرى، بتغيير وسائل عمله وتكتيكات التنظيم بتنفيذ العمليات الإرهابية.

تغيير تكتيكات تنظيم داعش

اعتمد التنظيم في مطلع عام 2014، على سبيل المثال،  كثيرا على الجماعات السلفية "المتطرفة" في تقديم الدعم اللوجستي من داخل ميادين دول أوروبا، لكن بعد سنتين من هذه العمليات التي أصبحت دارجة.

وبعد أن أدرك التنظيم أن أجهزة استخبارات دول أوروبا اختبرت وسائل عمل التنظيم بمتابعة ومراقبة السلفية المتطرفة، اتجه التنظيم إلى منحى آخر وهو اعتماد عناصر غير مرتبطة بالتنظيم، تعاني من مشاكل مالية ونفسية أو الإدمان على المخدرات أو لديها ضغوطات عائلية، وهذا ما كان واضحا في عملية شاحنة نيس على سبيل المثال.

وانحصرت عمليات تنظيم داعش عام 2017 وعام 2018، على تنفيذ عمليات محدودة من أنصار التنظيم أو المرتبطين بالتنظيم بتنفيذ عمليات الطعن والدهس. ومن أجل أن يحصل التنظيم على "وهج أكثر" واستقطاب أكثر، أطلق تكتيك "الخيل المسومة" بديلا عن "الذئاب المنفردة"، وفي مراجعة هذه التسميات، نجدها واحدة في الوسائل والأساليب، والتي باتت محدودة وشحيحة جدا.

ما يظهر، من عملية تخريب السكك الحديدية في أوروبا: إن عمليات إرهابية، من وحي تنظيم داعش، أو على غرارها، سوف تستمر، في دول أوروبا، رغم أنها محدودة جدا.

خلايا داعش ما زالت مترابطة في أوروبا العملية هذه تكشف أن هناك ترابطا بين أعضاء التنظيم في أكثر من دولة أوروبية، ليؤكد أن الجماعات المتطرفة، غير محددة بحدود، ومن المرجح أن يتم تحريك مثل هذه الخلايا داخل أوروبا من قبل أشخاص مرتبطين بالتنظيم، على الأرجح، لم يتم الكشف عنها، ويكونوا في درجة من الإجراءات الاحترازية، في الاتصال والتواصل مع هذا النوع من الخلايا داخل أوروبا.

إن إجراء مداهمات وإلقاء القبض على عدد من الأشخاص، متورطين بتنفيذ عملية مشتركة، وفي أكثر من دولة أوروبية، يكشف أيضا ضعف وتراجع التنظيم عملياتيا، أمام تأهب أجهزة الاستخبارات.

التعاون الاستخباري، وتبادل المعلومات، أكيد من أوصل أجهزة الاستخبارات إلى تتبع العناصر المتورطة والقبض عليها، وهو مؤشر إيجابي لصالح أجهزة الاستخبارات، بسد الثغرات وتعزيز التعاون وتسريعه، في متابعة الجماعات المتطرفة.

التنظيم ما زال يستهدف دول أوروبا، أكثر من بقية دول المنطقة، في أعقاب العمليات العسكرية، في سوريا والعراق، وحتى بعد استعادة قرية الباغوز؟ هو يدعو مقاتليه إلى "الثبات" في إصداراته الجديدة، لكن ما يجري في أوروبا الآن، يختلف تماما عن ما يجري في دول المنطقة.

فالتنظيم يعتمد خطابا آخر، يقوم مغاير في دول أوروبا والغرب، يتغذى على خطاب اليمين المتطرف الشعبوي وعلى ردود أفعال السياسات الأوروبية تجاه المسلمين، وكان ذلك واضحا في خطاب تنظيم داعش في أعقاب الإرهاب اليميني المتطرف في نيوزيلندا، عندما عرض صور وبنادق، مرسوم عليها عبارات متطرفة  على غرار ما قام به إرهابي اليمين المتطرف في نيوزيليندا.

التنظيم بالتأكيد يستثمر مثل هذه العمليات لصالحه، في التجنيد والحصول على أنصار جدد، بعد أن فقد الكثير من "الوهج".

الخلاصة

إن تنظيم داعش فقد الكثير من قدراته وإمكانياته، بتنفيذ عمليات نوعية وحتى العمليات المحدودة منذ عام 2018، أمام حالة تأهب إلى أجهزة الاستخبارات الأوروبية، التي استطاعت نسبيا بسد الكثير من الثغرات من خلال تعزيز التعاون بين دول أوروبا بعضها البعض، ومع دول المنطقة من جانب اخر.

المداهمات والعمليات الاستباقية، أصبح سمة عمل أجهزة الاستخبارات الأوروبية، منذ عام 2018، والأهم أن هذه العمليات الاستباقية كانت منظمة وقائمة على رصد ومتابعة وجمع الشواهد والأدلة، ولم تتحدد في دولة أوروبية واحدة، بل تتم في الغالب على تنفيذ مثل هذه العمليات بوقت واحد، لاستهداف خلايا الجماعات المتطرفة، وهذا ما حصل بين ألمانيا والنمسا وبريطانيا في غيرها من العمليات.

إن نجاح العمليات الاستباقية من شأنها تبعث رسائل مباشرة إلى خلايا الجماعات الإرهابية، أنها تحت رادار اجهزة الاستخبارات، وهذا من المرجح أن يكون وراء الهدوء الأمني الذي تعيشه دول أوروبا خلال الأشهر الأخيرة.

التأهب الأوروبي أيضا جاء مع القضاء على معاقل داعش في معاقله، ومنها الباغوز شرق سوريا خلال الشهر الجاري مارس 2019، وهذا منح أجهزة الاستخبارات الحصول على وثائق سرية حول تنظيم داعش، ممكن أن تساعد بالحصول على مخططات ومصادر تمويل وأسماء عناصر وقيادات، وهذا يعني أن الخلايا الموجود في دول أوروبا، ممكن أن تراجع عملياتها، لحسابات احترازية أمنية، رغم أنه لا يوجد أمن مطلق، وأن تهديدات الجماعات المتطرفة تبقى قائمة.



الكلمات الدلالية الاستخبارات أوروبا

اضف تعليق