اعتقال القُصَّر الفلسطينييـن.. شهادات موثَّقة من الداخل الإسرائيلي (3)


٠١ أبريل ٢٠١٩ - ١١:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد عاشور ومحمود معاذ

المحامي القانوني للمستوطنين يفوقهم تطرفًا ولديه تاريخ مليء بالإرهاب

كما جرت العادة في الحلقات السابقة، سنعرض نموذجًا لتعامل أجهزة الأمن الإسرائيلية مع الأطفال والصبيان الفلسطينيين، ويتضح عادة أن التعاطي الإسرائيلي نابعٌ من خوف مستقبلي، لذا يلجؤون لاستخدام العنف في كل مراحل اعتقال وسجن القُصَّر الفلسطينيين، وذلك لترويع الصَبِيِّ وتخويفه وإشعاره بأن هذا جزاء من ألقى حجرًا على يهوديّ حتى لو كان الفاعل طفلاً، فما باله لو كان شابًا يافعًا، وماذا سيكون جزاؤه لو تعدى الفعل مجرد إلقاء الحَجَر؟!

وعلى خلاف الحلقتين السابقتين، لن نقوم بعرض حالة مقابلة ليهود ارتكبوا أعمال عنف ضد فلسطينيين، ولكن في هذه الحلقة، سيتم الإشارة إلى شخص أكثر أهمية من مجرد مستوطن يرتكب عنفًا، لأن هذا هو الطبيعي في جميع المناطق الاستيطانية، وهو استخدام العنف والتخريب تجاه أبناء القرى الفلسطينية القريبة وممتلكاتهم.

نماذج بارزة.. عمر أبو عياش اعتُقل في سن العاشرة

وقع ذلك في ساعات ظهيرة يوم عاصف للغاية بالبلدة الفلسطينية بيت عمر، وهي الأجواء الطبيعية في نهايات شهر فبراير، لم يزعج ذلك أبناء عائلة أبو عياش ويمنعهم عن اللعب والهتاف خارج البيت، أحدهم كان يرتدي لباس "سبايدرمان"، يقفز من مكان إلى آخر، كان هو الرجل العنكبوت، فجأةً، لاحظوا وجود مجموعة من الجنود يمشون على الشريط الترابي المقابل، في لمحة، تحولت تعبيرات السعادة التي كانت على وجوههم إلى رعب، أسرعوا ليدخلوا المنزل، يقول ربُّ الأسرة: "ليست هذه هي المرة الأولى التي يتصرفون خلالها بهذا الشكل، يتكرر ذلك منذ أن تم اعتقال "عمر" ابن العاشرة على أيدي الجنود من بيته".

يعدُّ "عمر" واحدًا من بين مئات الفتيان الفلسطينيين الذين تعتقلهم إسرائيل سنويًّا (ما بين 800 إلى 1000)  أعمار جزءٍ منهم أقل من 15 عامًا، ومن بينهم مَن لم يحتفلوا بالوصول لسن الثالثة عشرة، فيما تكشف خريطة الاعتقالات صيغة معينة؛ كلما كانت القرية الفلسطينية أقرب إلى المستوطنات، تزداد احتمالات اعتقال القُصّر الذين يقطنون فيها، على سبيل المثال، في عزون الواقعة غربي قرنيه شومرون (تتبع محافظة قلقيلية) ليس هناك منزلٌ لم يعرف الاعتقال، يقول قاطنوها: إن أكثر من 150 من طلاب المدرسة الثانوية الوحيدة في البلدة اعتُقلوا خلال السنوات الخمس الماضية.

ما يحدث في بلدة عزون هو مجرد مثال، وهي وحدها لا تفسّر كيف أنه في كل لحظة معينة يتواجد تقريبًا 270 فتًى فلسطينيًّا في السجون الإسرائيلية، بالطبع، سبب الاعتقال الشائع (وهو إلقاء الحجارة) لا يوضّح الصورة كاملةً، بعد محادثات مع العديد من الفتيان والمحامين ونشطاء حقوق الإنسان، مثل منظمة "بيتسيلم" يظهر نمط واضح لعملية الاعتقال، ولكنها تترك تساؤلات كثيرة، على سبيل المثال، لماذا يبرّر الاحتلال اعتقالهم العنيف؟! ولماذا تُوَجَّه تهديدات ضد القاصرين؟!.. هكذا تحدثت الكاتبة اليسارية "نيتا أخيتوف" في تحقيق أجرته حول تعامل أجهزة الأمن الإسرائيلية مع أطفال وفتيان وفتيات فلسطين في الضفة الغربية.

مراحل تعذيب القُصَّر الفلسطينيين

تمر عملية سجن القُصَّر الفلسطينيين بعدة مراحل، طبقًا لجنود أدلوا بشهاداتهم لمنظمات حقوقية محلية، أول مرحلة هي الاعتقال، وعادةً ما يقول من يشهد هذه العملية أن نصف الأطفال الفلسطينيين يتم القبض عليهم من بيوتهم في منتصف الليل بعد أن يقتحم الجنود منازلهم، متجاهلين قانون اعتقال القُصَّر الذي يقضي بضرورة توجيه أمر استدعاء لهم دون ترحيلهم.

 وثاني مرحلة هي ترحيلهم، وفي أغلب الحالات، يُنقل الفتى مقيد اليدين إلى الأمام وأحيانًا إلى الخلف، ومعصوب الأعين من مكان إلى آخر قبل أن يصل إلى القاعدة العسكرية للتحقيق معه، وقد يبقى في منطقة مفتوحة بالخارج، وهناك مشكلة أخرى في عمليات النقل المتكررة إلى جانب عدم الراحة والفزع، وهي وقوع حالات عنف كثيرة وفيها يقوم الجنود بضرب المعتقلين، وعندما يصل الفتى إلى الهدف، يُجلسونه لعدة ساعات على كرسي أو على الأرض مقيدًا معصوب الأعين ومن دون طعام.

ثالث المراحل هي مرحلة التحقيق، ويصف الأطفال هذه الغرفة بـ"الكابوس المخيف"، حيث يتم إدخالهم إلى غرفة التحقيقات بعد فترة ليست محددة، وبعد مرور 3 إلى 8 ساعات على الاعتقال، يكون الطفل وقتها مُتعَبًا وجائعًا وأحيانًا يتألم من الضرب أو مذعورًا من التهديد الذي وُجّه إليه، ويتم خلالها توجيه التهديدات للأطفال مثل قتل الوالدين إن لم يعترف أو سحب رخصة عمل رب الأسرة، وهكذا حتى الوصول إلى مرحلة السجن والمحاكمة، وحينها  يتم أيضًا تعذيب الأطفال وإيقافهم عرايا في الشتاء، وتنتهي غالبية ساحقة من محاكمات الأطفال بما يسمى بـــــ"الصفقة"، وهي كلمة رائجة في أوساط الأطفال الفلسطينيين، وهي أنه عندما لا يكون هناك أدلة تربط الطفل بإلقاء الحجارة، وإذا لم يوقع على اعتراف، تجري المحاكمة لفترة طويلة ويعتقل الشاب حتى نهاية إجرائها، ويستمر ذلك حتى يعترف الطفل خلال عملية الإفراج.

إسرائيليون: محامي المستوطنين إرهابي متطرف

لن نتحدث في هذه الحلقة عن نموذج مقابل من المستوطنين والاختلاف الفج لتعامل الأمن الإسرائيلي معه عن الفلسطينيين حى لو كان قاتلاً (كما أوضحنا سابقًا)، ليس فقط لقلة هذه النماذج، ولكن لأن الحديث عن المحامي الروتيني الذي يتقدم للمرافعة عن المستوطنين بخصوص عملياتهم في حق الفلسطينيين وأراضيهم، أمرٌ يستحق الإشارة والاهتمام، لا سيما في المرحلة الحالية..

 "إيتمار بن جبير"، أحد أكبر المتطرفين والإرهابيين الذين عرفهم يهود إسرائيل، أحد أهم تلاميذ مؤسس حركة "كاخ" مائير كاهانا الذين كان يدعو لقتل وحرق الفلسطينيين والعرب، سُجّلت له توثيقات مرئية دعا خلالها لقتل رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين الذي اغتيل بالفعل على خلفية توقيعه اتفاقيات أوسلو التي مهدت لسلامٍ مع الفلسطينيين. هل اكتفى بهذا الكم من العداء والكراهية للفلسطينيين والعرب؟! لا لم يكتفِ بن جبير، فصرّح وتباهى أكثر من مرة أنه يعلق صورة "باروخ جولدشتاين" في صالون بيته، والأخير هو مرتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي وقتل 29 مسلمًا وإصابة أكثر من 100 آخرين  خلال أدائهم صلاة الفجر في منتصف شهر رمضان 1414 هـ / الموافق لـ 25 فبراير 1994، لذا لكم أن تتخيلوا أن هذا الشخص هو رجل القانون الذي يدافع عن المستوطنين في عملياتهم الحالية ضد أبناء الضفة الغربية؛ وهو حرٌّ طليق يمارس حياته بشكل طبيعي، والأدهى من ذلك أنه ترشّح لعضوية الكنيست خلال الانتخابات المزمع إقامتها في التاسع من أبريل الجاري بتصديق ومباركة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي أدخله إلى مبنى الكنيست بعد أن كان ممنوعًا من خوض الانتخابات.

وفي هذا الصدد لا يسعنا إلا اقتباس كلمات الكاتب اليساري "آخيا كاتس" حين قال تعليقًا على السماح لبن جبير للمنافسة على مقعد في الكنيست: ""إن المشيدين والمهلّلين لباروخ جولدشتيان مرتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي بقتل 29 مسلمًا وإصابة 125 آخرين، لا زالوا أحرارًا وطلقاء في مدينة الخليل، يسبون هذا، ويبصقون على ذاك أمام أنظار الجنود الذين لا يستطيعون مساسهم، والأدهى من ذلك أنهم ينافسون الآن على دخول الكنيست المقبل. إن الخليل التي كانت يجب أن تغلق في وجه المتطرفين من المستوطنين، أصبحت على النقيض تُقّيِّد حركة الفلسطينيين الذين اُرتِكِب في حقهم المذبحة".






اضف تعليق