وسط تحذيرات من حرب أهلية.. كابوس الساعات الأخيرة يؤرق البشير


٠٩ أبريل ٢٠١٩ - ٠٣:٣١ م بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

يبدو أن الأيام، وربما الساعات المقبلة، قد تشهد مفاجآت سياسية للرئيس السوداني عمر البشير، الذي حكم البلاد، طيلة 30 عامًا، منذ عام 1989 حيث كان قائداً للواء الثامن مشاة، في الجيش السوداني، ليطيح بـ "الصادق المهدي" - الذي يرأس حزب الأمة المعارض حاليًا، ويجمع بين منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.

الجيش السوداني الذي قاده البشير، يبدو أن مواقفه من الرئيس قد تبدو غامضة، رغم الإعلانات المتتالية من وزارة الدفاع، بالتزامها بـ "الشرعية"، والحرص على "وحدة النسيج الوطني"، وتأمين حق التظاهر السلمي، إلا أن المتظاهرين والمعارضة، وشرائح باتت في اتساع داخل المؤسسة العسكرية، أضحى المزاج العام لها يميل إلى رفض وجود البشير على رأس السلطة في البلاد.

تصريحات، تمثل نذيرًا لـ "حرب أهلية"، جاءت من داخل الحكومة السودانية ذاتها، على لسان "حسن إسماعيل"، المتحدث باسمها، والذي اتهم المعارضة بحشد أنصارها، استغلالًا لرمزية السادس من أبريل، خلفت حالة من "الاستقطاب السياسي الحاد في البلاد"، محذرًا من احتمالية وقوع حرب أهلية تدخل بها البلاد في آتون من الفوضى والصراع الذي لا ينتهي.

احتجاجات القيادة العامة


مع دخول الاحتجاجات في السودان، ما يربو على عام، منذ انطلاقها في التاسع عشر من يناير من العام الماضي، في بعض المدن السودانيّة بسببِ ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، حتى وصلت ذروتها يوم السبت الماضي، بالتزامن مع ذكرى الثورة الشعبية في السادس من أبريل عام 1985، والتي أجبرت الرئيس "جعفر النميري" على التنحي، فيما عُرف بـ "موكب 6 أبريل"، والتي وصلت إلى المجمع الكبير في وسط العاصمة الخرطوم، والذي يضم وزارة الدفاع وكذلك مقر إقامة البشير والمقر الرئيسي لجهاز الأمن والمخابرات الوطني.

فقد أخذت الأحداث تتسارع وتيرتها، حتى دخلت مرحلة خطيرة، تمثلت في اندلاع اشتباكات - محدودة نسبيًا - بين عناصر من الجيش، وقوات الأمن السودانية، سعت خلالها القوات المسلحة، إلى تأمين المعتصمين أمام مقر القيادة العامة، من محاولات الأمن المتكررة لفض الاعتصام، والتي يبدو في طريقها للفشل.

الاشتباكات بين الجيش والأمن، خلفت قتلى وجرحى من كافة الأطراف، تضاربت الأنباء حول أعدادهم، إلا أن نيران "الثورة السودانية"، لا تبدو في طريقها للانخماد، ولا الفتور قد أصاب القائمين عليها أو المشاركين فيها.

التطورات الجديدة، استدعت تدخل قوات الشرطة ببيان، أكدت فيه احترامها لـ "التجمعات السلمية"، وأورد البيان، أن الشرطة ظلت تؤدي واجباتها في إطار القانون، وأضافت أنها أصدرت توجيهاتها للقوات بعدم التعرض للمواطنين والتجمعات السلمية في كافة الولايات.

وأضافت، أن التوجيهات تحث على حفظ الأرواح والممتلكات ومنع الجريمة وتنظيم المرور وإجراءات السلامة العامة.

وأشارت إلى أن قوات الشرطة ظلت "وفية لواجباتها في تجرد ومهنية" وقالت إنها تترحم على الضحايا من المواطنين والشرطة والجيش.

المعارضة تصعد


ربما تفهم كونها "انتهازية سياسية"، أو "انتقام وثأر"، أخذت المعارضة السودانية، منحى تأييد التظاهرات الحاشدة الحالية، والتي تكتسب يومًا بعد يوم، أرضًا جديدة لصالحها، فيما يخسر النظام داعميه، سواءً على المستوى الشعبي، أو حتى من النخب والساسة.

الحديث هنا عن "الانتهازية السياسية"، ينطبق فعليًا على حزب الأمة السوداني، الذي صرح زعيمه "الصادق المهدي"، بأن على البشير أن "يستجيب لمطالب الشعب"، وبشكل أكثر صراحة طالب الرئيس السوداني "بالتنحي وتسليم السلطة لقيادة عسكرية".

المهدي، أشار في مؤتمر صحفي، اليوم الثلاثاء، أن مسلحين ملثمين يقومون فجر كل يوم بغارة على المعتصمين، ما أدى حتى الآن لمقتل نحو 20 وجرح العشرات، والاعتداء على آخرين.

وأضاف أحد أبرز رموز المعارضة السودانية، "إن الاعتصام المستمر استفتاء مليوني يؤكد حرص الشعب السوداني على تنحية هذا النظام وتسليم السلطة لقيادة عسكرية مؤهلة للتفاوض مع الشعب وإقامة نظام جديد"، مشيرًا إلى أن "الحل الأمثل هو الاستجابة لمطالب الشعب وتحقيق المطالب التي نادت بها قوى الحرية والتغيير".

ووجه حزب الأمة، رسالة مباشرة إلى الجيش السوداني، دعاه خلالها إلى "دعم خيار الشعب السوداني في التغيير والانتقال إلى حكم مدني ديموقراطي، وسحب يدها عن النظام الحالي الذي فقد أي مشروعية له".

تنحي البشير


قبل أكثر من 24 ساعة، نقلت "وكالة الأنباء الألمانية"، عن مصدر في القوات المسلحة السودانية، قوله إن الرئيس عمر البشير دخل في اجتماع طارئ مع قيادة الجيش لدراسة الأوضاع الراهنة والتقرير بشأنها، امتدادا لاجتماع عقده أمس مع الأطراف نفسها.

ونقلت الوكالة عن مصادر نافذة قريبة من البشير أنه بات أقرب لتنفيذ الخطة "باء" المتعلقة بتسليم السلطة إلى الجيش السوداني، بعد الاتفاق على ضمانات محددة تتصل بالوضع في البلاد وأخرى تتصل بملف المحكمة الجنائية الدولية.

وبعد صمتٍ قصير، سارعت الحكومة السودانية ووزارة الدفاع إلى نفي تلك الأنباء، مؤكدة على وحدة البلاد قيادةً وشعبًا.

وقال وزير الدفاع السوداني الذي يشغل أيضا منصب النائب الأول لـ"البشير" في بيان، الإثنين، إن "القوات المسلحة هي صمام أمان البلد ولن تفرط في أمنه ووحدته وقيادته".

وأفاد وزير الدفاع بأن كل السودان بأبنائه ومقدراته أمانة في عنق القوات المسلحة، وأن التاريخ لن يغفر لقادتها إذا فرطوا في أمنه.

ومضى قائلا، إن هناك جهات تحاول استغلال الأوضاع الراهنة لإحداث شرخ في القوات المسلحة، وإحداث الفتنة بين مكونات المنظومة الأمنية بالبلاد، مشددًا على أنه لن يتم السماح بذلك مهما كلف من عنت وضيق وتضحيات.

وبين الوزير السوداني أن القوات المسلحة تقدر أسباب الاحتجاجات، وهي ليست ضد تطلعات وطموحات وأماني المواطنين، ولكنها لن تسمح بانزلاق البلاد نحو الفوضى، ولن تتسامح مع أي مظهر من مظاهر الانفلات الأمني.

وفي السياق ذاته، نفت الحكومة السودانية بشكل قاطع أنباء تنحي "البشير" وتسليمه السلطة للجيش، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية "سونا".

وشدد الناطق الرسمي للحكومة "حسن إسماعيل" أن هذه المعلومات عارية عن الصحة تماما؛ ولم تتم مناقشة مثل هذا الموضوع أصلا، وأن مثل هذه المزاعم هدفها إثارة البلبلة وسط المواطنين.

ضغوط دولية


من الواضح أن دائرة الضيق التي تلتف حول الرئيس السوداني، ليست من الداخل الملتهب فحسب، بل وصلت صداها إلى الأوساط الدولية.

فبشكل صريح لا لبس فيه، دعت كل من بريطانيا والولايات المتحدة والنرويج، اليوم الثلاثاء، السلطات السودانية للاستجابة لمطالب الشعب.

وحملت تلك الدول القيادة السودانية، مسؤولية الأحداث الأخيرة، التي شهدتها العاصمة الخرطوم بعد اعتصام آلاف المُحتجين أمام وزارة الدفاع ومقر إقامة الرئيس السوداني عمر البشير.

كما دعت الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج، السلطات لإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في السودان.


اضف تعليق