انتصارات وانكسارات مصرية على أوتار قيثارة الأغنية الوطنية


٢٥ أبريل ٢٠١٩ - ٠٨:١٤ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - هالة عبدالرحمن

الموسيقى جزء من حضارة البشر، وربما تأريخ لثقافات وحضارات اندثرت وبقيت موسيقاها حية بين البشر، فيما استخدمت الشعوب الموسيقى في الحرب من قديم الأزل، وكانت وما زالت الأناشيد وموسيقى المارش تمثل جزءًا أصيلًا من الجيوش العسكرية.

ولا تزال الموسيقى والأغاني الحماسية الوطنية تحاكي الجمهور وتداعب مشاعره، وتعبر عن قضاياه تجاه الأوضاع وتعبر عن كل حقبة زمنية وتوثق تاريخ الأمم.


ففي مصر ظل الأب الروحي للأغنية الوطنية فنان الشعب سيد درويش الذي تناغمت ألحانه وموسيقاه مع قيام ثورة 1919 ضد الاحتلال الإنجليزي، جسّد فنان الشعب سيّد درويش عبر ألحانه وصوته مطالب الثورة، كان أبرزها نشيد مصر الحالي "بلادي بلادي" من تأليف الشيخ يونس القاضي والمأخوذ عن خطاب الزعيم مصطفى كامل. إضافة إلى الأغنيتين: "قوم يا مصري" و"أنا المصري كريم العنصرين".


وشكّلت ثورة 52 نقلة نوعية في الأغنية الوطنية ولعبت دورًا تعبويًا، وتوجيهيًا، فيما كتب كبار شعراء مصر في مقدّمتهم صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي الذي أكد أن الأغنية الوطنية في مصر تألقت منذ ثورة يوليو واشترك فيها تقريبا جميع الفنانين الذين تواجدوا على الساحة في فترة الخمسينيات.

ومع دخول الراديو إلى مصر، تجذّرت تلك الأغاني في وجدان الشعب المصري والعربي، إذ صاحبهم أصوات كبار المطربين مثل محمّد عبد الوهاب و أمّ كلثوم وعبد الحليم حافظ و شادية. عبّرت الأغنية عن تأييد جارف للثورة وقائدها جمال عبد لناصر وساهمت في رفع الخطّ القومي، ما أوقعها في فخّ، اختلط فيه مفهوم الهمّ الوطني من جهة و مفهوم الانحياز السياسي من جهة أخرى، حتى أن عبد الحليم حافظ ، لقبه البعض بصوت الثورة.

وكانت الأغنية الوطنية منحصرة في الكثير من الأوقات بالغناء للزعيم أو القائد تارة، وتجسيد لإنجاز أو نكسة يمر بها الوطن فمثلا غنت أم كلثون "طوف وشوف" و"قصة السد" و"ياجمال يا مثال الوطنية".


وعقب هزيمة مصر في عام 1967، انكفأ العديد من الشعراء عن الكتابة حزناً، إلاً أنّ عبد الرحمن الأبنودي وفؤاد حدّاد قرّرا مقاومة خيبتهم عبر الكلمة فألّفا أغنيتي " عدّى النهار" لعبد الحليم حافظ و"الأرض بتتكلّم عربي" لسيّد مكاوي .ثمّ تلاها بعد فترة أغاني مثل "أمّ الصابرين" لشادية و"أصبح الآن عندي بندقية" لأمّ كلثوم.

وفي الستينيات أيضاً كان اللقاء الأول بين الشيخ إمام والشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، كان في عام 1962واتسعت الدائرة عبر التعاون بالألحان وبدأت الثنائية بين الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وتأسست شراكة دامت سنوات طويلة، كرست مفهوم الأغنية السياسية، لكن هذه المرة بعيداً عن تبجيل القائد، بل بنبرة نقدية، أدخلتهما مراراً السجن.


فتختبئ النكسة في أغنية "عدّى النهار" خلف المجازات والاستعارات التي جعلت من الهزيمة ليلا شاعريا يهبط بعد النهار الذي يغني له حليم في صوت دافئ كعادته ومنكسر هذه المرة على توزيع أوركسترالي فخم. أما الهزيمة عند نجم وإمام، فتأتي بكل ثقلها ووقاحتها بلا مواربة في كلمات لم تبن فعل الخسارة والذل للمجهول، بل واجهت به بلا مواربة "أسيادنا البعدا" و"عبد الجبار" في لحن أثقلته وطأة الهزيمة وفاته أن يكون ساخرا مستهزئا كالكلمات، ليحمل في طياته المرارة العميقة المترددة في أنفس الجميع.


وكان للانتصارات وقع كما للهزائم على حالة الفنّ في أيّ بلد. فاستنهض نصر 73 مشاعر الثقة لدى المصريين وبالتالي الفنانين، وأبرز الأغاني الّتي عبّرت عن مشاعر الاعتزاز هي "بسم الله الله أكبر" لعبد الحليم" أنا على الربابة بغني" الّتي غنّتها وردة الجزائرية و "دولا مين" لسعاد حسني.

وفي عام 1973 غنت الفنانة شادية أغنية "عبرنا الهزيمة" كتبها الشاعر عبد الرحيم منصور وقد استوحى كلماتها من مقالة بالأهرام لتوفيق الحكيم بالاسم نفسه، ولحنها بليغ حمدي، وتقول: عبرنا الهزيمة يا مصر يا عظيمة .. باسمك يا بلادي تشتد العزيمة.. باسمك يا بلادي عدينا القنال .. باسمك يا بلادي خطينا المحال .. ومن الأغاني الوطنية التي غنتها شادية وتناولت فيها عيد النصر العظيم، أغنية "مصر اليوم في عيد" عام 1982، من تلحين جمال سلامة وكلمات عبد الوهاب محمد .

ومن الأغاني التي غنتها شادية أيضًا ووجدت تفاعلا كبيرا معها حيث عبرت عن النصر والإصرار والعزيمة لدى المصريين، وعن الصبر والكفاح والصمود، عن هوية المصري وعن جوهره وطبيعته، ونضاله وشجاعته، أغنية "يا حبيبتى يا مصر" لحنها بليغ حمدي، وكتب كلمتها الشاعر محمد حمزة .


والعلامة الأخرى الفارقة في تاريخ الأغنية الوطنية خلال فترتي التسعينيات والألفينيات، الموسيقار عمار الشريعي، الذي يعد من أهم الموسيقيين الذين أنجبتهم مصر، ولا يقل في أهميته عن الموجي ومحمد عبدالوهاب، وكمال الطويل، وغيرهم من علامات الموسيقى المصرية.

استطاع "الشريعي" الوصول بموهبته إلى العالمية، بينما تولي الشريعي تلحين أوبريتات انتصارات أكتوبر منذ عام 1991 وحتى 2003، فأغلب هذه الاحتفاليات كانت تحقق نجاحاً كبيراً في البداية بسبب موسيقي الشريعي التى تلألأت بأصوات نخبة من كبار المطربين لعل أبرزهم على الحجار، ومحمد الحلو.

الشريعي تعاون مع كبار المطربين أمثال وردة، وشادية، وميادة الحناوي، وعفاف راضي، ومحمد ثروت، ونادية مصطفى، وقام بتلحين أوبريت "سينا جينا زي الريح" الذي أطلق في أول احتفال لتحرير سيناء وغنى فيه علي الحجار وعفاف راضي، وعام 1991 بدأ المشاركة في احتفاليات أكتوبر وكان أول عمل له فيها هو "مصر البنايين".

كما لحّن أوبريت "اخترناه" الشهير خلال ولاية الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، والذي اعتذر عنه عقب قيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، التي شارك فيها ودعّم شبابها عبر عدد من المداخلات التلفزيونية في الوقت الذي كانت الثورة فيه محط هجوم عدد من المشاهير ورموز النظام السابق.


وقبل ثورة يناير حققت أغنية ماشربتش من نيلها للفنانة شيرين نجاحًا كبيرًا، إلا أن رائعة عمر خيرت "فيها حاجة حلوة" كانت أدق وأصدق تعبيرًا عن الوضع الذي وصلت له البلاد قبيل ثورة يناير من فساد وتردي للأحوال والمعيشة ومن بعدها انطلقت شرارة الثورة.


وخلال ثورة يناير، ظهرت أصوات وفرق موسيقية جديدة، جسّدت أحلام شباب ثورة يناير وكانت بوقًا لآمالهم ولكن على طريقتهم فلم تكن شاعرية حالمة تجسد الصورة النمطية للوطن، بينما كانت بمثابة استفاقة وشحذ للهمم للوقوف في وجه طغيان وفساد طال أمده، ورثاء وفخر لأرواح شهداء ثورة يناير.

وغنى عمرو دياب "مصر قالت"، وغنى حماقي "دايما عايشين"، وغنى أحمد مكي "25 يناير"، وغنى عزيز الشافعي ورامى جمال "يا بلادي"، وظهرت فرق "الأندرجراوند" لتشتهر من بينهم فرقة "كايروكي" بأغنيتها الشهيرة "في كل شارع في بلادي"، و"الميدان" مع عايدة الأيوبي.


وبعد ثورة 30 يونيو تغير مفهوم الأغنية الوطنية كثيرًا لتصبح أقرب إلى الأغاني التجارية  للترويج لنزول جموع الناخبين للتصويت في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة فمثلًا جاءت "تسلم الأيادي" من تأليف وألحان مصطفى كامل، وغناء كل من حكيم وغادة رجب، وسومة، وخالد عجاج ومصطفى كامل، وهشام عباس وإيهاب توفيق، و"بشرة خير" لحسين الجسمي وتلحين عمرو مصطفى وكلمات أيمن بهجت قمر، وتدعو الأغنية المواطنين للنزول للتصويت بانتخابات الرئاسة في جمهورية مصر العربية يومى 26 و27 مايو عام 2014، وقيل بأنها أصبحت الأغنية الرسمية لمؤيدي الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وبعيداً عن التقليدية العاطفية الذي عُرف بها الخطاب الغنائي الوجداني لتحريك الجمهور في الحروب السابقة تحديداً في الحروب العربية الإسرائيلية إلى حد كبير، أضحت اليوم الأغنية "الوطنية" توأم لنبض الشارع أو الحراك المدني الذي بُعث بصورة واضحة في العام 2011 مع انطلاقة أولى الثورات العربية في تونس.


اضف تعليق