السامريون.. قصة يهود فلسطينيون اصطفوا مع شعبهم وحاربوا الصهيونية‎


٢٦ أبريل ٢٠١٩ - ٠٢:٥٣ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة -  فجر امس الخميس، أنهت الطائفة اليهودية  السامرية (التي تتخذ من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية مستقرا لها) احتفالاتها في عيد "الفصح" الذي استمر سبعة أيام، أعلى قمة جبل جرزيم (886 مترا فوق سطح البحر)، في المدينة.

وتحافظ الطائفة اليهودية الفلسطينية الأصغر في العالم على طقوس دينية  خاصة بها، كما تحافظ على فلسطينيتها وعلاقتها المميزة مع أهالي مدينة نابلس التي يقطنها السامريون.

ويلخص الأسير الفلسطيني "نادر السامري" كما هو معروف في نابلس، والمحكوم عليه 6 مؤبدات في سجون الاحتلال، حكاية إخلاص هذه الطائفة لشعبها رغم أنها يهودية.

درس نادر صدقة علم الآثار في جامعة النجّاح الوطنية بمدينة نابلس، أمضى سنتين من حياته قبل الاعتقال مطاردًا، بعيدًا عن عائلته، متخفيًّا، الأمر الذي يعني أنه ظلّ بعيدًا عن "جبل جرزيم"، وعائلته، وأهله؛ بعيدًا عن الاحتفال معهم ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم ، وأصبح قائداً لكتائب الشهيد أبو علي مصطفى في نابلس.

نشأ نادر على جبل جرزيم، الجبل المهيب المطل على نابلس، الذي تعتلي قمته بقايا آثار حضارات مختلفة، من مذبح إسحاق، وهو عبارة عن صخرة محفورة يعود عمرها إلى نحو 4500 عام، بحسب اعتقاد السامريين. ومقام الاثنى عشر، أسباط بني إسرائيل، إلى بقايا الكنائس البيزنطية حتى مقام الشيخ غانم الإسلامي، الذي يعود إلى العصر الأيوبي، ويرفرف عليه علم إسرائيلي.

وكأبناء السامريين الذين يعيشون على جبل جرزيم، تعلّم نادر في مدارس نابلس، وشبّ في طرقها، ثم درس علم الآثار في جامعة النجاح. وفي وقت لاحق حدّد خياراته، التي ظهرت جليّةً خلال انتفاضة الأقصى، وأصبح قائداً لكتائب الشهيد أبوعلي مصطفى في نابلس، الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

نشط نادر مع الجبهة الشعبية في جامعة النجاح، وعُرف كقارئ نهم "لا يترك الكتاب من يده"، كما يقول والده بفخر.

وأيضاً كفنان في الخط العربي، جعل والده يصفه بأنه صاحب "يدين تلتفّان بالذهب". خطَّ نادر لافتات التنظيمات الفلسطينية، لشهرته كخطّاط، ووزع البيانات.

لائحة الاتهام التي وجّهتها النيابة العسكرية لنادر طويلة، وتتضمن 35 بنداً، بينها اتهامه بتدبير هجوم على حاجز عسكري إسرائيلي أدّى إلى مقتل جنديّين، وتدبير عملية استشهادية على حاجز الحمرا في غور الأردن، وغيرهما.

تنتاب صدقة السامري مشاعر مختلطة إزاء خيارات ابنه، من الفخر بشخصيّته، إلى عدم موافقته على ما فعله. وقال �إذا أردتني أن أتحدث بصراحة عن مشاعري، فإننا كسامريّين طائفة قليلة العدد. اليهود يعدّوننا عرباً، والعرب يعدّوننا يهوداً. نحن جميعاً كفلسطينيّين قشة في مهب ريح مصالح الدول الكبرى، وعندما وجدت أنّ ابني بدأ يميل للنشاطات العنيفة، نصحته وقلت له اترك هذا الأمر. لو حررت القدس فستبقى يهودياً، لكنّه تحوّل إلى شيوعي عنيد.

وأضاف: لكونه سامرياً مقاوماً، كثّف الإسرائيليّون مساعيهم حتى ألقوا القبض عليه. وبعد سنوات السجن، لم يتأثر، ولم تتزعزع عقيدته، رغم حداثة سنه، فهو من مواليد عام 1977. خلال محاكمته، بدا نادر متمسكاً بمبادئه، ورفض الوقوف للقاضي في قاعة المحكمة. وحين أصدر الأخير حكماً على نادر بالسجن أربع مؤبّدات، ردّ عليه بشتيمة كبيرة، فزاد القاضي الحكم ليصبح ستة مؤبّدات و45 عاماً. هذه شهادة والده صدقة، الذي يحكي بين حرقة وخوف وفخر.

وأخيراً، عزل نادر في زنزانة انفرادية، بعد اتهامه بتلقّي رسالة داخلية من الأسير أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية. وقبل اعتقال نادر الذي أصبح "سامرياً شريراً" في نظر قوات الاحتلال، اعتقلت هذه الأخيرة شاباً سامرياً آخر هو كريم اسحق عمران الكاهن، بتهمة نقل منفّذ عملية استشهادية.

ورفضت وساطات شخصيات سامرية للإفراج عنه. لذلك، فإنه ليس لدى والد نادر أيّ أمل في الإفراج عن ابنه، مشيراً إلى أن سلطات الاحتلال أرادت الانتقام من ابنه ليكون عبرة لأيّ سامري.

وتجد نظرية صدقة الانتقامية أنصاراً بين أبناء الطائفة المحاصرة بحاجز عسكري إسرائيلي على مدخل جبل جرزيم. إذ لا يُسمح لأيّ فلسطيني بزيارتها إلّا بموجب ترتيبات خاصة. ويفتح هذا الحاجز في السابعة صباحاً ويغلق في السابعة مساءً، ما أدى إلى عزلهم عن محيطهم الفلسطيني.

يعدّ السامريون الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، أنفسهم فلسطينيّون. فطوال فترة وجودهم، عاشوا مع الفلسطينيّين في مدينة نابلس، ولهم محالّهم التجارية فيها حتى اليوم. وكانوا يتمتعون بتمثيل نيابي في المجلس التشريعي الفلسطيني، إذ أعطاهم الرئيس الراحل ياسر عرفات مقعداً تحت نظام الكوتا، إلا أنه جرى إلغاء هذا الكرسي بعد وفاته.

في المقابل، يعدّ اليهود كل سامري نجساً، هو وطعامه وعبادته. حتى إنّ لفظ كلمة سامري ينجس اليهود، باعتبار أن العرق اليهودي فيهم اختلط بغير اليهود. كما أنهم يسعون إلى تجنّبهم، فهم لا يكلمونهم ولا يمرّون في أحيائهم.

يتحدث أبناء الطائفة، التي تعتقد أنها تملك أقدم نسخة من التوراة، ويعود تاريخها إلى 3600 عام، اللغة العربية بطلاقة، إلى جانب اللغة العبرية اليهودية، كما يتقنون اللغة العبرية القديمة التي نزلت بها التوراة.



اضف تعليق