سهير المصادفة: الكتابة ارتبطت لدي بالمهجر


٢٧ أبريل ٢٠١٩ - ١١:٠٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي

في أوائل تسعينيات القرن العشرين، قررت الكاتبة سهير المصادفة أن تهاجر إلى بلد بعيد، وتظل هناك إلى الأبد لتكتب، كانت قد قرأت "أجنحة متكسرة"، "النبي"، "الأرواح المتمردة" لكاتب المهجر الشهير جبران خليل جبران، وكانت مفتونة به، فارتبطت الكتابة لديها بالمهجر.

قالت لنفسها أيضا: مع مكانة الكاتب المالية والأدبية في العالم العربي، لن استطيع مواصلة الكتابة، علاوة على كل ما لاقيته حيث عرفت جيدا أنني ابنة ثقافة عربية تكافح منذ قرون لتجاوز عادات وتقاليد تحاصر المرأة وتزدريها، وتحدد لها أدوارا يمكننا إحصاؤها على أصابع اليد الواحدة".

وأضافت -في شهادتها التي ألقتها بملتقى القاهرة للإبداع الروائي- كنت لا أعرف ما معنى الوهابية التي دخلت على هوية مصر الإبداعية والفنية منذ بداية ثمانينات القرن العشرين، كنت أتابع فحسب التغير المجتمعي الكبير: تحجيب الفنانات اللاتي أحببتهن، شكل الجامعة التي دخلتها، وتحول ألقاب النساء التي كانت "مدموازيل"، "مدام"، و"هانم"؛ إلى لقب "الحاجة" لمن هم بعد الثلاثين من أعمارهن، أو "أختي" للفتيات الصغيرات، وقتها عرفت أنهم جميعا ينتمون إلى مذهب محمد بن عبدالوهاب المتطرف، وعرفت أنهم حتما سيسقطون بعد حين مهما واصلوا نجاحاتهم في محو هوية مصر.

وتابعت المصادفة: مع أول فرصة جاءتني سافرت إلى موسكو لاستكمال دراستي، وإعداد نفسي لأظل في المنفى إلى الأبد. قرأت بهوس كل الأدب الروسي الكلاسيكي، ومشيت في الشوارع التي مشي فيها دستويفيسكي، تشيخوف، جوجل، بولجاكوف، وبوشكين، وكنت قد جهزت ديوانين للطبع وبدأت في كتابة أولى رواياتي "لهو الأبالسة"، ولكنني توقفت بعد انتهاء الفصل الأول، وفتحت نافذتي على الثلج المتراكم أمامها في ليلة رأس السنة، وأخذت أتشمم هواء البرد القارس، علني استطيع اقتناص ذكرى لرائحة نسمات برد ديسمبر في مصر، ولكنني لم أشم شيئا، بل شعرت ببرودة دمي، وبرودة النص على طاولتي، وكأنه أصبح جثة هامدة.

وأضافت: صارت ذاكرتي صفحة بيضاء، وكنت لا أرى أمامي إلا الثلج وهو يعيد تشكيل نفسه إلى ما لا نهاية، اختفت أصوات الباعة الجائلين، وضجيج شوارع القاهرة التي لا تنام، وأبواق السيارات المزعجة، وصوت الأذان المتكرر خمس مرات في اليوم، ونواقيس الكنائس، ومذاق رياح الخماسين، وهي تكاد تقتلع جسدي النحيل من الأرض اقتلاعا، صهيل أجساد المارين الحار الذي يدفعهم دفعا إلى المشاجرة طوال ساعات النهار.


الكلمات الدلالية سهير المصادفة

اضف تعليق