"باغتياله تخلصنا من كتيبة دبابات" .. "غسان كنفاني" قلم أرعب الاحتلال‎


٢٩ أبريل ٢٠١٩ - ٠٣:٠٤ م بتوقيت جرينيتش

محمد عبد الكريم

القدس المحتلة – "باغتياله تخلصنا من كتيبة دبابات والآلاف من المخربين".. هكذا صرحت رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير، بعد عملية اغتيال غسان كنفاني بانفجار سيارة مفخخة على أيدي عملاء إسرائيليين، في العاصمة اللبنانية بيروت في تموز عام 1972.

مثقف، وباحث، وكاتب، وصحفي، ومنظّم، ومناضل، عرف معنى قوة الفكرة فهو الذي قال يوماً: "إنّ الحركة الصهيونية قاتلت بسلاح الأدب قتالاً لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي"،  فقد كانت إسرائيل ترى فيه المثقف الأشد خطراً، لأنه يستلهم من الممارسة إنتاج نظريَّة أود رس أو مهارة أو إدراك.

يعيش غسّان كنفاني بيننا، وحضوره يقوى على مواقع التواصل، والعدوّ الذي ظنّ أنه تخلّص من فكرة غسان كنفاني وأدبه يعاني من انتشار فكر وثورة غسان كنفاني، فيما يقوى فكر معاداة المقاومة في العالم العربي، لكن قوّة كنفاني تكمن في قدرته على التعريف بالقضيّة الفلسطينيّة لجيل عربي جديد...من قبره، ليس للفلسطينيين فقط، بل لليبيين والعراقيين، وخصوصاً للسوريين الهاربين بحثاً عن حل فردي في المهاجر الغربية.

حاله كحال أم كلثوم تبدو حيّة في أذهان وأسماع الجيل العربي الجديد، هناك مطربات ومطربون من جيلها مجهولون من قبل الجيل العربي الجديد، لكن أم كلثوم تبدو عصيّة على النسيان اليوم. وغسان كنفاني واحد من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي العربيّة.

حضوره قوي في غيابه، لا بل هو أقوى. لم يعد غسّان كنفاني محصورا بجمهور الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، بل أصبح رمزاً افتراضيّا عربيّا.

 لكن قتل غسّان كنفاني رفع من شأن الرجل، بعكس ما أراد العدوّ.


غسان العاشق

هو العاشق الولهان، ورسائله لغادة السمّان باتت هي الرائجة. لا عيب في الحب ولا عيب في التعبير عن الحب. على العكس، إن نموذج غسّان كنفاني هو تعريف اليساري كما يجب أن يكون: مُحبّا للمقاومة العسكريّة وللحب والفن والأدب على حدٍّ سواء.

إنّ مقولة التناقض بين حب الحياة وبين المقاومة هي من تصنيع أجهزة الدعاية الإسرائيليّة والأميركيّة بعد عدوان تمّوز لتقويض أسباب المقاومة ولتصويرها على عكس ما هي عليه. إنّ الفصل بين حب الحياة وبين حب المقاومة والثورة هو فصل مصطنع ومناف للمنطق.

صحفي لامع

وكان كنفاني صحفيّاً رائداً بدأ عمله الإعلامي في سن مبكرّة (في السادسة عشرة من عمره) في مجلّة الرأي الصادرة في منتصف الخمسينيات عن حركة القوميّين العرب، ثم عمل فيما بعد في مجلّة الحريّة الصادرة عن حركة القوميّين العرب منذ أوائل الستينيات.

وفي عام 1964، تسلّم رئاسة تحرير ملحق فلسطين في جريدة المُحرّر (التي كان يكتب ويُحرّر فيها).

ينسى كثيرون الدور الطليعي الذي لعبته الجريدة المذكورة، وهذا الملحق الخلّاق، في التأثير على الوعي السياسي بين جيل وأكثر من اللبنانيّين واللبنانيّات.

إن ملحق فلسطين كان النافذة التي أطلّت منها قضيّة فلسطين على الشعب اللبناني (تراجع أعداد جريدة النهار، مثلاً، في تلك الحقبة ولا تجد أثراً يُذكر عن فلسطين، فيما كانت تعجّ صفحات الجريدة بأخبار عن اكتشاف الفينيقيّين للقارة الأميركيّة).

كانت المحرّر (حتى تدميرها وإغلاقها من قبل قوّات النظام السوري، وبالرغم من تمويلها اللاحق من قبل النظام العراقي) هي الحقنة المُضادة ضد رجعيّة النهار وضد طائفيّتها المقيتة.

وكان غسّان يكتب بأسماء مستعارة في الحوادث والأنوار ولصيّاد (قامت الصحافة اللبنانيّة الوطنيّة وغير الوطنيّة على أكتاف وإسهامات فلسطينيّة، بما فيها مجلّة الحوادث).

لكن إسهام غسان الحقيقي كان في إصدار أوّل مجلّة ثوريّة من نوعها في العالم العربي، أعني الهدف في عام 1969، بعد سنتيْن من انطلاق الجبهة الشعبيّة. يذكر كل مَن دار في فلك الجبهة الشعبيّة وسُحر بوهجها وانعقد لسانه أمام حكيمها ذلك اليوم الذي لمست فيه أصابعه للمرّة الأولى مجلّة الهدف.

المجلّة كانت المُجنّدة الأولى لصفوف الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، في لبنان والبلدان العربيّة (حيث كانت ممنوعة لكن مُهرّبة).

هي صنيعة غسان كنفاني وصنيعة ذائقته الفنيّة والأدبيّة والسياسيّة. لو تضع الجبهة الشعبيّة على الإنترنت النسخ الرقميّة من الأعداد الأولى للمجلّة، لأمكن التعرّف إلى دور آخر مجهول لغسان كنفاني.

كانت المجلّة تنشر بشفافية لا مثيل لها تبرّعات ترد الجبهة بالدولارات والدنانير والقروش حتى من المخيمات الفلسطينيّة. كل الصحافة الثوريّة العربيّة (من عُمان إلى الصحراء الغربيّة) كانت تقليداً لصحافة غسّان كنفاني.

عرَف كنفاني الجمهور العربي وللمرة الأولى على الأمميّة في الاهتمام والتغطية والحساسيّة. لو تقارن صحافة الحزب الشيوعي اللبناني بصحافة غسان كنفاني لقلتَ إن الأولى هي صحافة اليمين والثانية هي صحافة يسار ثوري، مقارنةً. صنع كنفاني صحافة يساريّة غير مملّة ومتنوّعة خلافاً لصحافة خالد بكداش وجورج حاوي ونقولا الشاوي و"دار التقدّم".
 


غسان الاديب

والحديث عن أدب غسان كنفاني بات شائعاً لكنه كان رائداً في ذلك المضمار في نواح متعدّدة، كتبت عنه رضوى عاشور "في الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسّان كنفاني" أنه كان من القلائل الذين طرحوا القضيّة الوطنيّة في بعدها الطبقي: لم يكتب عن مأساة وطن في المطلق بل عن مأساة الفقراء من أهله. (ص. 56).

(وأصابت عاشور في ملاحظتها أن صورة المرأة قليلة في أدب غسّان -وإن عزت ذلك مدافعة إلى المعشر الذكوري للرجل).

والتحليل الطبقي لازم غسّان في كتابته وفي تأريخه الدقيق للثورة الفلسطينيّة في 1936 ففيها يستلهم من نموذج القسّام القومي، ويضيف وعندما استشهد القسّام لم يمشِ في جنازته إلاّ الفقراء. شكّل الفقراء عامل غسان كنفاني الأدبي.

والكتابة الصحايّة لغسان كنفاني كانت مميّزة منذ بداياته. عرف مبكّراً كيف يمزج بين الثوريّة والسخرية وبين الكتابة الجاذبة: لم يكتب على طراز معلّقي الصحف آنذاك، ولم يكتب بلغة منبريّة ألفتها مطبوعات القوميّة العربيّة في حينه.

في آخر مقالة له في الصيّاد (كتبها باسم فارس فارس ونُشرت باسم غسّان كنفاني بعد وفاته) قال ساخراً: يا مساكين يا عرب... لو كان لديكم بدل الفدائيّين الثلاثة، ثلاثة أسراب من قاذفات الـــ بـ٥٢ الاستراتيجيّة، وبدل الرشّاش الخفيف طاقة من النار، تبلغ ألفي طنّ من القنابل في الساعة الواحدة، لصار منطقكم عند الإكسبرس والنيويورك تايمز وإذاعة لندن وفالديهم منطقاً معقولاً، يمكن الاستماع له.

اهتم كنفاني بالأدب وهو في سن الشباب، وكتب القصة القصيرة في عمر الـ19، وبعد انتقاله إلى بيروت وجد لنفسه مكانا بين المثقفين والأدباء، وحصل على الجنسية اللبنانية ولمع اسمه في عالم الكتابة.

وخلال عمر أدبي قصير نسبيا ألف 18 كتابا بين قصة قصيرة ورواية وعمل مسرحي وبحث.

كرس كنفاني كتاباته لنقل معاناة الفلسطينيين في الشتات، وكان يؤكد فيها أن اللجوء في المخيمات ليس حلا للشعب الفلسطيني، ففي روايته "موت سرير رقم 12" كتب كيف يتحول الغرباء إلى أرقام بالمنافي، ويعيشون حالة الوحدة دون التفكير في حل جماعي بالعودة، "فهم لم يكونوا يشعرون بالانتماء، والآخرون لم يشعروهم بأنهم عرب".

وفي روايته "رجال في الشمس" كما هو الحال في رواية "ما تبقى لكم" يؤكد كنفاني مجددا، أن لا حل لعودة الفلسطينيين إلا بالعمل الجماعي، فهو كان مدركا وواعيا لحقيقة أنه لا يمكن الاعتماد على فكرة أن الدول العربية ستحارب لعودة الفلسطينيين، "فهي لم تسمح لهم بتشكيل تنظيمات".

يمتلك كنفاني في رصيده العديد من الأعمال الإبداعية التي ترجم بعضها إلى عدة لغات أجنبية، ففي الروايات عنده "رجال في الشمس" (1963)، و"ما تبقى لكم" (1966)، و"أم سعد" (1969)، و"عائد إلى حيفا" (1970)، و"من قتل ليلى الحايك؟" (1969).

وفي المجموعات القصصية كتب كنفاني "موت سرير رقم 12" (1961)، و"أرض البرتقال الحزين" (1963)، و"عن الرجال والبنادق" (1968).

ومن الدراسات التي تركها كنفاني هناك "أدب المقاومة في فلسطين" (1966)، و"في الأدب الصهيوني" (1967)، و"الأدب الفلسطيني المقاوم" (1968).
 


غسان المقاوم والثائر

حين شبّت المقاومة الفلسطينية، بعد هزيمة 1967، كان كنفاني جاهزاً لكي ينخرط فيها، بكل وجدانه وحيويته.

لم يكن كنفاني أديبا فقط، بل كان مناضلا من أجل قضيته فلسطين، وظهر التوجه المقاوم لديه منذ طفولته ورافقه في كل أعماله الأدبية وحياته الشخصية.

انضم إلى حركة القوميين العرب وكتب في المجلات التي كانت تصدرها في دمشق والكويت، وبعد عام 1969 ازداد نشاطه السياسي فأصبح عضوا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد عرف عنه أنه لم يكن منضبطا في العمل الحزبي أو يشارك في الاجتماعات لكن دوره السياسي كان أساسيا، فقد ساهم في وضع الإستراتيجية السياسية والبيان التأسيسي للجبهة الذي أكد على أهمية العمل الفدائي والكفاح المسلح.

وفي سبتمبر/ أيلول 1970 أجبرت مجموعة من الجبهة الشعبية ثلاث طائرات على الهبوط في مطار دوسن فيلد العسكري بمنطقة صحراوية في الأردن كانت سابقا قاعدة جوية بريطانية وقامت باحتجاز 310 رهائن للمطالبة بإطلاق صراح ليلى خالد والمعتقلين الفلسطينيين في إسرائيل، وقد كان كنفاني في واجهة الحدث كونه المتحدث باسم الجبهة الشعبية حينها.

ومع بداية السبعينيات كانت بيروت بؤرة للحركات التحررية العالمية، وكانت لكنفاني علاقات شخصية بالثوريين العالميين في تلك الفترة.

كنفاني هو أول مَن عرّف العرب بشعراء المقاومة في فلسطين الـ48، وأول مَن حوّل المأساة الفلسطينية إلى أدب حقيقي، بلا نواح ولا عنتريات، وأوّل من قدّم الفلسطيني كعربيٍ متصل لا منفصل، مبدعاً ومناضلاً وملتاعاً بالحب ومنتجاً وأنيقاً.

قبل هذا وبعده، وربما بسبب هذا كله، كنفاني هو صاحب الصرخة التي أيقظت الفلسطيني لكي يقرع جدران الخزّان؛ كان المشردون الفلسطينيون الهاربون من جحيم المخيمات والفقر والتهميش يتسللون إلى ديار الهجرة النفطية، بحثاً عن مستقبل فردي. ثلاثة منهم اختبؤوا في خزان شاحنة، ماتوا من الاختناق والحر على الحدود الكويتية، ولم يقرعوا الخزّان. مفهوم، بالطبع، أن الإنسان -بغريزة البقاء اللعينة- قد يقبل أي مذلّة، وقد يتحمّل أي هوان، وأي أذى، مهما يكن، لكي يبقى على قيد الحياة، لكن اللامفهوم، اللامنطقي، اللاغريزي، أن يقبل الإنسان الموت، مجاناً، فلا يصرخ طالباً النجدة.


اضف تعليق