إهمال "المسافر خانة".. نقطة سوداء في جبين درة القصور التاريخية


٠٢ مايو ٢٠١٩ - ٠٩:٥٧ ص بتوقيت جرينيتش

عاطف عبداللطيف وهدى إسماعيل

بين حارتي "المسمط" و"الطبلاوي" في "حي الجمالية" العريق بالقاهرة تجد نفسك أمام بقايا قصر "المسافر خانة" أحد أروع ما أبدعت العمارة الإسلامية، تحفة فنية لم يتبق منها إلا جدران مهدمة وإهمال جسيم، فقد تحول أكبر وأرقى مكان معماري وتاريخي إلى صندوق للقمامة في المنطقة، وحين تسأل أحد المارة عن المكان يجيبك بحسرة، إنه "المسافر خانة".

"التحفة الفنية والمعمارية" كان يضارع قصر الحمراء بإسبانيا وإيوان كسرى بفارس وطوب قابي سراي باسطنبول" هكذا وصفه الأديب الكبير جمال الغيطاني. النظرة الأولى داخل القصر التاريخي تصيبك بالصدمة والدهشة للحال الذي آل إليه وتفاجئك تلال القمامة التي تملأ المكان والعديد من الجدران المهدمة، أمر مؤسف أن يتبدد التاريخ ويتحول من قمة الرخاء في عهد الأمراء إلى مرتع لتدخين الممنوعات والقمامة خافية تحتها أرضيات رخامية طالما استضافت أمراء وحكامًا وأدباء وفنانين تشكيليين.

"المسافر خانة" بعد أن شهد اجتماعات لرموز الأدب والفكر بينهم عبدالله النديم والجبرتي وعلي مبارك، أصبح أطلالًا بعد أثر يشعر الناظر إليه بالبهجة، إنه المكان الذي عاش بين جدرانه الخديوي إسماعيل وصار مرتعًا للحيوانات الضالة ووكرًا لخفافيش الظلام وتعاطي المخدرات وسط حوائط مهدمة وأفنية ملئت بمخلفات البشر، وكلها جرائم في حق التاريخ والتراث شاهدة على سوء تعاملنا واهمالنا.

المسافر خانة




يعد "المسافر خانة" أحد أهم إبداعات العمارة الإسلامية، وأكبر القصور العثمانية في القاهرة، ويضم أكبر مشربية أثرية وأجمل القاعات زخرفة، وصفها البعض بأنها تنافس قاعات روايات "ألف ليلة وليلة".

ويعرف"المسافر خانة"، باسم "دار الضيافة وهو من أجمل دور القاهرة التي شيدت في القرن الـ18، بناه محمود محرم الفيومي "شهبندر تجار مصر"، والذي بدأ إنشاؤه عام 1779، لينتهي عام 1789 كقصر يعيش فيه، ثم حوله إلى مضيفة لاستقبال كبار الزوار، ثم أهداه إلى إبراهيم باشا بن محمد علي، والذي أهداه بدوره إلى ابنته فاطمة التي أنجبت الخديوي إسماعيل، ليشهد أول 8 سنوات من حياته.

جنة القاعات




وصف "المسافر خانة" الدكتور أبوالحمد فرغلي في كتابه "الدليل الموجوز لأهم الآثار الإسلامية والقبطية في القاهرة" : بأن له ثلاثة أبواب: اثنان في حارة "المسمط"، أحدهما الباب الرئيس والثالث في حارة الطبلاوي، ويؤدي الباب الرئيس إلى دركاة تفضي إلى فناء كبير مكشوف، توجد على يمينه قاعة تضم إيوانين ودور قاعة.

في الجهة الغربية للفناء باب يؤدي إلى سلم يحاذيه باب آخر يفضي إلى فضاء ربما كان حديقة المنزل، تليه غرف للدار، ومن الجهة القبلية يوجد صالة مفتوحة بعمود رخامي بديع.

وفي الجانب الشرقي من الفناء ثلاثة أبواب: الأيسر يؤدي إلى سلم يوصل إلى الغرف العليا والجناح الشرقي، وفي هذا الجناح ولد الخديوي إسماعيل عام 1829.

ويقود الباب الأوسط إلى قاعة أطلق عليها اسم "قاعة الأُنس"، أما الباب الأيمن فيوصل إلى "قاعة المجد"، وهي القاعة القبلية الكبرى الخاصة باستقبال التجار وغيرهم. وتعلو باب "قاعة المجد"، عتبة كُتب عليها: "لك يا ذا العز قاعة حُسن هي في مصر جنة القاعات. حماها الله من حسود ودامت بك مأوى العلياء واللّذات".

ويضم الطابق العلوي "قاعة الإسعاد"، وتتكون من إيوانين ودورقاعة بينهما، ويطل الإيوان الأيسر على حارة "المسمط" من مشربية مصنوعة من خشب الخرط دقيق الصنع، وعلى جانبيه خزانات فوقها طراز دائري حول القاعة.

وكان "المسافر خانة" -كما يقول الدكتور حسن الباشا أستاذ الفنون الإسلامية في كلية الآثار- "ثريًا بالزخارف من كسوات بالقيشاني، وأرضيات من الرخام الخردة الملون والأسقف الخشبية الجميلة من القشر البلدي، والمشربيات من خشب الخرط، والمناور ذات الشخشيخة، وكانت مشربية الجزء القبلي من "القصر" تعتبر الأضخم بين مشربيات المنازل الأثرية المصرية، ويقال إن لوحات الفسيفساء التي كان يضمها بعض قاعات السراي نزعت من مكانها قبل الحريق، ويتردد أن البعض حوّل عددًا من حجرات المنزل من دون علم المجلس الأعلى للآثار المصري إلى مخزن لمواد كيماوية!

ترميم

لم يخضع "المسافر خانة" لعملية ترميم متكاملة منذ إنشائه سوى في العام 1969، ضمن الاحتفال بمرور ألف سنة على تأسيس القاهرة، وطُرح مشروع جديد لترميمه في 1985، إلا أنه تعثر لأسباب مالية، وأجريت محاولات لإحياء المشروع نفسه بعد التصدعات الخطيرة التي أصابت جدران المنزل إثر زلزال القاهرة الشهير عام 1992، ومن ذلك الحين أحيط المنزل بصلبات خشبية، استبدلت بأخرى معدنية منذ نحو عام، عقب حريق محدود أسفر عن تدمير الباب الرئيس، وفي عام 1998 تعرض القصر إلى حريق هائل قضي على ما تبقى منه.

لم يعد ثمة مجال الآن للحديث عن ترميم "المسافر خانة" أيقونة الجمال والعمارة الإسلامية في القاهرة التاريخية، ويبقى الأمل في إعادة بنائه بالكامل "مهما بلغت التكلفة" ولكن إذا كان التداول في شأن ترميمه استغرق كل هذه السنوات منذ عام 1985، فنرى كم من الوقت ستستغرق عملية إعادة بنائه، وهل يمكن لبناء جديد مهما كانت كلفته أن يعوض البناء القديم؟


















اضف تعليق