صلاح عبد الصبور.. أنت لما عشقت الرحيل لم تجد موطنًا


٠٣ مايو ٢٠١٩ - ١١:١٧ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - شيرين صبحي

كان صلاح عبد الصبور يؤمن بأن قول الشعر جدير وحده بأن يستنفد حياة بشرية توهب له وتنذر من أجله، لذا أبحر وحده في عيون الناس والأفكار والمدن تائهاً في صحارى الوجد والظنون ، طارقاً نصف الليل في فنادق المشردين وحوانيت الجنون..!

ولد صلاح عبد الصبور في مثل هذا اليوم 3 مايو من عام 1931 في مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، تلقى تعليمه في المدارس الحكومية، ودرس اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول "القاهرة حاليا"، وفيها تتلمذ على يد الرائد المفكر الشيخ أمين الخولي الذي ضم عبد الصبور إلى جماعة "الأمناء" التي كوّنها، ثم إلى "الجمعية الأدبية" التي ورثت مهام الجماعة الأولى. وكان للجماعتين تأثيرا كبيرا على حركة الإبداع الأدبي والنقدي في مصر.

أخذ يكتب الشعر في سن مبكرة وكان ذلك في مرحلة دراسته الثانوية ، ثم شغل صلاح عبد الصبور عدة أعمال ، بعد تخرجه عيّن مدرسا بوزارة التربية والتعليم إلا أنه استقال منها ليعمل بالصحافة ، حيث عمل محررا في مجلة " روز اليوسف " ، ثم جريدة " الأهرام ". أخذ ينشر قصائده في مجلة الثقافة القاهرية والآداب البيروتية، وكان صلاح عبد الصبور مهتما بالفلسفة والتاريخ، كما كان مولعا بصورة خاصة بالأساطير، وفي الوقت ذاته كان يحب القراءة في علوم الإنسان المحدثة كعلم النفس والاجتماع والأنثربولوجيا.

وفي عام 1961م عيّن بمجلس إدارة الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر، وشغل عدة مناصب بها، عمل مستشارا ثقافيا للسفارة المصرية بالهند ، ثم اختير رئيسا لهيئة الكتاب. حصل علي العديد من الأوسمة منها : جائزة الدولة التشجيعية عام 1965، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي عام 1965، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1981 ، ووسام الاستحقاق من الدرجة الأولي ، والدكتوراه الفخرية في الأدب من جامعة المنيا عام 1982، أطلقت الإسكندرية اسمه علي مهرجانها للشعر الدولي .


"الكلام عن الشكل الجديد.. أو الشكل القديم.. الحر.. التقليدي.. العمودي.. العروض.. مناقشات ساذجة أضعنا فيها وقتًا طويلاً.. إننا نريد الشاعر الذي يقول الكلمة الصادقة ولو كانت بالإيماء أو الرقص.." يعتبر النقاد أن صلاح عبد الصبور من أهم رواد حركة الشعر الحر العربي، وواحداً من الشعراء العرب القلائل الذين أضافوا مساهمة بارزة في التأليف المسرحي, وفي التنظير للشعر الحر . ففي منتصف الستينات خاض عبد الصبور أول تجربة في الدراما الشعرية فكتب مسرحيته: " مأساة الحلاج " عام 1965، ويري النقاد انه تأثر في هذه المسرحية بالشاعر الإنجليزي إليوت حيث جاءت مسرحيته شبيهة بمسرحية إليوت: " جريمة قتل في الكاتدرائية "، كما تأثر بكتابات كافكا السوداوية.

يقول الدكتور كريم الوائلي أن عبد الصبور تخرج فنياً ونقدياً من تحت عباءة المدرسة الرومانسية العربية وظل مخلصا لكثير من مبادئها طيلة حياته في إبداعه الفني النقدي على السواء، وطور جانبا من تصوراتها نحو نـزعة صوفية تدفعنا إلى وصفها بالرومانسية الصوفية ، إذ يبدو عبد الصبور متأثرا بالمنجز الصوفي في كتاباته الإبداعية لمأساة الحلاج ـ مثلا ـ وفي حديثه عن سيرته الفنية في كتابه "حياتي في الشعر"، إذ يؤكد ذلك أثناء تحدثه عن المتصوفة واستخدامه مصطلحاتهم ورموزهم ومحاكاة عباراتهم ، ويطبق ذلك بصورة تكاد تكون متماثلة بين الوجد الصوفي والإبداع الشعري ، كما أنه تأثر برموز الرومانسية العربية، وبخصائص الرومانسية الفنية، ويؤكد الوايلي أن عبد الصبور تجاوز هذه الرؤية وتجاوز إبداع القصيدة الغنائية.

يري سلاف أحمد علوش أن في قصائد عبد الصبور بعداً قصصياً واضحاً إذ اعتمد في استلهام التاريخ على الحكاية لا على الرمز التاريخي . أما العالم الشعري لعبد الصبور فيري صدوق نور الدين انه تغلفه مسحة الحزن والألم، وفق ما يدل عليه المعجم الشعري الموظف في القول الشعري، وبصفة تكاد تكون شاملة، حيث تطالعنا مفردات من قبيل : الليل ، المرض، الفراغ، الموت، الشتاء، وهو معجم تطفح به كتابات بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي أيضا ، ولكن الرؤية في دلالتها انهزامية بالأساس.

جارتي ! لست أميراً
لا ، ولست المضحك الممراح في قصر الأمير
سأريك العجب المعجب في شمس النهار
أنا لا أملك ما يملأ كفيّ طعاما
وبخديك من النعمة تفاح وسكر
فاضحكي يا جارتي للتعساء
نغّمي صوتك في كل فضاء
وإذا يولد في العتمة مصباح فريد
فاذكريني ..



ثارت ثائرة الشعراء المحافظين علي أشعار عبد الصبور التي أعدوها شكل من أشكال النثر، لأنها تخلو من الإيقاع المألوف للقصيدة العربية القديمة وحين كتب صلاح عبد الصبور قصيدته وبعث بها إلى مسابقة المجلس الأعلى للفنون الاجتماعية وقعت قصيدته بين يدي العقاد، وحدثت المواجهة بين شاعر يكتب قصيدة الشعر الحر وشارع من الديوان وعندما قرأ العقاد القصيدة كتب تحتها :"تحال إلى لجنة النثر لعدم الاختصاص"، مما دفع بصلاح عبد الصبور إلى أن يكتب مقالا يدافع فيه عن هذا الشعر الحر بعنوان "موزون والله العظيم موزون" كما ثار الكثير من النقاش حول " وشربت شاياً في الطريق " والتي أثارت الاستهجان والاستهزاء في حينه ، ولكنها لقيت أيضاً من الاهتمام ما مهّد الطريق لاستعمال المفردات اليومية في الشعر العربي، ومهّدت لتحقيق الانتصار على لغة القاموس ، التي كانت سائدة ومتسلطة آنذاك .وفيها يقول:

وشربت شايا فى الطريق
ورتقت نعلى
ولعبت بالنرد المزع
بين كفى والصديق

تنقل نص عبد الصبور بين ساحات عديدة لها ميزة واحدة هي "القلق الوجودي العالي والمركب"، حسبما يقول سلاف أحمد علوش فمن الغرق الميتافيزيقي إلى نقد الميتافيزيق، ليخلص في نهاية مشروعه إلى الفهم العلائقي الصوفي، فاستطاع من خلال عيشه للنقيضين "الميتافيزيقيا ونقدها" أن يستخلص المطلق الجمالي وينزع إليه من علاقة جدلية هي الإنسان والإله، ففي فترة النقد الميتافيزيقي كان عبد الصبور مشغولاً بالوعي الاجتماعي وبالتقاطه للألم الإنساني بصيغته الأرقى سابراً الفقر والقهر والحرمان الذي يغلف السواد الأعظم ويستشري في حياتهم .
يقول عبد الصبور "أظنني لم أدرك أن الشعر هو طريقي الأول إلا في عام 1953، أما قبل تلك الفترة فقد كنت مشغولا بأشياء كثيرة، كنت أحاول القصة القصيرة، والكتابة الفلسفية على نمط محاورات أفلاطون التي قرأتها في مطلع الصبا بترجمة حنا خباز وفتنت بها فتوناً، و لكن في ذلك العام تحددت رغبتي الأدبية، وارتبطت بالشعر ارتباط التابع بالمتبوع . وأنا ممن يظنون - وهم قلة - أن قول الشعر جدير وحده بأن يستنفد حياة بشرية توهب له وتنذر من أجله. وقد وهبت الشعر حياتي منذ ذلك الأمد. وجهدت حتى أصير شاعراً له مذاقه الخاص، وعالمه الخاص".

يقوم هيكل الإنسان
إنسان هذا العصر والأوان
أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر
قابلني الفكر، ولكني رجعت دون فكر
أنا رجعت من بحار الموت دون موت
حين أتاني الموت، لم يجد لديّ ما يميته،
وعدت دون موت
أنا الذي أحيا بلا أبعاد
أنا الذي أحيا بلا آماد


الكلمات الدلالية صلاح عبد الصبور

اضف تعليق