بين السبوبة والتكافل.. مفارقات شهر الخير


٠٦ مايو ٢٠١٩ - ٠٩:١٣ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

أقبل شهر الصوم والعبادة والبركات، أقبل فاتحًا أبواب العودة والطاعة والمغفرة إلى الله، عاد ومعه كل الخير والرغبة في العطاء والتكفير عن الذنوب والخطايا.

كنا نستنشق عبق رمضان في الماضي مع نغمات "أهو جيه يا ولاد" و"مرحب شهر الصوم" و"وحوي يا وحوي" ولا يكاد ينتصف الشهر حتى ندندن بشغف "والله لسه بدري" ولا تكتمل لحظة الإفطار إلا بصوت المدفع وانطلاق الآذان بصوت الشيخ محمد رفعت وابتهالات النقشبندي التي تنقلنا لعالم مواز.

تخطت عبارة "رمضان كريم" التي تناقلتها الأجيال معانيها الضيقة، فلم تعد مجرد تهنئة، أصبحت تحوي معان أكثر عمقًا جعلت من شهر رمضان رمزًا للتعاطف والتسامح والصفح  الجميل.

ويجسد مشهد "شنط رمضان" -التي يجتهد في الحفاظ عليها كل عام كثير من ميسوري الحال في مصر ليوفروا للبسطاء بعضًا من لوازمهم لمواجهة غلاء المعيشة- إحدى مشاهد رمضان المشرفة والرائعة التي تعكس التكافل الاجتماعي الذي يقضي على حزن الغلابة ويكفكف دموعهم.

وعلى الجانب الآخر، نرى ظواهر سيئة أضحت تضيع فضل الشهر الكريم وتحوله ليصبح عادة لا عبادة، لا ينقصنا فيه شيء سوى معنى الصوم ذاته.

أصبحنا في صباحات رمضان عابسي الوجوه، كسالى، بأعصاب متوترة ومشدودة، وفي رمضان تعطل غالبية الأعمال والمصالح بحجة الإرهاق الناتج عن الامتناع عن الطعام والشراب.

فتجد الصائم متكدرا متململًا يقول بداع أو بغير داع درءًا للشيطان وتعوذا منه: "اللهم إني صائم"، وكأنه لم يعرف يومًا معنى أن العمل "عبادة"، وأن صومه إن كان سيحوله إلى "حيوان" يتضور جوعًا دون أن يهذب أخلاقه فلا طائل منه.

الأكثر مأساوية في رمضان بدء موسم التسول دون منازع، استغلال شهر الخير  للحصول على "السبوبة" حيث تعج الفضائيات بدعايات التبرع وصرخات ونداءات الاستغاثة، وكأن الأطفال لا يمرضون سوى في رمضان والفقراء يزدادون فقرًا،

على الجانب الآخر تتسع الفجوة والمفارقة مع الإعلان عن الأجور الصادمة التي يتقاضاها النجوم في مسلسلات رمضان وموجه إعلانات "الكومباوندات" والشقق الفاخرة -الأكثر استفزازًا- ومحاولة الجمعيات الخيرية استدرار عطف "الغلابة" على من هم أكثر غُلبًا.

من الجميل أن نغرس في النفوس حب الخير والعطاء بشكل طبيعي لكن الأجمل أن نستبقي رمضان في أرواحنا طيلة العام دون أن تدنسه إعلانات التباكي التي ليست سوى اجترارًا لمشاعر الشفقة ونهشًا للمال والوجدان لا يصل منها للفقراء سوى الفتات.



اضف تعليق