هل خسرت إيران الرهان على الأوروبيين؟


٠٩ مايو ٢٠١٩ - ١٠:٤٤ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

بدأت العلاقات الأوروبية الإيرانية، تشهد توترًا وتصاعد أزمة ثقة، في أعقاب الكشف عن خطاب علي خامنئي يوم  05 مايو 2019، والذي كان يثير الكثير من الشكوك حول جدوى المبادرة الأوروبية.

وسبق أن أعلنت واشنطن يوم 4 من مايو 2019 تمديد إعفاءات أساسية من العقوبات الأمريكية المفروضة على البرنامج النووي المدني الإيراني وقررت واشنطن عدم تمديد اثنين من الإعفاءات، وأعلنت أنها ستبدأ منع إيران من تبادل اليورانيوم المخصّب، التي يجيزها الاتفاق النووي.

وأعلنت إيران توقيف الحد من مخزونها من المياه الثقيلة واليورانيوم المخصب، لتعود بذلك عن تعهد قطعته في إطار الاتفاق النووي الذي أبرم في فيينا عام 2015. وقال جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي الأحد إن الولايات المتحدة ترسل مجموعة حاملة طائرات وقوة من القاذفات إلى منطقة الشرق الأوسط كي تبعث برسالة واضحة لإيران  مفادها أن أي هجوم على مصالح الولايات المتحدة أو حلفائها سيقابل "بقوة شديدة.

وكانت واشنطن قد وصفت تحريك قطع عسكرية إلى المياه الخليجية وتعزيزها بقاذفات من طراز "بي 52" لمجرد ورود معلومات بالموثقة عن تحركات إيران ية تهدف لضرب مصالحها أو مصالح حلفائها، وفي سياق  تصعيد الموقف الأمريكي، وصل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يوم 7 مايو 2019 إلى العاصمة العراقية في زيارة لم يعلن عنها مسبقاً وتأتي وسط تصعيد في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران.

تغيير نوعي في الموقف الأوروبي

رفضت الدول الأوروبية المعنية بالاتفاق النووي الإيراني أي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وكذلك الاتحاد الأوروبي الإنذار الإيراني، أي المهلة التي حددتها إيران ومدتها ستون يومًا قبل  تعليق التزامها ببنود أخرى في الاتفاق. وجاء رد وزيرة خارجية التحاد الأوروري موغيريني إلى جانب ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بالرفض، وأن الدول الأوروبية ممكن تعيد تقييم التزام إيران  في الملف النووي. وقالت الدول الثلاث، ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، في بيان مشترك، بحسب ما "نرفض أي إنذار وسنعيد تقييم احترام إيران  لالتزاماتها في المجال النووي".

وقد وصف متحدث باسم الحكومة الألمانية  يوم الرابع من مايو 2018 تصريحات الحكومة الإيرانية حول الملف النووي الإيراني بأنها مؤسفة، وحث المتحدث طهران على عدم الإقدام على أي خطوات عدائية، مشددا أن برلين تريد "الإبقاء على الاتفاق النووي الإيراني وأنها تتعهد بالتزاماتها كاملة ما دامت إيران تفعل بالمثل".

وكانت فرنسا من طرف خيار فرض عقوبات أوروبية على طهران. إذ قالت وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي بالتزامن مع الموقف الألماني، إنها لا تستبعد فرض عقوبات أوروبية ضد إيران  في حالة تخليها عن التزاماتها النووية وأوضحت أن "ذلك يدخل في إطار الأمور التي ستبحث".

يبدو أن "الالتزامات الإيرانية" التي قدمتها في مجال الملف النووي أبرزها إيقاف تبادل اليورانيوم المخصّب، والحد من مخزونها من المياه الثقيلة واليورانيوم المخصب، كان مجرد محاولة من إيران  لكسب الوقت، أي لإبقاء اتفاقها مع دول أوروبا.

اليوم تشهد دول أوروبا تحديا كبيرا أمام  الإنذار الإيراني بتعليق بعض بنود الاتفاق، وهذا ما يقرب الدول الأوروبية من الولايات المتحدة، أكثر، ولا يصب أبدا في صالح طهران، ويبدو عامل الزمن لم يكن بصالح إيران، والذي تزامن مع تشديد العقوبات الأمريكية تدريجيًا، إلى الحد الذي وصلت له اليوم.

الأهم في القضية، أن العقوبات الاقتصادية" الناعمة" التي فرضها الرئيس ترامب، تأتي مع تحريك قطع عسكرية إلى المياه الخليجية وتعزيزها بقاذفات من طراز "بي 52". هذه التطورات لا يمكن وصفها رسالة، بقدر ما هي إجراءات عملياتية ميدانية على الأرض تتخذها الولايات المتحدة، ضمن تحضيرات مسرح الحرب، ونذير حرب. فعندما تعزز أمريكا تواجدها العسكري في الخليج بطائرات "بي 52، يعني أن  هناك خيار الحرب، أو خيار الضربات العسكرية، هذه الطائرات كثيرا ما استخدمتها واشنطن في حروبها أبرزها ضد العراق عام 1990 ـ 1991.

وكانت تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، وكذلك البنتاغون واضحة، بأن تحريك القوة الأمريكية في الخليج، هو لإظهار القوة الأمريكية وتعزيزها، وأن الهدف الأساسي من التحركات في الخليج يتمثل في إظهار قوة الردع العسكرية الأمريكية، في وجه تهديدات وتحذيرات إيران.

ترامب يكسب كفة الموازنة في تشديد العقوبات ضد إيران

لقد كسب الرئيس الأمريكي ترامب كفة الموازنة في عقوباته ضد إيران، سياسيًا واقتصاديًا، فالعقوبات الاقتصادية جائت بنتائجها، وحتى الأطراف لأوروبية أصبحت على وشك التخلي عن اتفاقها مع إيران حول الملف النووي.

الولايات المتحدة، تحسبت إلى الأدوات التي ممكن أن تستخدمها إيران ضد مصالحها أو ضد مصالح حلفائها في المنطقة، أبرزها الدول الخليجية، وتهديدات إيران  بضرب المصالح الأمريكية في العراق، وهذا ما يفسر زيارة وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو يوم 7 مايو 2019 إلى العاصمة العراقية.

العراق خاصرة أمريكا الأضعف في المنطقة

العراق، هو خاصرة أمريكا الأضعف في المنطقة، رغم التحالفات الأمريكية العراقية، ووجود القوات الأمريكية وقواعدها في العراق، زيارة وزير خارجية أمريكا حذرت الحكومة العراقية، من أي عمليات تستهدف القوات والمصالح الأمريكية في العراق، أو ان تكون الأراضي العراقي نقطة انطلاق لعمليات إرهابية ضد المصالح الأمريكية في المنطقة.

زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إلى بغداد، ممكن وصفها بالخطوة الاستباقية ضد إيران والميليشيات أو الجماعات المسلحة الموالية إلى إيران في العراق، فليس مستبعدا أن تستخدم إيران الأراضي العراقية، منصة لانطلاق عملياتها ضد مصالح أمريكية أو ضد حلفائها في المنطقة أبرزها المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، المرتبطة بحدود برية مع العراق وربما دولة الإمارات العربية.

من الوارد جدا أن تستغل إيران وحرسها الثوري وأذرعها الاستخبارية الأخرى الأراضي العراقية، عن طريق وكلائها والجماعات الموالية داخل العراق، ما عدا ذلك أن التسهيلات التي منحتها الحكومة العراقية لإيران بإعفاء مواطنيها من التأشيرة، يعطي الحرس الثوري وأذرع إيران الاستخبارية بالتحرك بمرونة في العراق عبر أكثر من 19 منفذ حدودي بلا قيود، ومن هنا جاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكية إلى العراق، بالتزامن مع تحريك حاملة الطائرات و" بي 52"، ورغم ذلك فإن التهديدات الإيرانية للمصالح الأمريكية ولحلفاء أمريكا في المنطقة، قائمة وينبغي أخذها مأخذ الجد.

الخلاصة

تستغل إيران المخاوف الأمريكية والغربية  تجاه احتمالات غلق مضيق هرمز، من أجل الحفظ على مصادر الطاقة وسير النقالات النفطية عبر مضيق هرمز والذي يمثل أكثر من 30 % من مصادر الطاقة  فرغم كل من واشنطن وإيران تستبعد نشوب حرب، فإن الولايات المتحدة من المتوقع أن ترد بقوة، في حالة تعرض مصالحها إلى أي هجوم محتمل من قبل إيران أو الجماعات التي تعمل لصالحها بالوكالة.






اضف تعليق