إعادة تموضع.. طبول الحرب تقرع في إدلب


٠٩ مايو ٢٠١٩ - ١٢:١٢ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- محمود رشدي

تُمثل "إدلب" إحدى المراحل الأخيرة من الصراع السوري، وتشكلت أهمية جيواستراتيجية؛ لأنها ستحدد بنتائجها مستقبل المفاوضات المستقبلية والأدوار الدولية بالملف السوري، ولذا تسعى الدول المتداخلة بالصراع إلى أن تحوز أكبر مساحة من كعكة التفاوض، بجانب الحفاظ على مصالحها في المنطقة.

الأمر الذي جعل النظام السوري وحليفه الروسي يعمد بضربات جوية مكثفة، في مناطق المعارضة في محافظة حماة بوسط سوريا، وبدأ كلاهما، الأسبوع الماضي، موجة هجمات على معقل المعارضة في محافظتي إدلب وحماة، حيث تعرضت المستشفيات والمراكز الصحية هناك للقصف. يشار إلى أن المنطقة المحيطة بإدلب يعيش بها نحو ثلاثة ملايين لاجئ، نصفهم من النازحين داخليًا، وبحسب بيانات الأمم المتحدة، أدت الموجة الجديدة من العنف إلى نزوح أكثر من 150 ألف شخص، فيما قدر مكتب الصحة في إدلب عدد النازحين بـ300 ألف شخص.

ولكل دولة متداخلة (روسيا، إيران، تركيا) آلية في التعامل مع "إدلب"، إذ ترى روسيا أن الحل العسكري هو الأنسب من حيث السيطرة الجغرافية الكاملة على الأراضي السورية، وإنهاء وجود الفصائل المسلحة، وفقًا لسياسة الترحيل وتسليم السلاح بمناطق الصراع الأخرى بسوريا، والتحرك للمرحلة التالية من الاستثمار وإعادة الإعمار، ولكنها تتأنى في اتخاذه لما له من عواقب قد تكون غير قابلة للسيطرة عليها، إذ تتمسك موسكو بكونها اليد العليا في التحكم في الميدان السوري.

أما إيران، فتسعى لإبراز دور فعال لها بعد ضموره في منطقة الجنوب السوري تبعًا للتفاوض الروسي - الإسرائيلي بإبعادها عن الحدود السورية الجنوبية بمسافة 50 ميلًا، إضافة إلى محاولة إيجاد دور لها في المنطقة وكسر حدة الحصار التي تفرضه الولايات المتحدة عليها، وتفضل هي الأخرى آلية الحل العسكري بـ"إدلب"، والتخلص من كل الميليشيات التي تهدد نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وبالنسبة لتركيا، فتفضل الحل التفاوضي في إدلب، وإرجاء الحل العسكري لأجل غير مسمى، إذ ترى أن الحل العسكري يعني هزيمتها في سوريا، وخسارة دورها في المعادلة التفاوضية المقبلة، بجانب أن حضورها في المشهد السوري سيمنع المسألة الكردية من البقاء، والتي تهدد بدورها الأمن التركي في سعيها لإقامة حكم ذاتي على الحدود التركية الجنوبية.

روسيا تقرع طبول الحرب

تنتهج روسيا، بوصفها قطب الصراع التي تحتل القسم المفيد من سوريا، وتتحكم فعليًّا في إدارة الحرب ضد فصائل الثورة السورية، استراتيجية عامة لإدارة معركة إدلب، تقوم على "مبدأ القمع والتدمير" من خلال الاستعدادات العسكرية الروسية للعدوان على إدلب، وتتمثل أبرز الاستعدادات العسكرية لإدارة معركة إدلب بالتالي:

ــ توجيه روسيا عملياتها في إدلب، حسب مبدأي الإنهاك وإراقة الدم في مواجهة فصائل المعارضة، لإضعافهم ماديًّا وبشريًّا في معظم جبهات إدلب، وهذا ما أشار إليه الوزير الروسي لافروف في نيته على هجوم شامل محتمل ضد إدلب، حيث قال: "من غير المقبول أن يستخدم هؤلاء الإرهابيون، وخاصة جبهة النصرة، منطقة خفض التصعيد في إدلب لمهاجمة "الجيش السوري"، وليهاجموا أيضاً بالطائرات المسيّرة قواعد الجيش الروسي في المنطقة"، وهذه ذرائع للعدوان على إدلب.

ــ إحكام السيطرة على المنافذ الواصلة إلى إدلب، بما فيها المعابر بين المناطق المحررة، وتلك الواقعة تحت نفوذ الأسد، وهذا ما صرح به وزير خارجية نظام الأسد في موسكو، حيث قال وليد المعلم: إن النظام مستعد "لقطع كل الطريق" في إدلب.

أنقرة والسعي للتفاوض

تسعى أنقرة لإفشال التوجه الروسي الداعم للنظام وإيران الذي يجعل من إدلب نسخة أخرى من الجنوب السوري في الهيمنة المطلقة على المناطق المحررة، وبما أن الغموض يكتنف المخطط الذي يستهدف إدلب، إلا أن اقتراب الانفجار العسكري على حساب الحلول الأخرى هو المطروح على الطاولة، لذلك يواصل الجيش التركي منذ أيام وبشكل متسارع ومتصاعد إرسال تعزيزات عسكرية كبيرة إلى مناطق تواجده داخل الأراضي السورية، لا سيما نقاط المراقبة المنتشرة داخل حدود محافظة إدلب، وفي مناطق انتشاره على طول الحدود التركية مع إدلب، وشملت التعزيزات التركية دبابات وناقلات جند وعربات مصفحة وعربات دعم لوجيستي عبر جزء منها إلى إدلب ومحيطها.

ولكن الروس يصنفون جميع الفصائل المعارضة للأسد تحت بند "الإرهاب"، والسؤال المطروح هو، هل ستنجح الجهود الدبلوماسية التركية في إقناع الروس بحل ملف إدلب سلميا؟ فروسيا تركز على سياسة الأرض المحرقة لإخضاع كل المناطق السورية بالقوة الغاشمة، ومن هنا يتأهب الجيش التركي لجميع السيناريوهات المتوقعة، والتي يطغى عليها الخيار العسكري بشكل كبير.

وتبدو تصفية آخر "مناطق خفض التوتر" الأصعب والأكثر تعقيداً، فلن تقبل أنقرة بانتزاع مناطق نفوذها في شمال سورية بعد كل ما قدمت وبذلت وتحملت، لذلك بادرت إلى مد كل فصائل الثورة بما تحتاج إليه من عتاد للتصدي لعدوان قوات نظام الأسد، ومع كل هذا وذاك تبدو مؤشرات العدوان الروسي على إدلب قائمة بصرف النظر عن الموقف التركي.

إيران والبحث عن دور

يستعجل الطرف الإيراني العدوان على إدلب بتناغم واضح مع الروس، كما لم يعد لإيران استراتيجية طويلة الأمد لاستمرار الهيمنة على سوريا، بعد الاتفاقات "الإسرائيلية" الروسية، وكذلك الأمريكية التي قيدت حركتها في الجنوب السوري، وتلاحقها إلى أماكن أخرى؛ بل كل ما لديها أنها تتبنى خططًا متفرقة قصيرة المدى، تقوم على أشكال متعددة من الاندساس تحت العباءة الروسية، وتغذية الخلافات الإقليمية والدولية في إطار خطة أوسع نسبيًّا، تقوم على إطالة أمد الحرب، للوصول إلى وضع قد تحدثه تحولات داخلية وإقليمية، تخدم موقفها، وتُعلِي من رصيدها الشحيح في ما تبقى من نفوذ لها في سوريا.

تؤكّد شواهد التدخل العسكري الروسي، لأكثر من ثلاثة أعوام من عمر الحرب السورية؛ أنّ خيار الحسم العسكري هو ما تذهب إليه موسكو، لتعزيز قبضتها واحتلالها لسوريا، وتمكين عميلها الأسد من استرداد السلطة، وعادةً ما يعمد الروس إلى هذا الخيار، بواسطة قصف هستيري عنيف ضد المدنيين، ترافقها حالات نهبٍ ومصادرة للحقوق بالقوة الغاشمة، ومن أبرز الوقائع المؤكدة على هذا المذهب، ما حصل في غوطة دمشق، وريف حمص الشمالي، والجنوب السوري


اضف تعليق