"إدلب" خزان الجماعات المتطرفة .. أوروبا لا تريد التصعيد


١١ مايو ٢٠١٩ - ٠٨:١٤ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - جاسم محمد

الجدل ما زال قائمًا حول إدلب، تلك المدينة التي أصبحت معقل إلى جبهة تحرير الشام، جبهة النصرة، والتنظيمات المتطرفة الأخرى، والتي يقدر عددها بأكثر من خمسة عشر ألفا، بين سكان مدنيين يقدر بثلاثة ملايين نسمة، فالقضية لم تعد مرتبطة بشأن سوري داخلي أو إقليمي، بل أمر بالغ الأهمية إلى أمن أوروبا وأطراف دولية فاعلة في المشهد السوري.

تشهد مدينة إدلب، تصعيدا في العمليات العسكرية تنفذها القوات النظامية السورية بالاشتراك مع الطيران الروسي، منذ مطلع شهر مايو الجاري 2019، بالتزامن مع اشتباكاتٍ بين مقاتلين أكراد وآخرين تدعمهم أنقرة بالقرب من عفرين.

وتسعى أنقرة إلى السيطرة على بلدة تل رفعت بهدف إبعاد المقاتلين الأكراد منها وإعادة فتح الطريق الدولي بين غازي عنتاب وحلب. وترفض الميليشيات الإيرانية التي تُنشط في أرياف حلب بمناطق تقطنها غالبية من الطائفة الشيعية، سيطرة أنقرة على بلدة تل رفعت، لقربها جغرافيا من مناطق تمركزها.

"إدلب" خزان الجماعات المتطرفة

تعدّ محافظة إدلب الواقعة شمال غربي سورية، والمتاخمة للحدود التركية، المحافظةَ الأخيرة التي ما زالت بيد "الجيش الحر" المعارضة السورية، المدعومة من تركيا، وهي المحافظة التي تلخص كارثة صراعٍ تجاوز سبع سنوات. وتعتبر جبهة النصرة "جبهة تحرير الشام"، أبرز التنظيمات المتطرفة التي تسيطر على مدينة إدلب

تحشيد عسكري أوروبي

توجد منذ سنوات عدد من القطع الحربية البحرية التابعة للناتو، فرنسية وألمانية وبريطانية وهولندية وأمريكية وكندية، ووصلت قبالة السواحل والمياه الإقليمية السورية، وتقوم بدوريات شرقي البحر المتوسط، تنفيذًا للتهديدات الغربية للنظام السوري في حال استخدم الأسلحة الكيمياوية في إدلب، وتضمنت القطع البحرية مدمرات وفرقاطات وغواصات نووية وصواريخ (توماهوك) المجنحة، قد يتم استخدامها في ضربة محتملة، في حال اتهام دمشق بارتكاب مجزرة كيمياوية، ويقابلها عدد من القطع البحرية الحربية الروسية على الساحل السوري.

ردود أفعال دول أوروبا

قالت موغيريني  يوم 10 مايو 2019، في بيان: إنّ "التصعيد العسكري الأخير في شمال غرب سوريا المترافق مع غارات جوية وقصف مدفعي يستهدف المدارس والمستشفيات، بما في ذلك استخدام البراميل المتفجرة، هو خرق غير مقبول للقانون الدولي وهناك خسارة كبيرة في الأرواح ومعاناة كبيرة ألحقت بالشعب السوري".

أعربت دول أوروبية، يوم 10 مايو 2019، عن قلقها إزاء استمرار الهجمات التي تشنها قوات النظام السوري وحلفاؤه على إدلب. وقال المندوب الفرنسي فرانسوا ديلاتر: "نحن قلقون للغاية إزاء تداعيات تصعيد العنف في إدلب، ولا نريد أن نرى حلب جديدة هناك، ويجب أن نمنع ذلك من الحدوث".

وتابع ديلاتر: "لذلك نحن ندعو إلى وقف الأعمال العدائية في إدلب ودعم الجهود الأممية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة".

وقال السفير الألماني لدى الأمم المتحدة كريستوف هويسجن، إن بلاده "تتابع بقلق الوضع الإنساني في إدلب والذي يتدهور بشكل مأساوي". أما المندوب البلجيكي مارك بيكستين فقال إنه سيطلب باسم بلاده خلال جلسة سوريا في مجلس الامن "أن تقوم الدول الضامنة لمسار أستانة (تركيا وروسيا وايران) بدورها لوقف ما نشهده حاليا في إدلب".

وحذر رئيس المفوضية الأوروبية جان كلاود جانكر -في وقت سابق- من "ضرورة أن تكون الكارثة الإنسانية الوشيكة في إدلب موضع اهتمام بالغ ومباشر من الجميع". ويذكر مسؤولو الاتحاد الأوروبي أن التأثير المحتمل للنزاع في إدلب على الوضع في اليونان يصعب الحكم عليه.

ويتمثل أحد أوجه التشكك فيما إذا كانت أنقرة سوف تفتح حدودها للسماح للمهاجرين بالفرار. لكن تقرير Financial Times يخالف ذلك، ويقول حتى في حالة عبور المدنيين للحدود، فمن غير المؤكد أن يحاولوا التحرك نحو الاتحاد الأوروبي.

النتائج

- إن دول أوروبا، لا تريد تصعيد العمليات العسكرية في إدلب، في الوقت الحاضر، وتريد حلا سياسيا، ربما يتركز بالضغط على روسيا وتركيا، لايجاد حل سياسي هناك باعتبارهما ضامنين لاتفاق سوتشي.

- إن العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات سوريا النظامية في إدلب والمناطق المحيطة بها، ممكن أن تكون لها تداعيات بتدفق الآلاف اللاجئين وكذلك تسرب التنظيمات المتطرفة إلى أوروبا، خاصة المقاتلين الأجانب.

- إن وجود أكثر من خمسة عشر ألف مسلح من التنظيمات المتطرفة في إدلب وريفها ومناطق أخرى بريفي حلب وحماة، داخل مناطق سكنية، يقدر فيها عدد المدنيين بثلاثة ملايين نسمة، ممكن أن يشعل كارثة إنسانية ضد المدنيين. فرغم وجود اتفاق، ومبادئ حول محاربة الإرهاب وتطهير المناطق التي تخضع لسيطرة الجماعات المتطرفة أبرزها "جبهة تحرير الشام" إلا أن هناك اختلافا على ما يجري على الأرض من عمليات عسكرية، وهذا يعتبر تحديا للقوات النظامية السورية، لأنها يمكن أن تكون موضع انتقاد من قبل المنظمات الإنسانية والمجتمع الدولي.

- إن القطع البحرية التابعة للناتو والقوات الفرنسية والألمانية والهولندية والكندية قبالة السواحل السورية، يمكن أن توجه ضربات وقائية للقوات السورية، كما فعلت في أبريل عام 2018، من أجل الحد من توغل القوات السورية النظامية، في حالة إثبات أي انتهاكات للقوات السورية النظامية أو استخدامها أسلحة محظورة مثل الأسلحة الكيمياوية. إن جهود مكافحة الإرهاب تحظى بالاهتمام، غير أن استهداف المدنيين مرفوض، لكن سعي دول أوروبا بالتقرب من دمشق هذه المرة ربما يستبعد توجيه ضربات عسكرية ضد القوات السورية النظامية.

- الموقف الأوروبي، يمكن أن يتقارب في جزئية إدلب مع سياسة تركيا، مقابل ضبط تركيا لحدودها، بمنع تدفق موجات اللاجئين، فسبق أن استغلت تركيا هذه الموجات من اللاجئين بفتح حدودها على أوروبا عبر اليونان، في حالة عدم وجود توافقات أوروبية مع سياستها في سوريا. وهذا ما تخشاه بالفعل دول أوروبا، فالأخيرة لا تريد أن تفتح جبهة جديدة؛ لأن وضعها السياسي والأمني لا يتحمل أعباء جديدة. كونها ما زالت مثقلة بالكثير من المشاكل التي تعصف بها من الداخل؛ أبرزها مسألة الهجرة والمقاتلين الأجانب.

الخلاصة

إن الدور الأوروبي في سوريا يبقى متمحورا لتجنب أي تصعيد عسكري في إدلب، والبحث عن الخيار السياسي من خلال أطراف سوتشي الضامنة، وأبرزها تركيا وروسيا.

كون دول أوروبا تنظر في جزئية المقاتلين الأجانب والهجرة، أكثر من تسوية الأوضاع في سوريا، وهذا ما يختلف أصلا عن رؤية  النظام في سوريا وكذلك مع موسكو، كونها تعيش حالة تسابق مع تركيا وقوات سوريا الديمقراطية للسيطرة على قدر واسع من الأراضي لتقوية موقفها في أي مفاوضات قادمة أو تسوية سياسية، أي اتباعها سياسة فرض أمر الواقع، وهذا ما بات متوقعا من قبل موسكو ودمشق.

ومع ما تبذله التحشيدات العسكرية الأوروبية قبالة السواحل السورية وما تبذله أوروبا من جهود سياسية، لتأجيل "قضية إدلب"، فإن موسكو ودمشق يبدو ماضيان في تنفيذ خططهما، باستعادة وفرض سيطرتهما، على أكبر قدر من الأراضي شمال غرب وشرق سوريا.

ما ينبغي أن تفعله دول أوروبا، هو الضغط على جميع الأطراف المعنية في الشأن السوري أبرزها موسكو وأنقرة، لتسريع الحل في إدلب وعدم تركه مفتوحا، لأن ذلك دون شك يعطي وقتا أكثر للجماعات المتطرفة لأن تتنامى وتعيد تنظيم نفسها.

السكان المدنيون هم القضية الأصعب، وهذا ما يوجب فتح ممرات آمنة لهم مع أي عمليات عسكرية محتملة، والتي أصبحت من القواعد الأساسية التي يجب أن تتبعها الجيوش في استعادة أراضيها وفرض سيطرتها.




الكلمات الدلالية أوروبا سوريا إدلب

اضف تعليق