في "مرجعية النجف".. إيران تلعب على أوتار القوة الروحية


١٢ مايو ٢٠١٩ - ١٠:٣٢ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - أسماء حمدي

تسعى إيران إلى توسيع نفوذها على المؤسسات الشيعية في العراق، في محاولة تهدف إلى كسب السيطرة على أكبر جماعة دينية هناك، وتظهر الحملة الإيرانية بوضوح في مدينة النجف التي تعدّ موطنًا للقادة الدينيين وبوابة واسعة للسكان الشيعة الذين يمثّلون نحو ثلثي سكان العراق.

وألقت صحيفة "واشنطن بوست" الضوء على محاولات إيران للسيطرة على "النجف" المكتظّة بالسكان، وقال الكاتب إن إيران موّلت المدارس والجمعيات الخيرية وبنت المساجد وقوّت روابطها مع علماء الدين في محاولة لتقويض رجال الدين المحلّيين الذين كانوا مستقلّين بشدّة لفترة طويلة.

يقول نشطاء سياسيون عراقيون، إن رجال الدين المرتبطين بإيران يروّجون لنوع معيّن من اللاهوت الديني الشيعي الذي ترعاه الدولة في معاهد المدينة، وتقوم بالمناورة لمحاولة تثبيت أحدهم كمرجعية دينية عراقية أو سلطة دينية عليا، ولا تزال ملصقات الشيخ محمود الهاشمي الشاهرودي - السياسي الإيراني البارز الذي كانت تدعمه طهران قبل وفاته - موجودة على جدران النجف.



يقول غالب الشهبندر المحلل والسياسي العراقي: "ترغب إيران في اختطاف النجف وتسعى لنشر مرجعيتها في العراق والسيطرة على الحركات الدينية"، لكن التقدم الديني الإيراني في النجف واجه مقاومة شديدة وأثار غضب الشخصيات الدينية البارزة في المدينة، وقد يؤدي في النهاية إلى تأجيج غضب الشيعة العراقيين، فقد سئم الكثير من العراقيين بالفعل مما يرونه تدخلاً إيرانيًا كبيرًا في العراق.

تعتبر مبادرة إيران لتوسيع نفوذها الديني تكملة لجهودها المتزايدة لإبراز قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في العراق، حيث تتنافس واشنطن وطهران على بسط نفوذهما هناك، وأصبحت إيران قوية بشكل خاص بعد أن قامت الميليشيات التي تدعمها طهران بدور قيادي في دحر "داعش" - التي احتلت مساحة واسعة من شمال العراق – ولازالت القوات التي تعمل لإيران بالوكالة محتفظة بسيطرتها على مساحة واسعة من الأراضي العراقية.

ولقد كان لحلفاء إيران، بمن فيهم قادة عسكريين سابقين، دور مؤثر في البرلمان العراقي، وغالبا ما يتوسط المسؤولون الإيرانيون في النزاعات بين الفصائل السياسية والعسكرية، كما تعتمد العديد من وسائل الإعلام على التمويل الإيراني، فيما تنتشر الواردات الإيرانية مثل مستحضرات التجميل والبيض والصلب في الأسواق المحلية، كما أن بعض المدن العراقية تحصل على  إمدادات الطاقة من طهران، وفي النجف، لا يمكن إغفال الحضور الإيراني.

يسافر مئات الآلاف من الإيرانيين إلى النجف كل عام لزيارة ضريح الإمام علي ذي القبة الذهبية - ابن عم وصهر النبي محمد الذي يقدسه المسلمون الشيعة- وكانت إيران قد مولت وساعدت في الإشراف على مشروع طموح لتوسيع الضريح، بما في ذلك بناء متحف ومكتبة وقاعات دراسية للتلاميذ في ملحق منفصل، وتشارك "خاتم الأنبياء" وهي شركة هندسية مملوكة للحرس الثوري الإيراني في المشروع.

وفي الوقت نفسه تدفع إيران رواتب الطلاب من خلال مكاتب يديرها رجال دين إيرانيون أو حلفاؤهم، وفي بعض الأحيان تستخدم تلك الروابط لتجنيد العراقيين للقتال من أجل الميلشيات الموالية لإيران.


لكن الإيرانيين ليسوا موضع ترحيب في النجف، فرجال الدين في العراق لديهم مخاوف بشأن جهود إيران لكي يحصل مرشحها على منصب المرجع الأعلى الديني القادم، والذي يشغله الآن على السيستاني الذي حقق استقلال العراق ووقف في وجه التدخل الإيراني.

وُلد السيستاني، البالغ من العمر 88 عامًا، في إيران، لكنه يعارض المذهب الشيعي المعروف باسم ولاية الفقيه، الذي يدعمه النظام الحكومي، ويدعو هذا المذهب - الذي ما زال يختلف عليه العلماء الشيعة - بوجود قائد ديني وسياسي أعلى يفصل في جميع أمور الدولة، وأثار المذهب نقاشات طويلة المدى بين طلاب المعاهد الدينية في النجف، لكن السيستاني يدعم قيام رجال الدين بدور استشاري أكبر.

لقد كان للسيستاني نفوذ مؤثر في النجف وغيرها، فقد ألهمت قراراته ملايين العراقيين للقيام بعدة أنشطة مثل المشاركة في الانتخابات وحمل السلاح لمواجهة مقاتلي "داعش"، كما أشاد المراقبون العراقيون بدوره في تعزيز استقلال النجف والمساهمة في تهدئة بعض أعمال العنف الطائفية في البلاد، لكنه أصبح كبيرًا في السن وليس معروفًا ما قد يحدث بعد رحيله.

يقول عماد الشرع باحث في معهد تقارير الحرب والسلام في العراق: "إذا مات السيستاني سنواجه صعوبة كبيرة في استبداله وسط وجود هذا العدد من رجال الدين المرتبطين بإيران، فإيران تحاول بسط نفوذها في النجف بخلق علاقات قوية مع كبار رجال الدين مما أضعف النجف، لكن لا يمكن لأحد أن يدير النجف وهو خارجها".

لقد حاولت إيران من قبل، ففي وقت قريب أرسل المرشد الإيراني علي خامنئي، الشاهرودي - كبير قضاة الجمهورية الإسلامية الأسبق - إلى مسقط رأسه النجف لافتتاح مكتب وبناء شبكة من الأتباع، يقول زملاؤه إنه سافر إلى العراق مطلع 2012 بهدف أن يصبح السلطة الدينية العليا في العراق، وهو مشروع من شأنه أن يعزز قبضة إيران على النجف.



يقول مصدر مقرب من السيستاني: "عندما جاء الشاهرودي إلى العراق كان يعد نفسه ليصبح مرجعية العراق بعد وفاة السيستاني"، ويقول الشيخ جاسم المندلاوي أحد شركاء الشاهرودي في العراق" لقد كان أمرًا محتملًا، فالشاهرودي ولد في العراق، لكنه كان يعمل بهدوء احترامًا للسيستاني".

لكن استقبال رجال الدين العراقيين للشاهرودي لم يكن كما يأمل، فقد صعقه الاستقبال الفاتر، فقرر مغادرة العراق، وعندما عاد إلى إيران شغل منصبين حكوميين رفيعين قبل وفاته في ديسمبر الماضي وكان في الـ70 من عمره، والآن أصبح المجمع الفسيفسائي الذي أنشأه في النجف خاليًا إلا من حارس وحيد.

إن تحركات إيران العلنية للسيطرة على توجهات المؤسسة الدينية قد تثير غضب العراقيين، فقد حذر أتباع السيستاني من أن خلفه الموالي لإيران سيؤدي إلى إضعاف استقلال المؤسسة الدينية في العراق، ويهدد التوازن الدقيق بين القوى الدينية والسياسية في البلاد.

يقول خالد البغدادي رجل دين مقيم في النجف ومساعد مقرب من السيستاني: "يلعب السيستاني دورًا كبيرًا في حفظ السلام وتعزيز أمن واستقرار العراق، لقد كان هذا هدفه منذ البداية"، وعند سؤاله عن محاولة إيران الترويج لحلفائها في النجف، ضحك البغدادي وقال: "ليس للإيرانيين أي سلطة هنا، ولا يمكن لأي سلطة فرض إرادتها علينا".


الكلمات الدلالية النجف العراق إيران

اضف تعليق