فلسطين.. النكبة المتدحرجة‎


١٥ مايو ٢٠١٩ - ٠٩:٢٤ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة - بدأت حكاية التشتّت الفلسطيني قبل 71 عامًا مع بدء المشروع الصهيوني القائم على الاستيطان، طُردت غالبية الفلسطينيين سنة 1948 من أراضيهم لإحلال المهاجرين اليهود بدلا منهم وإقامة دولة يهودية.

أدّت نكبة عام 1948 إلى تشريد ما يزيد على 800 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948 في 1,300 قرية ومدينة فلسطينية، وإلى سيطرة العصابات الصهيونية على 774 قرية ومدينة فلسطينية، التي دمرت 531 منها بالكامل، وما تبقى جرى إخضاعه لكيان العدو وقوانينه.

وترافقت عمليات التطهير والتهجير التي مارستها تلك العصابات بحق السكان الأصليين من خلال 70 مجزرة أدت إلى استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطيني، والسيطرة على أكثر من 85% من مساحة فلسطين التاريخية والبالغة حوالى 27,000 كلم2، بما فيها من موارد وما عليها من سكان، وما تبقى من هذه المساحة لا تخلو من فرض السيطرة والنفوذ من قبل الاحتلال عليها.

تستمر مأساة الشعب الفلسطيني التي كان أول من اطلق عيها مصطلح "النكبة" المفكر والقومي الفلسطيني محمد عزة دروزة في كتابه مأساة فلسطين، الصادر عام 1959 ليشيع الوصف الأكثر دقة لمعاناة الفلسطينيين، تستمر بكونها فعلا متواصلا لم يتوقف منذ وقعت أحداثه العسكرية في مايو من عام 1948، أي قبل 71 عاماً.

لم يقف الشعب الفلسطيني وثورته خلال هذه العقود منذ انطلاق العمل المسلح، وتحديداً بين نكسة حزيران وغزو لبنان، مكتوف اليدين، بل خاض حروباً وعمليات كفاحية وفدائية، وأدار مع الاحتلال، معارك ومواجهات عسكرية، كان أبرزها خمسة حروب عاشها الشعب الفلسطيني، و8 انتفاضات، وعشرات الهبات، منذ احتلال البريطاني لفلسطين منذ عام 1920 حتى اليوم.

قاد مسار المفاوضات فلسطيني بعد مؤتمر مدريد، في أوسلو إلى توقيع أول اتفاق رسمي بين حكومة الاحتلال الإسرائيلي وبين منظمة التحرير الفلسطينية، عرف بإعلان المبادئ استثنى قضايا جوهرية في نصوصه وأجّله إلى مفاوضات الحل الدائم: القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات، تحول لاحقاً إلى مصدر كل الكوارث التي عادت لتصيب الشعب الفلسطيني وتكرس تواصل النكبة، من حصار عرفات في المقاطعة بعد الانتفاضة الثانية وحتى الانقسام الفلسطيني، عام 2007 وتتويج حالة الانشقاق القائمة.

ساهم الانقسام الفلسطيني من جهة، إلى تبلور استراتيجية جديدة لدى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في العامين الأخيرين، وبشكل أوضح بعد انتخاب دونالد ترامب، تقوم على الإمعان في تكريس حالة الانقسام كخيار استراتيجي، وليس مجرد استغلال لوضع قائم، يمكِّن دولة الاحتلال تحت قيادة اليمين الحالي، وبفعل الدعم المطلق من إدارة ترامب، وتحييد العالم العربي بشكل شبه كلي، من سد الطريق كليا أمام حل يقوم على مبدأ الدولتين والمضي نحو تحويل الاحتلال إلى حالة دائمة تتعايش معها "الكيانات" أو المنظومات السياسية الفلسطينية.

تدخل نكبة فلسطين عامها الثاني والسبعين، وقد خسر الشعب الفلسطيني مكاسب هائلة راكمها على مرّ العقود الماضية، وهو اليوم مهدد حتى بخسارة ما تبقى من أرضه لصالح الاستيطان، وما تبقى من حلم التحرير فيما تتصارع ثورة تحولت إلى سلطة ومقاومة، لا هي بسلطة ولا هي بمقاومة اعتيادية، على موقع صدارة يبقي على دوران عجلة الاحتلال لسنوات طويلة آتية.

سياسة ترامب تجاه القضية الفلسطينية، قوضت او تكاد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا" ما يعني تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين واجهاض حق العودة، والاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال.

وما يحصل في عموم الأراضي المحتلة شواهد ماثلة للعيان من حيث استهداف المواطنين اعتقالاً وقتلاً وحرقاً، وتدمير ممتلكاتهم: البيوت والمحال التجارية وحرق محاصيلهم الزراعية وقطع أشجارهم.

وإذا كانت التسريبات الأخيرة المتعلقة بالبنود التي تشكل الخطة الأمريكية صحيحة، فإنه يمكن الافتراض بأن إدارة ترامب تسعى إلى إعلان ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل عقب عيد الفطر، في وقت تتحدث فيه الأنباء عن ان الرئيس عبّاس يُمهّد للإقامة في منزله الضّخم في أحد أحياء العاصمة الأردنيّة عمان، وذلك بسبب حالة الإحباط التي يعيشها حاليًّا الرئيس الفِلسطينيّ محمود عبّاس، وتتحدّث عن إبلاغه الجانب الأردني بأنّه يستعد لأسوأ الخِيارات بما فيها الإقامة لفترات أطول خارج رام الله، لأسبابٍ عديدة، أبرزها أنّه بات مُهمّشًا عربيًّا ودوليًّا، وأصبح يتوقّع قرارًا إسرائيليًّا بإبعاده من المُقاطعة مقر قيادته في رام الله في أيّ لحظة، وضم المِنطقة (c) التي تتواجد فيها مُعظم المُستوطنات في الضفّة الغربيّة المُحتلّة، وإلحاق المُدن الكُبرى المكتظّة بالسكّان بالأردن بمُقتضى "صفقة القرن"، لتحويل الأخير، أيّ الأردن، كوطنٍ بديلٍ وتغيير تركيبته السكّانيّة.




اضف تعليق