أيا صوفيا.. عندما تبوح "الحكمة المقدسة" بأسرار الحضارات


٢٢ مايو ٢٠١٩ - ٠٧:٤١ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية – أشرف شعبان

صرح ديني مهيب؛ يعظمه المسلمون والمسيحيون على السواء، مشاعر مختلطة تشعر بها في أول لحظة تطأ فيها قدمك هذا المكان، إنه أيا صوفيا أو "الحكمة المقدسة"، هكذا أراده الإمبراطور البيزنطي يوستينيانوس الأول، عندما دخله لأول مرة بعد أن أمر ببنائه عام 537 ميلاديا، قائلاً "أريد أن أبهر العالم بشيء لم يسبقن به أحد من قبل".

ظلت أيا صوفيا مسجداً حتى بداية القرن العشرين، حيث قام أتاتورك بتحويل المسجد إلى متحف وأوقف فيه الأذان.

أهم المساجد التاريخية

يقع متحف ومسجد أيا صوفيا مقابلا لمسجد السلطان أحمد في منطقة الفاتح في القسم الأوروبي من إسطنبول، ويعتبر واحدا من أهم مساجد المدينة التاريخية وأقدمها في التاريخ.

وترجع قصته ككنيسة إلى عام 532 ميلادية، عندما شرع الإمبراطور البيزنطي يوستينيانوس الأول في بنائها، واستغرق تشيدها حوالي 5 سنوات.

وعلى طول عمر المبنى كانت أيا صوفيا أضخم كاتدرائية للمسيحيين الأرثوذوكس لمدة زادت عن تسعمئة عام، ثم بعد الفتح الإسلامي أصبح أحد أعظم مساجد المسلمين على مدى نحو خمسة قرون تقريبا، وبعد سقوط الخلافة العثمانية وتأسيس الدولة العلمانية التركية الحديثة، تحول المسجد إلى متحف عام 1935 بأمر من مصطفى كمال أتاتورك، وتعتبره منظمة اليونسكو من الأثار التاريخية المنتمية إلى الثروة الثقافية العالمية.




تحفة معمارية 

ينقسم آيا صوفيا إلى قسمين أساسيين، القسم الأول يشمل مدافن وقبور السلاطين ومدرسة ابتدائية وشلال وصنابير الوضوء والمآذن والدعامات الخارجية والخزينة وبيت الفقراء ومدرسة السلطان الفاتح.

هذا وقد أدخل السلطان محمد الفاتح ومن بعده من السلاطين الطابع الإسلامي المعماري بزخارفه الخلابة ونقوشه الرائعة التي نبغ فيها المعماري المسلم على مر العصور.

أما القسم الداخلي فيحتوي على قبة أيا صوفيا المركزية يبلغ ارتفاعها 55.6 مترا وقطرها 32 مترا، وقائمةً على أربعة أعمدة ضخمة يصل ارتفاع كل منها 24.3 مترا. بالإضافة إلى اللوحات والرسومات الفسيفسائية ولوحات الخطوط في أيا صوفيا والبلاطة والمحراب والمنبر وغرفة السلطان وغرفة المؤذن ومكتبة محمود الأول والجرات الرخامية وعمود الأمنيات وبوابة الأمبراطور.

ويبلغ طول المبنى الرئيسي 82 مترا، وعرضه 73 مترا، وارتفاعها 55 مترا، ويُدخل إليه من تسعة أبواب. وقد غُطي سطحه بأحجار الفسيفساء، وزُينت الجدران - بعد تحويله إلى مسجد - بكتابات للخطاطين العثمانيين.


المسجد الأسير

منع الأذان في أيا صوفيا بأمر من أول رئيس علماني لتركيا مصطفى كمال أتاتورك، وذلك بعدما أمر بتحويل المسجد إلى متحف، واستمر هذا المنع حتى عام 2012 ، حيث رفع الأذان في أيا صوفيا لأول مرة بعد 78 عاما من منعه، وذلك في ذكرى يوم فتح إسطنبول. وأدى آلافُ المسلمين الصلاة أمام مبناه احتجاجا على قانون حظر إقامة الشعائر الدينية فيه، وهتف المحتجون: "اكسروا السلاسل.. وافتحوا مسجد أيا صوفيا.. المسجد الأسير".

وقد عاد الاهتمام بإعادة أيا صوفيا مسجد مع تنامي الإحساس بالهوية الإسلامية خلال السنوات العشر التي برز فيها أردوغان على الساحة التركية، وأقيمت أول صلاة للفجر في أيا صوفيا يوم 31 مايو 2014 كبداية لعودة أيا صوفيا كمسجد لإقامة شعيرة الصلاة كما كان من قبل.

ثم أصدرت رئاسة الشؤون الدينية التركية في يونيو/حزيران 2016 قرارا بتلاوة القرآن يوميا في أيا صوفيا خلال شهر رمضان المبارك لسنة 1437 هجرية، وأطلقت من داخله برنامجا دينيا خاصا بليلة القدر بعنوان "خير من ألف شهر"، رفع في نهايته المؤذن التركي الشيخ فاتح قوجا الأذان من نفس الموقع الذي رفع منه آخر مرة بأيا صوفيا قبل 85 عاما، وهي مدة تساوي تقريبا "ألف شهر".

قام المهندس التركي أحمد جقبق من جامعة بيرلستون بدراسة تحمل أيا صوفيا للزلازل فعرضه لاختبار تخيلي لزلزال قوته 7.5 درجات على مقياس ريختر، فكانت النتيجة صمود البناء، لكن الاختبار الفعلي جاء عام 1990 حين ضرب المدينة زلزال ضخم اهتز له كل شيء بما فيها أيا صوفيا، إلا أنه لم يسقط منه حجر ولم يتصعد له جدار.


 


تنوع للإرث الحضاري

يتمتع أيا صوفيا برهبة لا مثيل لها، فعندما تراه من البحر تجده شامخا يقابلها المسجد الأزرق، وحين تزوره تتنشق عبق الماضي وكأنك تفتح كتب التاريخ على صفحات لا تعد ولا تحصى، ويستمر أيا صوفيا في استقبال الزوار من شتى بقاع الأرض ليعرفهم على أية من الفن العمراني والزخارف تتنسم فيها عبق الفخامة والعظمة الإسلامية.

ويعكس أيا صوفيا، الذي يقع على نقطة تقاطع حضاري بين الشرق والغرب في اسطنبول، تنوع للإرث الحضاري في العالم، فكان على مر التاريخ عاصمة للإمبراطوريات الرومانية والبيزنطية والعثمانية، كما يمثل رمزا ثقافيا عالميا له وزن خاص للمسيحيين الأرثوذكس في كل مكان، وبالنسبة لليونانيين منهم خاصة فإنه رمز ذكرى قوية لفترة تاريخية تجسد آمالهم في مستقبل أفضل، كما أنه يمثل مكانة كبيرة أيضا بالنسبة للمسلمين.




الكلمات الدلالية مساجد آيا صوفيا

اضف تعليق