عولمة الجمال.. نسخ مكررة ولا مكان للمرأة العادية


٠٩ يونيو ٢٠١٩ - ٠٧:٥١ ص بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

أن تحظى بخصوصيتك في عالم تشابكت خيوطه عبر وسائل التواصل بات أمرا صعبا، ومفهوم الخصوصية ذاته اختلف؛ فنحن لا نتحدث عن المساحة التي يتركها الآخرون لتمارس ذاتك، بل نتحدث عن ذاتك نفسها التي لا تعجب الآخرين ومن ثم يريدون تغييرها لتلائم مفهايمهم وقيمهم الخاصة.

كثيرا ما نسمع عن مصطلح العولمة في عالم السياسة والاقتصاد والأعمال، هذا المفهوم الذي يمتد عبر تلك المجالات إلى أمور أكثر حميمية في حياتنا مثل مظهرنا وطريقة تفكيرنا وتعبيرنا، فحتى مفاهيمنا وتصوراتنا عن الأشياء يتم قولبتها في إطار معين لتلائم الفكرة العالمية عن تلك القيمة أو ذلك المفهوم.

ومع انتشار السينما ومن بعدها التلفزيون أصبح هناك تعميم لمفهوم الجمال جعل لكل حقبة نموذجا غالبا للجمال على كل فتاة أن تصبح مرآة له وإلا لفظها المجتمع وتم وصمها بالقبح، كان النموذج يُقر في هوليود ويتم نسخه في مجتمعات العالم عبر نجمات السينما وسيدات المجتمع اللاتي يتصفحن المجلات الأجنبية.

وهكذا مع كل عصر يصبح للجمال مقاييس محددة إن شذ عنها فهو قبيح، فمثلا نجد معظم الصحف والمجلات ووسائل الإعلام عموما تتحدث باستفاضة عن الوزن الزائد وبروز مناطق معينة في الجسد، وعن الوسائل المختلفة للتخلص من عبء الكيلوجرامات الزائدة من الحميات إلى جلسات نحت الجسم وصولا إلى التدخلات الجراحية وخلال الدعاية لكل ذلك نجد صورة المرأة الحلم ذات الخصر الرشيق والقوام المشدود والذي يتحول مظهرها إلى حلم بالنسبة للمرأة العادية التي تريد أن تصل لتلك الصورة، ناهيك عن صور الممثلات والعارضات التي يتم تعديلها بالفوتوشوب لكنها تُفرض علينا في كل مكان حتى يتحول زيفها بمرور الوقت إلى حقيقة من يرفضها حاقد وغيور، وفي عالم مثل هذا ترسم تلك المشاهد نظرة النساء إلى أجسادهن ولون بشرتهن، فكل امرأة تطمح لأن تصبح نموذج مثالي مثل عارضة على ممشى الأزياء أو "مانيكان" في واجهة محل كل الأعين موجهة إليها.


لا يتعلق الأمر فقط بالوزن الزائد، فلون البشرة أيضا أصبح أزمة، أن تكوني بيضاء مثل "القشطة" كما يقولون في مصر هذا يفتح أمامك سوق "العرسان" ويجعلك مطلوبة مثل الحلم يريدك الرجال وتغار منك النساء، في فيلم "شقة مصر الجديدة" تقول البطلة:

* بس أنا ولا قوية أوي ولا مدردحة أوي ولا جميلة أوي.
-  أنتِ مش جميلة؟
*  كانوا دايما بيقولوا عليا إنها مش بيضة وحلوة زي أمها بس دمها خفيف.
- هما مين دول اللي بيقولوا ؟
* يعني جيرانّا وقرايبنا.




وكأن البشرة الداكنة يعتريها نقص تكمله خفة الدم، ناهيك عن إعلانات كريمات تفتيح البشرة التي تلقى رواجا بين المراهقات اللاتي يسعين للتخلص من لونهن الأصلي كما لو كان عارا يلاحقهن، يرصد الفيلم القصير "الحمى الصفراء"، للمخرجة الكينية "نيجاندو موكي" خلال 7 دقائق العلاقة بين المرأة ولون جسدها، وعولمة الجمال التي تفرض تصورا معينا على عقول الفتيات وأجسادهن، كان دافع المخرجة مشاهداتها خلال طفولتها وشبابها للنساء اللاتي مارسن عمليات تغير لون بشرتهن، وترى أنهم بذلك يتنازلن عن عرقهن وهويتهن كما صرحت لصحيفة هافنجتون بوست.

والسؤال هو: لماذا يجب أن تشعر أي فتاة أنها ستصبح أكثر جمالا إذا صارت بيضاء؟ أو إذا فقدت بعض الوزن؟  أو إذا صارت شفتاها أكثر امتلاءا؟ خلق الله الجمال مختلفا وجُعلت أيضا الأذواق مختلفة، ورغم ذلك يتم تنميطه في صورة معينة تصب في صالح شركات مستحضرات التجميل و"البلوجرز" اللاتي اجتحن منصات التواصل ليعرضن جمالهن المصطنع وينصحن الفتيات باتباع أساليبهن وشراء أدوات التجميل والماكياج وماركات الملابس اللاتي يستخدمنها.


لكن بالمقابل ظهر جيل جديد من النساء اللاتي رفضن الخضوع لتلك المعايير، وتأسيس معايير خاصة بهن، في محاولة لفرض تنوع الأذواق والأشكال والأحجام، لجعل عالم الموضة والجمال أكثر واقعية، فالنساء في أي مجتمع مختلفات في الشكل واللون والطول والحجم، وينبغي لعالم الأزياء والموضة أن يراعي هذا التنوع، وعندما ظل عالم الموضة يرفض كل من لا تخضع لمقاييسه، كان الرد هو عالم موازٍ، مسابقات جمال لصاحبات الأوزان الضخمة، فتيات بدينات يؤسسن فرقة رقص ويدخلن في مسابقة للمواهب الأمريكية وينلن إعجاب الجميع، كل هذا في محاولة لتبدأ العيون والعقول في استيعاب المظهر الجديد، وعدم التعامل مع نجمات الموضة باعتبارهن كائنات خرافية لا يشبهن البشر العاديين.

ومع الوقت بدأ العالم يرى نماذج عارضات يشبهن النساء الحقيقيات، لتعي المرأة حقيقة أنها ليست بحاجة لتصبح هيكلا عظميا كي تظهر جميلة أمام الكاميرا، فكم امرأة تعرفها يمكنك لف قبضة يدك على خصرها، لتجد عارضات "البلس سايز" متسعا في الحملات الإعلانية وأغلفة مجلات الأزياء.

في عام 2015 أطلقت النجمة الأمريكية ميليسا مكارثي خط أزياء "سفن"، والذي يعتبر أول خط من نوعه يستهدف تقديم تصميمات ملابس أنيقة وعصرية للنساء البدينات.

وجاءت خطوة ميليسا بعد رفض العديد من المصممين تصميم ثوب خاص بها لحضور حفل توزيع جوائز الأوسكار في عام 2012، معتبرين أنها لا تمتلك جسدا مثاليا لعرض تصميماتهم.

تقول ميليسا: “كانت هناك فجوة حقيقية في سوق ملابس النساء ذوات الوزن الزائد، وأنا حصلت على فرصة لملئه.

وبالرغم من أن "سفن" يسوق كخط أزياء خاص بالنساء البدينات، إلا أن هذه العلامة التجارية تبيع الملابس من قياس 4 إلى 28، تعلق ميليسا: ”أنا أقدم كل الأحجام، إنه أمر غريب أن أتوقف عند حجم معين، النساء بكل الأحجام، فلماذا لا تكون الملابس كذلك”.

واتضح أن ميليسا كانت على حق، حيث لم تعد تلاحق على طلبات المشترين على ملابس خط أزيائها، وأثبتت أن صناعة الأزياء كانت غافلة عن حقيقة أن النساء بكل الأحجام.

ونتيجة لنجاح مكارثي، قام عدد من المصممين بإطلاق خطوط ملابس تلبي احتياجات البدينات، وخاصة بين فئة المراهقات، وهو ما يتماشى مع احتياجات السوق الفعلية، حيث النساء ذات الوزن الزائد يمثلن 65% من المشترين الإناث.

لكن مكارثي لا تركز فقط على توفير قياسات واسعةمن الملابس، فهي لا تريد تقديم ملابس تجعل المرأة شبيهة بالصندوق، على حد قولها، كما أنه ليس على البدينات إخفاء منحنيات أجسادهن، بل عرضها بالشكل الذي يستحق عبر تصميمات أنيقة وعصرية. وعلى غرار ذلك قامت عارضة الأزياء السويدية البدينة "إيناس هايدمارد" ذات الواحد وعشرين ربيعا بتدشين حساب على يوتيوب تبث من خلاله فيديوهات لها تحت عنوان "ثقي في نفسك"، هذا الموقف الذي نبع من رغبتها في مواجهة كل ما فرضته الشركات وبيوت الأزياء العالمية، كما أنها رفضت تخفيض وزنها ولم تلجأ إلى طرق أنظمة الريجيم المعتادة حتى تصل إلى وزن قياسى، كما حاولت من خلال هذه الصفحة أن توصل رسالة للبدينات مفادها أنه من الممكن أن يصبحن أكثر جمالاً وأناقة حتى وهن ذوات وزن زائد.




وفيما يتعلق بطبيعة البشرة، مثلت ويني هارلو مريضة البهاق ثورة في عالم الجمال بعد مشاركتها في برنامج المسابقات الأمريكي "America's Next Top Model"، لتنطلق بعدها في مسيرة ناجحة، طريق هارلو لم يكن مفروشا بالورود، فعانت في صغرها من تعليقات زملائها في المدرسة على لون بشرتها بقسوة مثل: "أنتي بقرة، وحمار وحشي"، بسبب بقع جلدها.

تحدثت العارضة الكندية عن حالتها في فيديو نشرته على يوتيوب عام 2011، وقالت: "لن أجعل مرضا جلديا يقف في طريق أحلامي"، وتحدثت أيضا عن طموحها في أن تعمل عارضة أزياء، لتنال تعاطفا عالميا، بعد اهتمام وسائل الإعلام بالموضوع، وتحقق هارلو حلمها بالمشاركة في برنامج تايرا بانكس الشهير.

وبعد نجاحها قالت:" أنت الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يقنع نفسه بأنه ليس جميلا".


وبالمثل جيليان ميركادو التي لن يتخيل أحد أبدا فتاة في مثل ظروفها تكون عارضة أزياء، فميركادو مصابة بضمور عضلي يجعلها حبيسة لكرسي متحرك، ورغم ذلك استعانت بها علامة "ديزل" الإيطالية الشهيرة لعرض أزيائها، كما استعانت بها أيضا النجمة بيونسيه للترويج لخط أزيائها الخاص.

تقول ميركادو إنها اعتادت أن تقارن نفسها بالأصحاء حولها شاعرة بالحزن بسبب عجزها، لكن في وقت ما أدركت أنها يجب أن تتوقف عن البحث عن ذاتها في عيون الآخرين، وأن تدرك أن للجمال صورا مختلفة.




وبدورها مثلت جيمي بريور إلهاما كبيرا للمصابين بمتلازمة داون، الذين نكتفي معهم عادة بالتعاطف، لكنها نجحت في أن تكون أول عارضة أزياء بهذه الحالة تدخل عالم الموضة، بريور سعيدة بنجاحها، وعندما تقابل فتيات يعانين من نفس المشكلة يقلن لها إذا تمكنت من فعل ذلك فنحن أيضا نستطيع.

كل هؤلاء النساء نجحن في صنع مفهومهن الخاص عن الجمال، وفرض مفهوم التنوع في الطول واللون والحجم في محاولة للقضاء على عولمة الجمال.


الكلمات الدلالية عولمة الجمال

اضف تعليق