كيف أصبحت تركيا منصة رئيسية للتنظيمات المتطرفة؟


١٩ يونيو ٢٠١٩ - ٠٦:٢٨ م بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

أصبحت تركيا منصة رئيسية للجماعاتِ المتطرفة في المنطقة، وتعرضت الحكومةُ، برئاسة أردوغان، لانتقاداتٍ متكررة بسببِ طريقةِ تعاطيها مع هذه القضايا، وانتقدتِ الدولُ الأوروبية ، على وجه الخصوص، مرارًا، موقفَ أنقرة المتساهل إزاء "الجهاديين" الذين يعبرون أراضيها، في طريقهم إلى سوريا، وقد نشرتِ المعارضةُ التركية تفاصيلَ حول تعاملات تركيا مع تنظيم "داعش"، وأثارت سياساتُ الحكومة التركية تجاه الجماعات المتطرفة، جدلًا واسعا، بشأن تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

الجهاديون يعبرون تركيا

ذكرت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، في أوائل عام 2018، أن مقاتلي داعش كانوا مختبئين في تركيا بعد انهيار "الخلافة"، وكان بعضهم يستعد لدخول أوروبا لتنفيذِ هجماتٍ إرهابية. من جانبها، حثّت الحكوماتُ الأوروبية تركيا على منع مقاتلي داعش من العبور إلى سوريا، والعكس، ولكن النتائج كانت محدودةً حتى الآن.

ألقت قواتُ سوريا الديمقراطية، التي يسيطر عليها الأكرادُ، التي تعتبرها تركيا منظمةً إرهابية، القبضَ على عضو في داعش يُدعى عبد الحميد الدمشقي، قدم من المغرب إلى سوريا عبر تركيا، ووردت تقارير تفيد بأنّ الدمشقي قد قال، من مكان احتجازه، تحت إشراف قوات سوريا الديمقراطية: "لا أعرفُ أيّ نوع من الاتفاق بين تركيا وتنظيم داعش لكنهم سمحوا لي بالمرور بشكل مريح جدًا. لقد عبرت عبر قنوات رسمية".

إضافة إلى ذلك، اشتكت دول البلقان، المجاورة لتركيا، شكوى مريرة، في مراحلَ سابقةٍ في الحرب، من الضوابط الحدودية المتراخية التي تُسبِّبُ مشكلاتٍ أمنية لها. في الوقت ذاته تقريبًا، ذكرت صحيفة "الجارديان" أنه مع انتشار داعش في شمال سوريا، فإنه يدير عمليةً متطورة لمراقبة الحدود، مع تركيا، باعتبارها البوابةَ الرئيسة للمقاتلين الأجانب.

كما وردت تقارير عدّة بشأن تلقي مقاتلي داعش العلاج الطبي، وغير ذلك من الدعم اللوجيستي، داخل تركيا. وقد ادّعتِ الحكومةُ الروسية أنّ لديها أدّلة على وجود صفقاتٍ تجارية بين تركيا وتنظيم داعش بشأن النفط، وإن كانت المعابر التي تحدثت عنها موسكو كانت تُستخدم في الواقع من قبل قوات مناوئة للتنظيم. وزعم رازق راديك ماكسيمو، أحد أمراء داعش الذي يوجد في قبضة قوات سوريا الديمقراطية، أن داعش باعت النفط لتركيا وللنظام العميل للروس في سوريا.

بناء على ذلك؛ فإن حجم حركة مرور المقاتلين لتنظيم داعش، عبر الحدود، يجعل من غير المحتمل ألَّا تكون الحكومةُ التركية على علم بما يحدث. يذكر عبد الله بوزكورت، معارض بارز لحكومة أردوغان، وعضو في حركة جولن، أن "المئات من سجلات التَّنصُّت السريّة، التي تم الحصول عليها من مصادر سرية في أنقرة، تكشف كيف مكّن أردوغان -بل سهّل- حركة المقاتلين الأجانب والأتراك، عبر الحدود التركية إلى سوريا، للقتال إلى جانب الجهاديين في داعش".

في الآونةِ الأخيرة، بعد أن دفعت عملية "درع الفرات" التركية داعش بعيدًا عن الحدود، زعم الأتراك أن بإمكانهم القضاء على فلول داعش في شرق سوريا. ويرى الباحث ستيفن كوك من "مجلس العلاقات الخارجية" في الولايات المتحدة الأمريكية، أن هذا أمر مستبعد جدًا: تركيا ستواصل إيلاء الأولوية للتهديد الكردي؛ أي قوات سوريا الديمقراطية، وليس داعش.

أسلحة داعش مصنوعة في تركيا

من الاتهامات المتكررة في هذا الصدد، أيضًا، هو أن داعش تحصل على العتاد -الأسلحة والمتفجرات والطائرات من دون طيار والمولدات الكهربائية- من تركيا. على سبيلِ المثال، مولد الكهرباء المفضل لداعش هو من طراز iSTA Breeze i-500، ووفقًا لموقعها الإلكتروني، هو صناعة تركية خالصة بنسبة 100%، ويتم تصنيعه من قبل شركة “ألتينل إنرجي المحدودة” في إسطنبول". علاوة على ذلك، ذكرت صحيفة “حريت” التركية، عندما كانت تخضع لإدارة حركة جولن المعارضة لأردوغان، أن داعش يمتلك متفجراتٍ من الطراز ذاته الذي تمتلكه الدولة؛ أي تركيا، وأن الكثير من المواد الخام، من السكر إلى الألمونيوم إلى الأسمنت، جاءت من مرافق في تركيا.

في السياقِ ذاته، تقول شركة السكر الفرنسية "تيريوس"، إن 45 طنًّا من مادة "السوربيتول" فرنسي الصنع، عبارة عن مادة تحلية اصطناعية، يمكن استخدامها في صنع وقود الصواريخ، قد اختفت في تركيا في عام 2015 وعادت إلى الظهور في أيدي داعش.

أئمة يتجسسون لصالح تركيا

السياسة التي تنتهجها تركيا لمراقبة المغتربين في أوروبا كثيرًا ما وضعتها في صراع مع الدول الأوروبية، ليس بسبب القضايا الأساسية حول التجسس فحسب، بل بسبب قضايا تتعلق أكثر بالمبادئ مثل حرية التعبير، حيث الفهم الأوروبي والتركي لما هو مشروع وما غير مشروع لا يلتقيان.

أكد تحقيق أجرته مجلة "دير شبيجل" الألمانية، في عام 2017، أن حكومة أردوغان تستخدم "الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية" كوسيلة للتجسس على الجالية التركية في ألمانيا وتحديد المعارضين، لا سيّما أتباع حركة جولن، الذين تعتقد أنقرة أنهم يقفون وراء محاولة الانقلاب. لقد أصبح الاتحاد الإسلامي التركي مرتبطًا في الذاكرة الجمعية في ألمانيا بعمليات التجسس التركية، وفي العام الماضي أشارت حكومة إقليم بافاريا إلى أنها لم تعد تستبعد الاتحاد من الخضوع لإشراف وكالات الاستخبارات المحلية.

في سياقٍ متصل، تُتهم تركيا بممارسة تدخل أكثر خطورة في الشؤون الداخلية لليبيا ومصر. وفي هذا الإطار، قال أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، في أبريل 2019، إن تركيا كانت تقوم بشحن أسلحة إلى الجماعات الإرهابية في بلاده، حتى بعد أن تعهدت بوقف مثل هذه الأمور. وبحسب ما أدلى به محلل عسكري مصري؛ فإن تركيا تسعى لإنشاء قاعدة لداعش في ليبيا وسيناء.

الخلاصة

يمكننا القول إنّ سجلَّ الحكومة التركية يشيرُ إلى أنها  لم تتخذ تدابير ضد تنظيم داعش والجماعات المتطرفة الأخرى التي تحاول استخدام أراضيها، سواء للمرور العابر، أو كقاعدة للتخطيط لعمليات في مناطق أخرى. وفي ظل انهيار "خلافة" داعش، وانتقال "الجهاديين" إلى سيناء وأفغانستان وأوروبا، تصبح من الأهمية عدم السماح لأنقرة باستغلال الوضع لتحقيق مصالحها الخاصة. وبما أن أردوغان لم يتردد في التهديد بفتح الحدود أمام هؤلاء للعبور إلى أوروبا، إذا لم تتم تلبية مطالبه، فينبغي على أوروبا أيضًا أن ترد باتخاذ تدابير قويّة لوضعِ حدٍّ لهذا التهديد للأمن الوطني والدولي.


اضف تعليق