أزمة مالية غير مسبوقة.. الوضع الاقتصادي يهدد بقاء السلطة الفلسطينية


٢١ يونيو ٢٠١٩ - ٠٢:١٥ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبد الكريم

رام الله - "الوضع المالي الفلسطيني على شفا الانهيار، بفعل الضغوط المالية المتصاعدة على السلطة الفلسطينية، ما رفع ديون السلطة بشدة إلى ثلاثة مليارات دولار، إضافة إلى الانكماش الحاد في اقتصادها الذي يقدر حجمه بثلاثة عشر مليار دولار وذلك للمرة الأولى خلال سنوات".

تصريحات هي الأحدث عن الازمة المالية للسلطة الفلسطينية، صدرت عن عزام الشوا محافظ سلطة النقد الفلسطيني (البنك المركزي)، في وصف تداعيات الأزمة المالية الفلسطينية الناجمة عن قرصنة الاحتلال الاسرائيلي لعائدات الضرائب الفلسطينية (المقاصة)، وقطع المساعدات الاميركية، وتراجع المساعدات الدولية بنسبة 70%.

وقال الشوا: نمر حاليا بنقطة حرجة، ماذا بعد، لا نعرف، كيف سندفع الرواتب الشهر القادم؟ كيف سنمول التزاماتنا؟ كيف ستستمر الحياة اليومية دون سيولة في أيدي الناس؟ لست أدري إلى أين نتجه، عدم التيقن يجعل من الصعب التخطيط للغد".

وتواجه السلطة الفلسطينية أزمة مالية خانقة منذ قرار إسرائيل اقتطاع مبالغ من أموال الضرائب الفلسطينية، بذريعة ما تقدمه السلطة من مستحقات مالية إلى أسر الشهداء والأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

عجز رسمي

ودفعت أخطر أزمة مالية تواجهها السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها في العام 1994 بموجب اتفاق "أوسلو" للسلام المرحلي مع إسرائيل، إلى ارتفاع إجمالي ديونها المالية لثلاثة مليارات دولار أمريكي.

ويشير الخبير الاقتصادي نصر عبدالكريم إلى انهذه الأزمة الاقتصادية التي تعيشها السلطة الفلسطينية ليست بالجديدة، وهي تتكرر وتختفي حسب تطور العلاقة ما بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل أو الدول الداعمة".

ويقول عبدالكريم: شهدنا أزمات سابقة وربما أشد تعقيدا، وهذه الأزمات ترتبط مع الأفق السياسي والأمني الذي يشهد حالة انسداد”، مضيفا أن هذه الأزمة كانت متوقعة، وسبب ذلكأن الحكومات السابقة لم تنجح في الابتعاد عن التبعية والهيمنة الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني، ومن المدهش أن تكون نسبة الضريبة التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية تشكل 70 بالمئة من الإيرادات.

ويؤيده الصحفي الاقتصادي جعفر صدقة الذي يقول: إن الأزمة الاقتصادية موجودة منذ بداية السلطة الفلسطينية في العام 1995، وهي تتضاعف من سنة لأخرى، ولا تؤثر على العجز المالي لأن العجز أصلا موجود.

ويضيف صدقة، إن مثل هذه الأزمة وقعت ثماني مرات منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، لكن هذه المرة تختلف بأنها جاءت نتيجة تراكمية لأغراض سياسية بدأتها الولايات المتحدة من بداية 2018، والمشكلة أن عملية الخصم تحولت إلى قانون.

انتكاسة للاقتصاد والمواطن

ويؤكد خبير الاقتصاد والمحاضر بجامعة بيرزيت الدكتور نصر عبدالكريم، أن الأرقام المنشورة من قبل السلطة الفلسطينية تؤكد استحالة صرف الرواتب كاملة دون استلام المقاصة من إسرائيل والبالغة نحو 750 مليون شيكل شهريا (208 ملايين دولار) وتغطي 70% من فاتورة الرواتب البالغة نحو 600 مليون شيكل (نحو 166 مليون دولار).

ولخمسة شهور لم يتقاضى نحو 160 ألف موظف فلسطيني الا 50% من رواتبهم، وذلك بعد قرار الأخيرة إرجاع أموال المقاصة التي تجبيها إسرائيل نيابة عنها من الموانئ والمعابر، بعد قرار إسرائيل خصم مبلغ يعادل ما تصرفه السلطة لذوي الشهداء والأسرى.

نسبة الـ50% المصروفة من الراتب لا تغطي الحد الأدنى من احتياجات أسر موظفي السلطة الفلسطينية، فضلا عن رزمة من الالتزامات الشهرية للمدارس والجامعات والبنوك وشركات الكهرباء والمياه والهواتف وغيرها.

والحائل الوحيد دون أزمة اقتصادية عارمة هو المال الذي يجنيه أكثر من 100 ألف فلسطيني يعملون في إسرائيل، وتحويلات الفلسطينيين العاملين في الخارج.

امريكا تحاصر

ويأتي تصاعد الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية مع استمرار مقاطعتها للولايات المتحدة الأمريكية منذ قرار الرئيس دونالد ترامب، في ديسمبر 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إلى المدينة.

ويأتي وقف الدعم الأمريكي كمحاولة للضغط على السلطة الفلسطينية للعودة إلى طاولة التفاوض بعد أن قطعت الاتصالات السياسية مع إدارة ترامب في 2017.

ومن المقرر الكشف عن الجانب الاقتصادي من الخطة خلال مؤتمر يُعقد في البحرين الأسبوع القادم، يقاطعه الفلسطينيون بسبب ما يقولون إنه انحياز واشنطن للموقف الإسرائيلي.

ويقول مسؤولون في السلطة الفلسطينية إن أزمتها تكمن في محدودية البدائل لسد العجز الحاصل في موازنتها بعد وقف المساعدات الأمريكية بشكل كامل وتراجع المساعدات الدولية لها، وهو ما يزيد من التداعيات الخطيرة للقرار الإسرائيلي بشأن أموال الضرائب.

الاتحاد الأوروبي يضغط لقبول أموال المقاصة لحين حل الأزمة

وطالبت دول الاتحاد الأوروبي من الفلسطينيين قبول أموال الضرائب مخصومة من قبل إسرائيل.

وذكرت قناة عبرية، أن إسرائيل طلبت من دول أوروبية مشاركة في مؤتمر الدول المانحة للفلسطينيين، الضغط على الرئيس محمود عباس (أبومازن) ليتسلم أموال الضرائب بعد مصادرة جزء منها.

مناشدة الأشقاء

وناشد عزام  الشوا، المجتمع الدولي والدول العربية إلى الإيفاء بالتزاماتها تجاه الأزمة المالية التي تمر بها السلطة.

وفي 21 أبريل/ نيسان الماضي التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس وزراء الخارجية العرب للتباحث حول تفعيل شبكة الأمان، وتزويد السلطة الفلسطينية بمبلغ 100 مليون دولار لتفادي أزمتها المالية.

وفي هذا السياق خلصت قمة تونس مارس/ آذار 2019 إلى تزويد السلطة الفلسطينية بمبلغ 100 مليون دولار شهرياً، حسب ما صرّح به محمود الخميري المتحدث باسم القمة العربية.

القطاع الخاص وصل إلى أقصى سقف لإقراض الحكومة

واضطرت الحكومة الفلسطينية إلى الاقتراض من البنوك المحلية لمواصلة صرف رواتب الموظفين العموميين بنسبة 50 في المائة، علما أن إجمالي فاتورة الرواتب تزيد عن 200 مليون دولار شهريا.

يقول الشوا: إن أزمة السلطة الفلسطينية تزداد تفاقما من جراء عدم التزام الدول العربية بتعهداتها، حيث لا تقدم سوى 40 مليون دولار شهريا، وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة مع العجز المالي للسلطة. وتدفع السعودية نصف ذلك المبلغ.

وقال: إن السلطة اضطرت إلى زيادة الاقتراض من 14 بنكا من أجل تجاوز الأزمة، ولولا ذلك (الاقتراض) لوقع انهيار مالي. لدي بواعث قلق للمرة الأولى بشأن الاستقرار المالي.

وفي دلالة على حدة الأزمة، أعلن رجال أعمال فلسطينيون داخل وخارج الأراضي الفلسطينية عن مبادرة لمنح الحكومة الفلسطينية قرضا ميسرا بمبلغ 150 مليون دولار أمريكي مقسمة على الأشهر الثلاثة القادمة.

وقال رجل الأعمال الفلسطيني منيب المصري: إن المبادرة التي تضم 70 رجل أعمال فلسطينيا، جاءت للتأكيد على دعم القطاع الخاص الفلسطيني لموقف القيادة إزاء ما تتعرض له من أزمات، حتى تتمكن من الايفاء بالتزاماتها المالية في ظل ما تواجهه من عجز مالي.

وأوضح المصري أن القرض سيبدأ تنفيذه مع نهاية الشهر المقبل بنسبة فائدة ثلاثة بالمائة.

من جهته، قال الناطق باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم، إن هذه المبادرة ستمكن الحكومة من الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها، خاصة تسديد نسبة 50 في المائة من رواتب الموظفين العموميين جراء الأزمة الناتجة عن ملف عائدات الضرائب مع إسرائيل.

وتابع أن التسريح المفاجئ لآلاف كانوا يعتمدون على المشاريع الممولة أمريكيا أدى إلى مزيد من التدهور في الوضع المالي للحكومة بسبب انخفاض حصيلة الضرائب فضلا عن تنامي حالات التخلف عن سداد القروض المصرفية للشركات المتعثرة.

وتقدر الحكومة الفلسطينية حاجتها إلى 400- 450 مليون دولار كقروض من البنوك العاملة، حتى نهاية أكتوبر المقبل.

ويبلغ إجمالي موجودات القطاع المصرفي الفلسطيني 15.5 مليار دولار، تشكل الودائع 12.6 مليار دولار منها، والتسهيلات الائتمانية 8.6 مليارات دولار، وفق أرقام أبريل الماضي.

ملادينوف يحذر من انهيار السلطة

حذر نيكولاي ملادينوف مبعوث الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، من انهيار السلطة الفلسطينية نتيجة الأزمة المالية الخطيرة التي تمر بها حاليا.

مخاوف "الاحتلال" من الأزمة

نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية معطيات تفيد أن جيش الاحتلال ومخابراته اعتقل 820 خلية فلسطينية كان نصفها تقريبًا ينتمي لحركة حماس في الضفة الغربية أثناء استعدادها لتنفيذ عمليات فدائية.

ويسود اعتقاد لدى جيش الاحتلال أن حركة حماس تحاول استثمار الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة بإنشاء خلايا عسكرية في أرجاء الضفة الغربية.

ونقلت الصحيفة أقوال لضابط إسرائيلي رفيع المستوى أدلى بها في اجتماع مغلق: إن حماس تسيطر بالكامل على رجالها في الضفة الغربية، مضيفًا "سيطرة جيش الاحتلال على المنطقة تجعل من الصعب على حماس تعزيز قواتها بشكل كبير في الضفة، وهذه السيطرة العملياتية والاستخباراتية تُفشل محاولات حماس لتنظيم صفوفها في مرحلة التخطيط".

وأضافت الصحيفة: "يسود اعتقاد لدى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن انهيار السلطة وعجزها عن دفع رواتب أجهزتها الأمنية سيدفعها إلى سعي كسب عيشها بطرق أخرى من شأنها أن تضر إسرائيل والسلطة، مثل الاتجار بالأسلحة والمعلومات، والعمل في مجالات أخرى على حساب العمل الأمني".

وأوردت الصحيفة أقوالاً لمصدر رفيع بوزارة جيش الاحتلال زعم فيها أن "إسرائيل" تحاول إبقاء السلطة الفلسطينية على قيد الحياة، "كما تحافظ على بقاء مريض ميؤوس منه بواسطة التغذية القسرية".



اضف تعليق