شبح الحرب يقترب .. إيران تتخلى عن سياسة "الصبر الاستراتيجي" أمام سياسة "أقصى ضغط"


٢٣ يونيو ٢٠١٩ - ٠٩:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

فيما تستبعد إيران والولايات المتحدة حتى الآن احتمال نشوب صراع عسكري، وتبقى السياسة الأميريكية على حالها: ضغوط اقتصادية ودبلوماسية لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات.

تحدث فريدون وردي نجاد، وهو مدير سابق لوكالة إيران الرسمية "إرنا" في حوار مع صحيفة "آرمان" عن ثلاثة تيارات في الحكومة الأميركية.

يرى وردي نجاد، أن مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، وبسبب علاقته مع "مجاهدي خلق"، والمطالبين بالإطاحة بالنظام، يقود التيار المتشدد في البيت الأبيض، ويريد الحرب ضد إيران وحتى تفكيك البلاد.

أما وزير الخارجية مايك بومبيو، كما يعتقد الكاتب، فيميل للاعتدال وهو مقرب لوزارة الدفاع والاستخبارات الأميركية. وفي النهاية ترامب نفسه الذي لا يرغب في الحرب، وخلافًا لبعض تصريحاته، يفكر بالتفاوض مع إيران مثل معارضيه الديمقراطيين.

ويقول وردي نجاد، وهو سفير سابق في الصين أيضًا، إن ترامب يبحث عن إنجاز سياسي وليس عسكريًا للفوز بالانتخابات القادمة، فيريد إبرام اتفاق مع إيران شبيه بالاتفاق النووي، لكن على طريقته ومزاجه.

ورغم ذلك، يقول الكاتب: "إن الاستراتيجية الأميركية طويلة الأمد تظل هي الاستمرار في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعداء مع طهران، امتدادًا لسياسة أربعة عقود مضت".

التخلي عن سياسة الصبر الاستراتيجي

في مقاله على ايران انترنشنال، كتب المحلل في الشأن الإيراني، كاظم مجدم، أن التطورات والإشارات في الأيام والأسابيع الأخيرة؛ تشير إلى أن جمهورية إيران الإسلامية تخلت عما وصفه رئيسها، حسن روحاني، بسياسة "الصبر الاستراتيجي"، وسعت إلى تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة وبلدان المنطقة.

وإذا نظرنا فقط إلى أحداث الأيام القليلة الماضية، فسيبدو هذا القدر من إصرار جمهورية إيران الإسلامية على الاشتباك العسكري في المنطقة أمرًا غير معقول.. ووفقًا للمراقبين، فإن إسقاط  طائرة أميرکیة دون طيار في المياه الدولية على بعد 17 ميلًا قبالة شواطئ إيران، يعتبر آخر عمل استفزازي من قبل الحرس الثوري.

وبالنظر إلى جميع المؤشرات الحالية، زاد خطر الحرب في ظل الضغوط المتزايدة وتصاعد الأزمة.

وقد تبنت سلطات جمهورية إيران الإسلامية سياسة "الصبر الاستراتيجي" في مواجهة "أقصى ضغط" للرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاريه، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. وقد اتخذت إيران هذه السياسة بناءً على نصيحة الدول المتبقية في الاتفاق وبعض أعضاء الحزب الدیمقراطي في الولايات المتحدة.

ومنذ البداية، كانت جمهورية إيران الإسلامية على يقين من أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، الذي یعد التزامًا دوليًا ویحظی بموافقة مجلس الأمن والأمم المتحدة، قد تم بناء علی طلب إسرائيل، وبذلك تُحرم إيران من الاستفادة من الاتفاق، خاصة في المجال الأمني والعسكري الذي تهدد إسرائيل به، وستُمنع من مواصلة الأنشطة النووية وتطوير البرنامج الصاروخي وتوسيع نفوذها في المنطقة.

وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية وعدت الإيرانيين، إذا ما صبروا واستمروا في التزامهم بالاتفاق النووي، فسوف تساعدهم في تجاوز العقوبات الأميركية في إطار الاتفاق النووي، ومن خلال إنشاء آلية مالية، لکن النظام الإيراني هدد بعد فترة وجيزة من التوترات الشديدة بالخروج من الاتفاق، بل وتحدثوا عن الخروج من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (إن بي تي)، في تصريحات جريئة. وفي وقت لاحق، مع تعديل طفيف، اتجهوا نحو سیاسة خفض الالتزامات النوویة بشکل تدریجي.

من ناحية أخرى، أكد الأوروبيون لجمهورية إيران الإسلامية أنه ما دامت إيران باقية في الاتفاق النووي، فلن تتمكن الولايات المتحدة من إنشاء تحالف عالمي للعمل العسكري ضد جمهورية إيران الإسلامية. وجاء هذا التصور، نظرًا إلى أن أميركا لم تقاتل وحدها خلال المائة عام الماضية، وكانت تقوم دائمًا بعمل عسكري مع مجموعة من البلدان؛ حتى في الأعمال العسكرية المحدودة، مثل عملها العسكري الأخير ضد نظام الأسد، بعد استخدامه الأسلحة الكيماوية، دخلت بالتعاون مع فرنسا والمملكة المتحدة، واکتفت بهجمات صاروخية محدودة على سوريا.

في النهاية، أعرب الإيرانيون عن أملهم في أن یخلص تقرير روبرت مولر، المحقق الخاص بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية، إلى أن الرئيس الأميركي قد تواطأ خلال الحملة الانتخابية مع روسيا، مما یؤدى إلى عزل وإقالة ترامب، أو على الأقل منع إعادة انتخابه. لكن هذا لم يحدث، وفشلت كل جهود إيران وحلفائها ومؤيديها في الغرب في هزيمة وعزل دونالد ترامب.

يعد الحفاظ على الوضع الراهن للإيرانيين تحت أشد الضغوط والعقوبات أمرًا مكلفًا للغاية، ويهدد بالانهيار. وإذا لم تتخذ إيران أي إجراء في ظل الظروف الحالية ویتم تثبیت الوضع الراهن، بما في ذلك العقوبات الهائلة والمميتة، حتى لو أدت الضغوط الداخلیة في الولايات المتحدة إلى تغيير رئيس البلاد، فإن واشنطن لن تكون مستعدة للعودة إلی الاتفاق النووي. فالرئيس الذي سیأتي بعد ترامب، أیًا کان، لن یری ضرورة في عودة الولايات المتحدة إلی الاتفاق النووي، لأن إيران کشفت كل دوافعها وأوراقها في التعامل مع الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، ودخلت مرحلة التوتر وتقدمت إلى مواجهة عسكرية. وفي أفضل الأحوال، إذا أراد الرئيس القادم العودة إلی الاتفاق النووي، فسوف یطلب المزيد من التنازلات من إيران.

وقد تم الكشف عن أولى علامات التغيير في سياسة "الصبر الاستراتيجي" لإيران، من خلال الهجوم على أربع ناقلات قبالة ميناء الفجيرة، وبلغت ذروتها بهجمات الحوثيين بطائرات دون طيار وهجمات صاروخية، وخاصة قصف خطوط أنابيب النفط السعودية. وقد كان هذا التغيير في السياسة في الواقع ردة فعل على سیاسة الضغط الأميركي الأقصی التي دخلت مرحلة جديدة بوضع الحرس الثوري الإسلامي في قائمة الجماعات الإرهابية، وإلغاء إعفاءات صادرات النفط الإيرانية. ومنذ ذلك الحين، أدرك النظام أكثر فأكثر حقيقة أن ترامب ومستشاريه عازمون على ترکیع إيران وإجبارها على قبول شروطهم الاثني عشر.

وكانت جمهورية إيران الإسلامية، التي تدرس أيضًا التجربة السابقة للعقوبات الاقتصادية الواسعة التي فرضها الغرب على إيران في أوائل 2012، ترى أن الولايات المتحدة غير مستعدة أو غير قادرة على تخفيض مبيعات النفط الإيرانية، ويمكن لطهران أن تستمر في الاستفادة من الإعفاء من بيع النفط، لكن هذا لم يحدث. ووفقًا لما ذکره وزير النفط الإيراني، بيجِن زنغنه، فإن "ظروف اليوم أصعب من زمن الحرب، لأننا في زمن الحرب لم يكن لدينا مشكلة في تصدير النفط، وکان صدام وحده هو الذي یستهدف وحداتنا، وکنا قادرین علی استلام أموال النفط، أما الآن فقد أصبحت الأمور أصعب بكثير".

ولا تزال إيران تعول علی العسکریین والسياسيين الأميركيين الذين يعتقدون أن الصراع العسكري مع إيران يضر بمصالح الولايات المتحدة، وما زالت تأمل في أن يتجنب ترامب الدخول في حرب شاملة، لأنه يتناقض مع شعاراته الانتخابية.

وفي غضون ذلك، على سبيل المثال، قال أحد الديمقراطيين بالكونجرس تعليقًا علی إسقاط طائرة أميركية دون طيار من قبل الحرس الثوري الإيراني، إنه یوجه اللوم، في تصاعد التوترات إلى سياسة بلاده الخارجية.

مواجهة محدودة

ويرى قادة النظام الإيراني، أن المواجهة العسكرية المحدودة، ليست حتمية فحسب، بل وضرورية للغاية، ولذا تعتمد هذه التحركات العدوانية، في العراق ومضيق هرمز، على افتراض أن الولايات المتحدة ليست مستعدة للحرب، ومن دون إجماع نسبي، فهي غير قادرة على مواجهة إيران بشكل شامل أو على الأقل، لا تملك الشرعية المطلوبة. وفي أسوأ الحالات، يمكن أن تؤدي الضربة الجوية المحدودة التي تقوم بها الولايات المتحدة إلى إشعال حرب تُعتبر -بحسب قول قديم للخميني- "نعمة" للجمهورية الإسلامية، وسیتخلص النظام الذي يتسم بالظلم، من عبء مسؤولية الاضطراب الاقتصادي المتدهور، ویمنح الأمل لأنصاره بأنه قادر على تنفیذ تهديداته، وبذلك، سیقضي بضعة أيام ویتخطی المخاطر العالية الحالية.

وفي الوقت الحالي، ونظرًا للظروف، تختبر إيران تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها الولايات المتحدة لإيران، إذ تحاول جمهورية إيران الإسلامية تشويه سمعة الولايات المتحدة في المنطقة والعالم، من خلال زیادة التوتر، وتجاوز الخطوط الحمراء، وإظهار فشل سياسات واشنطن. وفي المقابل أبدت واشنطن حتی الآن سیاسة ضبط النفس حیال طهران، واکتفت فقط بإرسال رسائل شدیدة اللهجة.

وتريد إيران أيضًا تحدي سياسة الضغط الأقصى الذي تمارسه الولايات المتحدة لإرغام جمهورية إيران الإسلامية علی الدخول في مفاوضات استنزاف، لتجعل هذه السیاسة مکلفة، على الأقل بالنسبة للولايات المتحدة أو تعمل علی إفشالها.

ويستند النهج الحالي للنظام الإيراني في سياسة "المقاومة الاستراتيجية" إلى حقيقة أن الولايات المتحدة ستتحمل تكلفة سياستها في الضغط الأقصی.



اضف تعليق