لبنان على صفيح ساخن بسبب "باسيل"


٠٥ يوليه ٢٠١٩ - ٠٣:٥٦ م بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمود سعيد

كانت لبنان على شفى الحرب الأهلية حينما اقتحمت الميليشيات التابعة لإيران في بيروت (مايو 2008)، بيروت الغربية ومناطق سنية أخرى وقتلت العشرات وأصابت المئات بدم بارد، مستغلة سلاحها الذي أدعت فيما مضى أنه لمحاربة الاحتلال الإسرائيلي.

يومها وقف الجيش اللبناني عاجزا عن التدخل، خشية من أن ينفرط عقد الجيش الذي يضم الطوائف اللبنانية كافة، يومها كانت الحرب الأهلية على الأبواب مجددا، ولكن تم تجاوزها في اللحظة الأخيرة.

بعدها اندلعت الثورة السورية، وانقسم المجتمع اللبناني ما بين مؤيد لحراك الشعب السوري، وبين مؤيد ومناصر بل ومقاتل مع نظام الأسد، ولا يخفى أن أحد اشتداد العصب الطائفي في لبنان، منذ 2011 بشكل غير مسبوق من نهاية الحرب الأهلية.

أما اليوم فنحن أمام مرحلة جديدة، فقد وصل الأمر لمنع بعض الطوائف من دخول مناطق معينة في لبنان، وبتنا في هذه الأيام نسمع، عبارات مثل "العونية منعوا المسلمين يسكنوا بالحدث"، "الاشتراكية منعوا العونية يفوتوا على الجبل" !.

ويمر لبنان بأزمة اقتصادية صعبة جداً، حيث بلغ الدَّين العام الحكومي الإجمالي للخارج أكثر من 100 مليار دولار.



خطابات باسيل

خطاب وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، صهر الرئيس ميشال عون وصف بالعنصرية مرات من اللبنانيين أنفسهم، فهو دائما ما يهاجم اللاجئين السوريين والفلسطينيين، وحتى ينال من طوائف معينة في لبنان، وقد ذكرت صحيفة "المدن" اللبنانية أن الخلاف في جبل لبنان بدأ مع كلمة ألقاها باسيل "استفزت أهالي المنطقة، معتبرين أن باسيل يستذكر معارك سوق الغرب، إذ يعتبر التيار الوطني الحرّ أن الجيش اللبناني حقق في هذه المعركة، أيام الحرب الأهلية، انتصاراً على أهالي المنطقة".

وأردفت أن الأهالي احتجوا على زيارة البلدة للقاء الشيخ ناصر الدين الغريب بمنزله في كفرمتى؛ وهو ما أدى إلى تدخُّل الجيش واحتكاكات بين عناصره وعدد من المحتجين؛ إذ قطع شبان من كفرمتى طريق البلدة بأجسادهم وبالسيارات في الاتجاهين.

وعمد شبان من منطقة قبرشمون إلى قطع الطريق باتجاه بلدتي عبيه وكفرمتى، إضافة إلى قطع طريق عبيه المؤدي إلى كفرمتى بالإطارات المشتعلة.

وبحسب الصحيفة، بادر الوزير أكرم شهيب إلى القيام بمساع لإنهاء التوتر وفتح الطرقات، في حين اعتبر النائب السابق وليد جنبلاط أن أفضل ردٍّ على موقف باسيل التجاهل، إلا أن الوضع لم يكن بهذا القدر من التجاهل من قِبل مناصري "الاشتراكي" الذين تجمعوا في الساحات وعلى الطرقات، وعمدوا إلى منع باسيل من استكمال زيارته لمناطقهم. وبينما عملت قوة من الجيش على فتح الطرقات، بقي التوتر قائماً، ثم تطور إلى حد إطلاق الرصاص وسقوط قتلى وجرحى.

اعتراف إسرائيلي

فيما قال معلق إسرائيلي بارز إن هناك تشابها كبيرا بين المواقف العنصرية التي يتبناها ساسة لبنانيون تجاه اللاجئين السوريين والعمال الأجانب، في مقدّمتهم وزير الخارجية اللبناني رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، وتلك التي يتبناها اليمين المتطرف في إسرائيل تجاه العرب.

وحسب معلق الشؤون العربية في صحيفة "هآرتس" تسفي بارئيل، فإنه "من المؤسف ألا يستطيع اليمين الإسرائيلي توظيف قادة سياسيين من الجوار، إذ لو كان يستطيع فإن التيار الوطني الحر سيكون شريكاً طبيعياً". وأضاف "جبران باسيل، وزير الخارجية، هو زعيم التيار، وكلماته تضاهي بل تفوق الخطاب العنصري لأقصى شخصيات اليمين في إسرائيل".

ولفت إلى أن أرشيف تصريحات باسيل يتضمن تفوهات عنصرية، مثل "الانتماء اللبناني فوق أي انتماء آخر، هذا يخص الخلفية الجينية، وهذا السبب الوحيد لتميزنا"، وأشار إلى أن "باسيل لم يتردد في تسويغ تمييز اللبناني عن اللاجئين والعمال الأجانب، على اعتبار أن ذلك تعبير عن السيادة اللبنانية".

وأعاد للأذهان حقيقة أن باسيل اقترح، قبل ثلاث سنوات، أن يتم سن تشريع ينص على أنه يحق منح الجنسية اللبنانية لأبناء أية مواطنة لبنانية "بشرط ألا تكون متزوجة من سوري أو فلسطيني".

وأشار إلى أن عمليات التنكيل التي يتعرض لها اللاجئون السوريون علي أيدي الأجهزة الأمنية تدل على أن العنصرية اللبنانية تأخذ طابعا رسميا.

وشدد على أن مواطنين لبنانيين باتوا يتعرضون لمفاعيل التوجهات العنصرية التي ينادي بها باسيل وتياره، مشيرا إلى أن بلدة الحدث، القريبة من بيروت، والتي يقطنها مسيحيون، حظرت على قاطنيها المسيحيين بيع عقارات لمسلمين، سواء كانوا سنة أو شيعة، مشيرا إلى أن رئيس المجلس المحلي في البلدة من أتباع التيار الوطني الحر.

وسخر بارئيل من القرار الذي اتخذته البلدة اللبنانية، قائلا إن هذه البلدة "بإمكانها أن تعقد اتفاقية "توأمة" مع بلدية "نيتسرت عليت"، التي تحظر على اليهود بيع ممتلكات للعرب".

البيت الدرزي

أثار إطلاق نار من قبل مناصرين للحزب التقدمي الاشتراكي، الذي يترأسه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، على موكب وزير شؤون النازحين صالح الغريب، المحسوب على تيار درزي مناوئ، تخوفات من الانزلاق إلى حرب أهلية.

وتجدد التوتر إثر مقتل اثنين من مرافقي وزير شؤون النازحين، صالح الغريب، خلال اشتباك بين موكبه ومسلحين في بلدة قبرشمون بمنطقة "عاليه" جنوب شرق بيروت.

وينتمي الوزير "الغريب"، إلى "الحزب الديمقراطي"، بينما ينتمي المسلحون الآخرون إلى "الحزب التقدمي الاشتراكي"، وكلا الحزبان يمثلان الطائفة الدرزية في لبنان.

الكاتب والمحلل السوري الدرزي "ماهر شرف الدين"، قال إن ما يجري في لبنان "محاولة إشعال فتنة بين الدروز بواسطة قفازات "حزب الله" جبران باسيل، وكانت الحصيلة قتلى وجرحى، وفي سوريا: تفجير في وسط السويداء حصيلته قتلى وجرحى، بواسطة قفازات النظام المدعو داعش، إنها هجمة منسّقة من "حلف الأقليات" ضدّ الأقلية التي رفضت الانضمام لهذا الحلف.

عنصرية

أما الناشط والباحث ربيع حداد الأمين العام المساعد لتيار أهل السنة في لبنان، فقال "إن السبب المباشر لما حصل في كفرمتى هو الخطاب التحريضي والزيارات الاستفزازية التي يقوم بها باسيل لعدد من المناطق ومنها قرى الجبل، فيمكن القول بأن الضحايا والجرحى الذين سقطوا دمهم برقبة باسيل ولذلك يجب أن يستقيل".

من جهته رأى المحامي الدولي الدكتور طارق شندب: أن "خطاب باسيل وخطاب التيار الوطني الحر خطاب طائفي وعنصري شعبوي يتعارض مع الدستور اللبناني، خطاب يهدف باسيل من خلاله إلى كسب شعبية شعبوية من أجل إظهار نفسه كزعيم مسيحي يستطيع أن يعيد بعض الحقوق التي يدَّعي أنها مسلوبة من المسيحيين، ويعمل على تعديل اتفاق الطائف".

وأضاف شندب أنه "خطاب تحريضي على السُّنة بالذات، واللاجئين السوريين باعتبارهم سُنة أيضاً، كما يسعى إلى تقويض النظام الدستوري في لبنان، وإلى تسهيل انتخابه رئيساً للجمهورية؛ وهو خطاب مرفوض عند المسيحيين العقلاء وهم الغالبية في لبنان، وهو يستقوي بسلاح المليشيات".

طرابلس وباسيل

فيما ذكرت صحيفة "الحياة" اللندنية أن مصدرا طُلب من باسيل أن يلغي محطة طرابلس، مشيرةً إلى أن "الرئيس عون انحاز إلى النصيحة بإلغائها، طالباً من باسيل تجميد زياراته، خصوصاً أن ظروف حادث الشحار الغربي أدت إلى استنفار قوة أمنية كبيرة ساعدت على خروجه من بلدة شملان قبل حصول الاشتباك المسلح".

فيما أوضح شندب أن "التيار الوطني الحر وحزب الله يطلبان تسعير الأمور في الداخل وتسعير الفتنة، ونحن نعرف أن تصرفات باسيل وجولاته الداخلية الاستفزازية أمر غير مقبول لا أخلاقياً ولا شعبياً، وزيارته لطرابلس ممكن أن تُستخدم لتأجيج موجات الغضب بخطاباته العنصرية وتصرفاته غير الدستورية وتجاوزاته القانونية".

وشدّد بالقول: "المشكلة الأساسية في البلد هي أن باسيل يستقوي بحزب الله، وحزب الله يستعمله في الشأن الداخلي مقابل حمايته قانونياً ودولياً في الخارج".



تحذير علمائي

وقد حذرت "هيئة علماء المسلمين في لبنان" من حدوث "فتنة كبرى" بسبب تصريحات العنصرية ضد اللاجئين وبسبب تسليم جهات لبنانية لاجئين سوريين إلى النظام السوري.

وأعربت الهيئة في بيان لها، عن خشيتها من أن تؤدي سلسلة الإجراءات التي تقوم بها بعض الجهات اللبنانية من “هدم خيام النازحين وتسليمهم لقاتليهم ومداهمات عشوائية لأماكن سكنهم وتجويعهم، وإذلالهم وسجنهم بحجج واهية (..) إلى فتنة كبرى، لا يتمناها أحد".

وأكدت الهيئة أن تسليم النازحين إلى النظام "أمر مخالف للشرائع السماوية وللقوانين والمواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان، ويتنافى مع الأخلاق الإنسانية، وشيم إغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم وحسن الجوار".

وطالبت "هيئة علماء المسلمين في لبنان "المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية والمحلية بتحمل مسؤولياتها والتحرك العاجل لإيقاف ما وصفتها "الجريمة البشعة".
 




اضف تعليق