احتجاجات الفلاشا وتهديدات الحريديم.. الظهير السياسي الأبيض يحكم إسرائيل


٠٦ يوليه ٢٠١٩ - ٠١:٢٣ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - د.محمد عبدالدايم

الأسبوع الماضي، مباشرة بعد مقتل الفتى الإسرائيلي من أصول إثيوبية سولومون طاقا، هاجم مئات اليهود الحريديم قوات الشرطة الإسرائيلية في مدينة بيت شيمش، واستخدم هؤلاء الحريديم المعروفون بـ"السود" نظرا لارتدائهم الملابس السوداء، في هجومهم على الشرطة حجارة وعصي حديدية وصناديق قمامة مشتعلة، وأكياسا مليئة بالنفايات، والزجاجات والبيض.

جاء الهجوم الحريدي احتجاجا على قانون التجنيد واعتقال فتيات الحريديم، على حد قول بعضهم فإن سبب الاحتجاج أن "بنات إسرائيل في أسر العدو الصهيوني"، وقابلت الشرطة الإسرائيلية هذا الهجوم الحريدي "المعتاد" بتكثيف وجودها في المنطقة، ومحاولات فض التجمع الحريدي، وتم الإعلان عن اعتقال ثلاثة أفراد، ثم ارتفع عدد المعتقلين إلى 12 فردًا.


هؤلاء الحريديم من مستوطني بيت شيمش ينتمون لتيار حريدي متشدد هو تيار "سيكاريكيم" (حاملي الخناجر)، وأغلقوا مسارات المرور في ميدان هاشبت (السبت) في حي مائة شيعاريم، ولا حاجة للتأكيد على أن هجوم الحريديم قد عرّض حياة قوات الشرطة الإسرائيلية للخطر، فلم يكن الاحتجاج سلميا على الإطلاق، وقد أصيب أحد رجال شرطة إسرائيل ونُقل إلى المستشفى، فيما تسبب الهجوم الحريدي في إغلاق الطرق لبعض الوقت، وشاب الهجوم كذلك وصف للشرطة بـ"النازيين".


في مواجهة هذا الاحتجاج الحريدي العنيف لم يستل رجل شرطة واحد سلاحه، لم يوجهه لأي محتج أو مُهاجم، لم يطلق رصاصة في الهواء لتخويف المحتجين، رغم مظاهر الخطر التي تعرضت لها قوات الشرطة المنوط بها فض الاحتجاج وفتح الطرق، والأدهى من ذلك أن هذه الأحداث العنيفة لم تتصدر الأخبار في وسائل الإعلام الإسرائيلية.


بالتزامن مع هذه الأحداث وقعت حادثة إطلاق النار على الفتى من أصول إثيويبة في كريات حاييم، على يد شرطي إسرائيلي في زي مدني، وفي أعقاب هذه الحادثة انفجر غضب الإسرائيليين من أصول إثيوبية، وخرجوا في مظاهرات مضادة للشرطة الإسرائيلية والقيادة السياسية، مثلما تابع الجميع.



ليست المرة الأولى

منذ ستة أشهر أطلق رجل شرطة إسرائيلي النار على شاب إسرائيلي آخر من أصول إثيوبية يدعى يهودا بيادجا في مدينة بت يام، كان يبلغ 24 عاما، وكان يعاني مرضا عقليا، وحسب مزاعم الشرطة؛ فإنه قد هدد ضابطًا بسكين.

غضب يهود الفلاشا، الذي لم تستطع وسائل الإعلام الإسرائيلية إخفاءه، ليس بسبب تصفية سولومون فقط، لكن حادثة القتل هذه واحدة من تراكمات عنصرية يواجهها هؤلاء الإثيوبيين الذين تسلموا جثة يهودا بيادجا منذ ستة أشهر، والآن يتسلمون جثة سولومون طاقا لدفنه، واعتادوا على دفن آمالهم في المساواة بينهم وبين الإسرائيليين البيض. 

رد فعل الشرطة

وُوجِه رجال الشرطة الإسرائيلية بهجوم "معتاد" من الحريديم، ولم يخرج رد فعلهم عن اعتقال مؤقت لبضع محتجين ممن نعتوا الشرطة بأوصاف عنصرية واستخدموا كل ما استطاعت أيديهم الوصول إليه لإصابة قوات الشرطة مع قطع الطرق والتخريب المتعمد، بينما على الجانب الآخر تحدث بيان الشرطة الإسرائيلية عن مئات الإصابات بين القوات المكلفة بمواجهة غضب المحتجين من أصول إثيوبيا، مع تهديدهم ومواجهتم بقنابل صوتية ووسائل كبح عنيفة، ولم تتأخر وسائل الإعلام عن نقل صور "التخريب" الذي أحدثه هؤلاء المحتجون.


ابحث عن الظهير السياسي

الحريديم ممن يرتدون البزات السوداء، يدركون جيدًا أن ثمة رجل شرطة في إسرائيل لا يجرؤ على توجيه سلاحه نحوهم، هؤلاء المتشددون يستندون إلى ظهير سياسي قوي، قوي إلى حد تهديد رئيس الحكومة نفسه، قوي إلى حد التجرؤ اغتيال رئيس وزراء إسرائيلي (يتسحاق رابين) دون أن يستل رجل أمن سلاحه ويوجهه إليهم.

أما هؤلاء من ذوي البشرة السمراء، فقراء الإسرائيليين، الذين ينحدرون من إثيوبيا، ويُطلق عليهم يهود الفلاشا، أو بيتا يسرائيل (بيت إسرائيل)، والآن تسميهم دوائر الإعلام والسياسة بـ يسراإثيوبيم (إسرائيليين إثيوبيين)؛ لا يملكون هذا الظهير السياسي القوي، ليس لديهم سوى قادة ضعاف يتنازعون سلطة دينية خاوية لم تنتزع اعترافا بها سوى العام الماضي.  

يتعرض هؤلاء لمعاملة غير آدمية في أقسام الشرطة الإسرائيلية لمجرد الاشتباه بهم، وينجرون إلى المعتقلات على خلفية جرائم صغيرة، فيما يهاجم الحريديم قوات الشرطة ويهددون الإسرائيليين العلمانيين كل يوم، تهديدا لفظيا أو بهجوم احتجاجي يقطع الطرق ويصيب المجتمع الإسرائيلي بالذعر، مثلما يصاب بالصمت على هذه الأفعال الحريدية.


تاريخ من التميز العنصري

في بيانه العام؛ قال بنيامين نتنياهو إنه يعترف بوجود "تقصير" في حق الأقلية الإثيوبية في إسرائيل، حيث تواجه مشكلات، لكن الواقع يؤكد أنها ليست مجرد "مشكلات"، لكنها تمميز عنصري متعمد وممنهج من اليهود الإشكناز تحديدا، فقد لاقى أفراد الفلاشا معاملة عنصرية طيلة الوقت، منذ نُقلوا إلى إسرائيل في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، في إطار عمليتين نفذهما الموساد الإسرائيلي، الأولى هي عملية موشيه (موسى) عام 1984، والثانية عملية شلومو (سليمان) عام 1991.

دخل معظم يهود الفلاشا إلى إسرائيل بحقيبة ملابس فقط، كانوا يحلمون بواقع مخالف لواقعهم في إثيوبيا، لكنهم واجهوا في إسرائيل عنصرية صعبت عليهم الاندماج في المجتمع بشكل طبيعي، وإلى الآن يواجه الإسراإثيوبيم تمييزا عنصريا في مدارات التعليم والاتصالات والرياضة الإسرائيلية، ناهيك عن الانطباع الثابت عنهم لدى قوات الشرطة الإسرائيلية بأنهم مجموعة من اللصوص والمدمنين وقاطعي الطرق.

المسألة برمتها إذا تخضع لقواعد السياسة، ينتصر الطرف الأكثر حضورا في المشهد السياسي، منذ ما قبل قيام إسرائيل يعاني اليهود من أصول شرقية عنصرية من الإشكناز الذين يمتلكون زمام الأمور، وانضم يهود الفلاشا إلى السفارديم في تلقي التمييز العنصري، بل إن يهود إثيوبيا قد عانوا تمييزا دينيا وصل إلى حد عدم الاعتراف بيهوديتهم حتى وقت قصير، في الوقت الذي تتعاظم فيه قوة الأحزاب الدينية الحريدية، وتمنح دعما سياسيا واجتماعيا غير محدود لجمهورها المتشدد الذي يسحب إسرائيل برمتها تحت مظلة "التديين"، في مسعى لتأطير "الدولة اليهودية الدينية".


رغم هذه الأحداث العاصفة؛ فلم تهدأ وتيرة الترتيبات الانتخابية، استعدادا لتكرار انتخابات الكنيست في سبتمبر المقبل، وحتى ذلك الحين ينتظر الإسرائيليون الإثيوبيون فرصة للاندماج في المجتمع الإسرائيلي، لكن من غير المتوقع أن تسنح لهم عما قريب، في مجتمع قائم على الاحتلال العنصري، ففي الوقت الذي وقف فيه الدروز خلف السلطة الإسرائيلية وجهت إليهم الأخيرة طعنة "قانون القومية" الذي يمحي وجودهم، ولم تفض احتجاجاتهم إلى شيء حتى الآن، فما الذي يمكن أن تفضي عنه احتجاجات يهود الفلاشا بعد استعمالهم فقط كعدد مُكمل للجمهور الإسرائيلي وليس الاعتراف بهم داخل هذا النسيج المتنافر من العرقيات. 


اضف تعليق