الجيش الجزائري ومهمته الوطنية التاريخية


١٥ يوليه ٢٠١٩ - ١٠:٤١ ص بتوقيت جرينيتش

بقلم - د. عقيلة دبيشي

كثيرًا ما يشير المعنيون بالعلوم السياسية والعسكرية إلى أنّ الدُّول عادة ما تنشئ جيوشًا من أجل حمايتها، ما عدا الجزائر التي كان الجيش فيها سابقًا لإنشاء الدولة نفسها، فكلاهما -الدولة والجيش- خرج إلى الضوء في خضمّ المهمة الوطنية للحرب التحريريّة (1954- 1962) ضد الاستعمار الفرنسيّ. ولهذا السبب اكتسب الشرعيّة التاريخية بوصفه الوريث الوطني لجيش التحرير الوطني الذي قاد الكفاح المسلح ضد الاستعمار.

ولعل ما ورد في الدستور الجزائري خير دليل على المهمة الوطنية التي يؤديها الآن، حيث ورد في  الديباجة: إن "الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني يتولى مهامه الدستورية بروح الالتزام المثالي والاستعداد البطولي للتضحية كلما تطلّب الواجب الوطني منه ذلك".

وتؤكد الديباجة أن "الشعب الجزائري يعتز بجيشه ويدين له بالعرفان على ما بذله في سبيل الحفاظ على البلاد..".

في اعتقادي أن هاتين الفقرتين كفيلتان بوضع الأمور في نصابها، فبالاضافة لما فيهما من مدحٍ وتبجيل للمؤسسة العسكرية الوطنية تؤكدان على مهمته الوطنية العليا، وأظن أن ما تمر به الجمهورية الجزائرية الآن هو من صميم وواجب الجيش الوطني.

وإذا تابعنا المادة 28 من الدستور ستتضح الأمور بصورة أكبر، تقول المادة: "تنتظم الطاقة الدفاعية للأمة، ودعمها، وتطويرها، حول الجيش الوطني الشعبي"، وتشير المادة ذاتها إلى أن الجيش "يضطلع بالدفاع عن وحدة البلاد، وسلامتها الترابية، وحماية مجالها البري والجوي، ومختلف مناطق أملاكها البحرية".

إذن -وبلغة المواد الدستورية- فالجيش هو المؤسسة التي تتكفل بحماية الوطن، سواء كان ذلك في الرخاء أم في أوقات الأزمات، وهذا يعني أنه الأقرب للشعب وتطلعاته، بوصفه مؤسسة وطنية سيادية، لا يُقَوّم بالشخصيات -مع كامل الاحترام لهم ولتضحياتهم- لكن الاستقلالية تقتضي أن يكون الجيش أعلى من كل شخص، ولعل هذا هو الأمر الذي جعل الجيش الجزائري متفردًا في هذه الصفة الحميدة دون أغلب جيوش المنطقة.

ولذلك تعامل الجيش الجزائري مع الحراك الوطني ومطالبه المشروعة تعاملًا حكيمًا أذهل المراقبين السياسيين، ومن كان يعتقد أن الجيش سينجرّ لأساليب القمع التي اعتادت جيوش بعض الدول على ممارستها وقت الأزمات. وخير دليل على ذلك هو الأسلوب الحضاري الذي يتبعه أفراد الجيش في ساحات تجمع المواطنين ومدى التلاحم الوطني الواضح والتعاون بين أفراد المؤسسة العسكرية والمواطنين.

إن ما يمكن تسميته (بهندسة الجيش) لخارطة ما بعد الرئيس بوتفليقة، بناء على التجارب الحاصلة في بعض الدول، واستماتة الجيش في الدفاع عن النظام القائم هناك، يبدو أن هذه الهندسة الحكيمة أسقطت التخمينات التي كان يتوقعها المحللون والمراقبون السياسيون؛ فإن المقاربة الفعلية للحالات السابقة والحالة الجزائرية تدحض إسقاط نموذج تعامل جيوش الدول المشار إليها مع ما قام به الجيش الجزائري، لأن منطلقات الطرح الذي جاءت به قيادة الجيش في الجزائر بتفعيل المادة 102 من الدستور، وتفعيل مبدأ شغور منصب رئيس الجمهورية، واستدراكها فيما بعد بتفعيل المادتين 7 و8 من الدستور، واللتين تنصان في مضمونهما على أن (الشعب هو مصدر كل سُلطة)، قرار يفسره بعض المختصين الموضوعيين على أنه تأكيد من الجيش على ممارسة مساره الوطني الحقيقي، والوصول بالبلاد دومًا إلى بر الأمان والازدهار.
 


اضف تعليق