في الذكرى الثالثة للانقلاب.. السلطان على فوهة بركان


١٥ يوليه ٢٠١٩ - ١١:١٣ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

في مساء يوم 15 يوليو 2016، فوجئ سكان تركيا وتحديدًا مشاهدي قناة "تي آر تي" الحكومية، ببيان يعلن الانقلاب على الرئيس رجب طيب أردوغان والسيطرة على مقاليد الحكم من قبل مجلس يتكون من قيادات بالجيش، وإعلان حالة الطوارئ بالبلاد وغلق جميع المطارات ونشر المدرعات والدبابات على الطرق الرئيسية بالعاصمة، إلا أن كل هذه المشاهد تحولت مع شروق شمس اليوم التالي حيث أعلن أردوغان إحباط محاولة الانقلاب "الفاشلة".

محاولة الانقلاب "الفاشلة" يعتبرها الكثيرون من معارضي أردوغان محاولة "مصطنعة" جاءت لتعزيز قبضة السلطان على مقاليد الحكم عبر عدة خطوات تبعتها أبرزها تصفية الخصوم وتعديل الدستور، فبعد نحو 5 أيام من هذه الإعلان عن الانقلاب أعلن أردوغان حالة الطوارئ في البلاد وشن حملة تطهير متهما رجل الدين فتح الله غولن بالوقوف وراء المحاولة "الفاشلة"، وقام باعتقال وتسريح عشرات الآلاف من القوات المسلحة، و"الشرطة"، ووزارة "التعليم" وغيرها من المؤسسات العامة.

بعد أشهر قليلة من الانقلاب أجرت حكومة أردوغان استفتاء على تعديلات دستورية تحول النظام البرلماني للبلاد إلى رئاسي، وتمنح الرئيس صلاحيات واسعة أبرزها تعيين الوزراء وكبار الموظفين وأعضاء بالمجلس الأعلى للقضاة والجيش، وبعد انتخابات رئاسية مبكرة حول أردوغان هذه الصلاحيات إلى واقع مع حلول صيف 2018، ولم ينس منح نفسه كافة الصلاحيات الخاصة بقرارات الإقالة من الجيش والترقيات، ومكافأة أحد رجاله المخلصين وهو رئيس أركان الجيش خلوصي أكار بتعيينه وزيرا للدفاع، وسنأتي على ذكره لاحقا.

أمور لم تكن في الحسبان
اليوم تحيي تركيا ذكرى محاولة الانقلاب، لكن في وضع ربما ليس كما تصوره أردوغان قبل ثلاثة أعوام من الآن، على الصعيد السياسي حزبه بدأ يفقد الزخم في الشارع، ولعل أكبر دليل على ذلك نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة وتحديدا في أحد معاقله الأصيلة أسطنبول، حيث فاز مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، في حدث دفع أردوغان للحديث ربما لأول مرة عن حاجة حزبه "العدالة والتنمية" للاصلاح، وذلك بعد أن امتد حكمه لإسطنبول لنحو 25 عاما.

أما داخل حزب أردوغان فالوضع يشبه البركان الخامل، فهناك تيارات تعارض نهج أردوغان سياسيا واقتصاديا وتتنافس فيما بينها وبين فريق صهر الرئيس بيرات البيرق على السلطة، ومنذ أيام فاجأ وزير المالية السابق علي باباجان الجميع بإعلان استقالته، تمهيدا لتأسيس حزب جديد، فيما تحدثت أوساط عن اعتزام رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو أيضا تأسيس حزب جديد ربما يرى النور العام المقبل، والمعروف أن الشخصيتين لديهما ثقل لدى جمهور "العدالة والتنمية"، بل يتمتعان بسمعة طيبة في الأوساط الدولية.

اقتصاديا، سجل اقتصاد البلاد ولأول مرة منذ 10 سنوات العام الماضي تراجعًا بنحو 2.5%، وخسرت الليرة التركية نحو 30% من قيمتها في 2018 وما زالت تتأرجح، فيما ارتفعت معدلات تضخم إلى أكثر من 26.8 %، مقابل معدلات بطالة بنحو 26.7 % بين الشباب وفقًا لبيانات يناير، هذه الأوضاع مرشحة لمزيد من الضبابية وسط تخطيط أمريكي لفرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها منظومة صواريخ إس 400 الروسية.

محاولات لتوظيف الانقلاب سياسيا
أمام كل ذلك لا يزال نظام أردوغان يحاول الاستفادة حتى آخر رمق من ذكرى الانقلاب، فأخيرا أعدت لجنة تابعة للرئاسة كتابا بعنوان "تلك الليلة في المجلس المصاب" يتحدث عن محاولة انقلاب 15 يوليو ويصور أردوغان وكأنه البطل الوحيد الذي نجح في التصدي للمحاولة، بشكل ينكر دور المعارضة والشعب، وبحسب صحيفة "الزمان" أثار الكتاب موجة غضب فور توزيعه على نواب البرلمان حتى بين نواب العدالة والتنمية أنفسهم.

وقال نائب رئيس تكتل نواب "العدالة والتنمية" ناجي بوستانجي: نحن لا نوافق على هذا الكتاب ولا نقبله، فيما أكد نائب رئيس تكتل نواب حزب الشعب الجمهوري المعارض أوزجور أوزال، أنه الكتاب ناقص ولا يمكن الموافقة عليه بأي حال من الأحوال، قائلا: الكتاب يتحدث عن أن حزب العدالة والتنمية وأردوغان هم فقط من وقفوا في وجه الانقلاب، متغافلاً عن دور الشعب.

وصباح اليوم نشرت وكالة الأنباء الرسمية "الأناضول" مشاهد تعرض للمرة الأولى عن محاولة الانقلاب، تتضمن مقطعا يظهر عملية قطع جسر "15 يوليو" أو كما كان يسمى سابقا "البوسفور" الواصل بين شطري مدينة إسطنول.

فيما أصدرت القنصلية التركية في أربيل بيانا يغذي نعرات التخوين والمؤامرة جاء فيه: في ليلة الخامس عشر من  تموز سنة 2016، قام الشعب التركي بمنع المحاولة الانقلابية الغادرة التي اُعدت من قبل منظمة إرهابية، حيث اُستشهد في هذه العملية 251 مواطناً وجرح أكثر من 2000 آخرين.. لقد أثبت الشعب التركي أنه على قلب رجل واحد ويد واحدة ضد المتآمرين الخونة وقوى الظلام.

بالعودة إلى دور خلوصي آكار، نشر الصحفي عبد الله بوزكورت في موقع "نورديك مونيتور" السويدي أخيرا، وثيقة  مسربة من رئاسة أركان الجيش التركي تثبت تورط أكار في محاولة الانقلاب، إذ يظهر توقيعه على وثائق معدة مسبقًا من أجل إرسالها إلى الوزارات والوحدات العسكرية في الساعات الأولى للانقلاب، ويحمل لقب "رئيس مجلس الصلح والسلام في الوطن"، وهو الاسم الذي أطلقه الانقلابيون على مجلسهم الانقلابي.

وأوضح بوزكورت أنه تمت محاكمة 20 عسكريًّا كانوا أعضاءً في ذلك المجلس، بينما لم يتم فتح أي تحقيقات في حق أكار، وتم الاكتفاء بسماع شهادته في جلسة مغلقة أمام المحكمة، على الرغم من أن جميع العسكريين المتهمين أكدوا أثناء الإدلاء بإفاداتهم أن أمر الانقلاب صدر من قادتهم، فيما فجّر ضابط الصف عبد الله أردوغان - حارس أكار- ، مفاجأة عندما قال للمحكمة إن رئيس الأركان كان على علم بما حدث ليلة الانقلاب ولم يتم احتجازه كما زعم في قاعدة أكينجي العسكرية.

سواء كانت "محاولة انقلاب الـ15 من يوليو" فاشلة أو مدبرة أو مسرحية سياسية، تبقى حقيقة واحدة هي أن تركيا الآن تقف على فوهة بركان من الغضب الشعبي قابل للثورة في أي وقت، لا سيما مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد فبحسب مؤشر بلومبرج للبؤس الاقتصادي لهذا العام، تركيا وصلت إلى ذروة البؤس الاقتصادي بتسجيلها معدلات تضخم وبطالة متقاربة عند مستويات 26.7% و26.8%، مع توقعات بأن يصل التضخم إلى 30%، وبأن يتدهور وضع العملة المحلية أكثر أيضا لتفقد خلال الأيام المقبلة المزيد من قيمتها، فضلا عن  تراجع الوضع الائتماني لتركيا والجاذبية الاستثمارية لها، مع قرب فرض سلسلة من العقوبات الأمريكية.
 







 

اضف تعليق