وسط مساع فرنسية للحوار .. طهران تصر على التفاوض في إطار الاتفاق النووي


١٧ يوليه ٢٠١٩ - ١٢:٠١ م بتوقيت جرينيتش

رؤية

انسحب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران في مايو/أيار 2018. وقال إن طهران لم تبذل ما يكفي من الجهد للحد من برنامجها النووي. وأضاف أنه يود استبداله باتفاق جديد يحد أيضا من البرنامج الصاروخي للبلاد.

وأمس الثلاثاء، اعتبر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أنه تم إحراز تقدم كبير في إطار قضية إيران، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام في الجمهورية الإسلامية.

وقال ترامب: "لقد تم التوصل إلى تقدم كبير، سيريدون التحدث، وسنرى ما سيحدث ولكن تم إنجاز تقدم كبير".

وأضاف الرئيس الأمريكي قائلا: "نريد أن نساعدهم، وسنكون جيدين معهم، سنساعدهم بشتى الطرق، لكن لا يمكنهم الحصول على سلاح نووي".

وفي سياق متصل، شدد الرئيس الأمريكي أن على إيران "الخروج من اليمن"، الذي يمر بحرب مستمرة بين الحوثيين المدعومين إيرانيا والحكومة المعترف بها دوليا المؤيدة من قبل التحالف العربي بقيادة السعودية.

وقد ذكر وزير الخارجية الأمريكية، مايك بومبيو، أن طهران منفتحة على المفاوضات بشأن برنامج الصواريخ الباليسيتة.

وتابع قائلا: "ستكون لدينا الفرص من أجل التفاوض حول اتفاق جديد من شانه منع إيران حقا من الحصول على سلاح نووي".

ظريف في نيويورك

تأتي تصريحات ترامب، في وقت يزور فيه وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف نيويورك؛ لحضور اجتماعات في الأمم المتحدة. في وقت فرض فيه نظيره الأمريكي، قيودًا على تنقل ظریف في نيويورك، وقال أيضًا إنه عندما لا يستطيع الدبلوماسيون الأمريكيون التنقل في طهران، فلن يستطيع محمد جواد ظريف التجول في نيويورك.

وفي مقابلة مع شبكة "إن بي سي نيوز" بثت مساء الإثنين الماضي، قال ظريف، إن برنامج بلاده للصواريخ الباليستية قد يطرح على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة - إذا توقفت واشنطن عن بيع الأسلحة إلى حلفائها الخليجيين في الشرق الأوسط.

ورغم أن تصريح ظريف هنا يبدو انه مشروطًا وتعجيزيًا؛ لكن هذه المرة الأولى التي يتطرق فيها مسؤول إيراني لهذا الملف. ولطالما شددت إيران على أن برنامج الصواريخ الباليستية، الخاضع لسيطرة الحرس الثوري، مخصص لأغراض دفاعية فقط.

ولم يتضمن الاتفاق النووي المبرم عام 2015 برنامج الصواريخ الباليستية.

وقد غرَّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، مشيرًا إلى هذا الموضوع، على "تويتر"، وقال: "إن رد ظريف على صحافي (إن بي سي، الذي أجرى الحوار معه) كان دقيقًا وذكيًا، إذ إنه رمى الكرة في ساحة أمريكا، فضلا عن أنه بدلا من اتخاذ الموقف الدفاعي قد أثار التحدي أمام موضوع بيع أميركا الأسلحة لدول المنطقة".

وكان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، قد أعلن الأحد 14 يوليو، عن استعداد بلاده للتفاوض مع أمريكا، إذا تم رفع العقوبات.

غير قابل للتفاوض

وفي بيان مضاد لتصريحات الوزيرين ظريف وبمبيو؛ قالت الممثلية الإيرانية لدى الأمم المتحدة، مساء الثلاثاء 16 يوليو: "إن الصواريخ الإيرانية غير قابلة للتفاوض إطلاقًا مع أي أحد وأي دولة وفي أي وقت كان".

وتقول إيران إن هذا الجزء من مقابلة ظريف مع شبكة "إن بي سي" لم يتم نقله بالكامل وأدى إلى مواقف فارغة من المسؤولين الأميركيين.

كما أكد محمود واعظي، رئيس مكتب الرئيس الإيراني، مجددا أن بلاده لا تزال غير مستعدة للتفاوض حول قدراتها الدفاعية مع استمرار الضغوط الأمريكية على إيران لحملها على وقف تطوير صواريخها الباليستية ونشاطها النووي.

دور أوروبي

في 6 يوليو الماضي، اتفقت فرنسا وطهران على بحث الشروط اللازمة لاستئناف الحوار بشأن الاتفاق النووي.

وقبلها في الخامس من إبريل الماضي، كشف النائب الإيراني، جواد كريمي قدوسي، عن أن وزارة الخارجية تقوم حاليًا بإجراء مفاوضات سرية حول البرنامج الصاروخي، بهدف تجنب توجيه ضربة عسكرية لإيران.

ويوم الأحد الماضي 14 يوليو، أصدر قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا بيانا مشتركا دعوا فيه إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني وسط تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن.

ويوم الإثنين 15 يوليو، قالت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني، في نهاية اجتماع وزراء خارجية الاتحاد، إن جميع الأطراف لا يعتقدون أن الإجراءات الأخيرة التي قامت بها إيران تشكل انتهاكًا خطيرًا للاتفاق النووي.

وفي إصرار على التفاوض، دعا السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي، غوردن ساندلند، الاثنين 15 يوليو، ممثلي الحكومات المشاركة في اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل، دعا هذه الدول إلى "تشديد" موقفها تجاه إيران وإعادتها إلى طاولة المفاوضات.

وقال الدبلوماسي الأمريكي إن المحادثات يجب أن تغطي جميع أنشطة إيران، بما في ذلك البرنامج الصاروخي الإيراني، والتآمر في أوروبا، والعنف في الشرق الأوسط، ولعب دور رئيسي في دعم الإرهاب.

إمكانية التفاوض

يقول المحلل الإيراني، حسين علي زاده، انه في إطار سياسة "لا حرب ولا تفاوض"، قال المرشد الإيراني علي خامنئي: "على الأمريكيين أن لا يقتربوا"، وعلى الرغم من ذلك فإن الشواهد التاريخية تفيد بأن طهران وواشنطن تفاوضتا سرًا، كلما اقتضت الضرورة، وليس أدل على ذلك من سنة التفاوض السري بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، بداية من رحلة مك فارلين السرية لطهران، مرورًا بمساعدة إيران في الحرب الأمريكية على طالبان، ثم الهجوم الأميرکي علی عراق صدام، وكذلك المحادثات النووية السرية في عمان نهاية فترة حكم أحمدي نجاد؛ بضوء أخضر من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، قطعًا.

لذلك، فإن قضیة المفاوضات مع حكومة ترامب غیر مستبعدة، خاصة وأن طهران رصدت بوضوح المفاوضات العلنیة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، وشهدت أن هذه البلاد أوقفت "قطار العقوبات" الأمريکي تقريبًا، دون إعطاء أي نقاط مهمة، وفقط مقابل بضع صور تذكاریة في التاريخ، فلماذا لا تفعل طهران مثل ذلك؟.

ويصر المحافظون في إيران على عدم تخطي الاتفاق النووي، وأن المفاوضات مع واشنطن لا يجب أن تتخطى الاتفاق النووي الذي لا يشمل المسألة الصاروخية. وهو ما أشارت له صحيفة جوان المقربة من الحرس الثوري، والتي اعتبرت المساعي والوساطة الفرنسية تهدف إلى تخطي الاتفاق النووي إلى إتفاق جديد يشمل المسألة الصاروخية.

وساطة فرنسية

وقد أعلنت مصادر إعلامية، الأحد الماضي، أن الرئيس الفرنسي "سيسافر إلى طهران قريبًا لإنقاذ الاتفاق النووي، والحد من التوتر بين الولايات المتحدة وإيران".

يأتي هذا في حين أنه في الأسبوع الماضي، عقب زيارة إيمانويل بون، المستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي، إلى طهران، والالتقاء مع روحاني، وظريف، وشمخاني، قال وزير الخارجية الإيراني إنه اقترح "تجنب زيادة التوترات".

وبعد عودة إيمانويل بون من طهران، أكدت وسائل الإعلام الفرنسية أن "مهمة مستشار ماكرون كانت سرية".

وحول تلك الزيارة المحتملة، يستطرد الإيراني علي زاده في تحليله: منذ بداية الجولة الجديدة من الجدل بين طهران وواشنطن، خاصةً منذ قرار إيران بتقليص التزاماتها في إطار الاتفاق النووي، والذي أثار كثيرًا من القلق علی مستوی العالم، ظهرت حتی الآن كثير من "الوساطات" بين إيران والولايات المتحدة، وکان أهمها زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إلى طهران، يوم 12 يونيو عام 2019، والتي لم تسفر عن شيء تقريبًا.

ربما كان سبب فشل شينزو آبي هو أنه كان مجرد "مبعوث" من قبل ترامب، أكثر من كونه وسیطًا مبدعًا ومبتکرًا.

بعد آبي، وفي أحدث المحاولات، نشط الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وأرسل مبعوثه الخاص إلى طهران. ومن المفترض أیضًا أن يزور إيران بنفسه.

في الخطوة الأولى من نموذج وساطته، سيحاول ماكرون وقف التوترات بين إيران والولايات المتحدة، حتى لا يزيد مستوى التوتر. ووفقًا للنتائج، فإن اقتراحه هو "الوقف مقابل الوقف"، بمعنى أن الولايات المتحدة ستجمد مؤقتًا بعض العقوبات على الأقل لفترة قصيرة من الزمن، خاصة في صناعة النفط والبنوك، وفي المقابل، ستتوقف إيران عن خفض التزاماتها النوویة.

ومع افتراض نجاح فرنسا (بدعم من الاتحاد الأوروبي) في هذه الخطوة، فإن المشكلة تكمن في أن دول العالم تعرف أن وقف التوترات يمكن أن يكون مؤقتًا وهشًا. مما یُحتم اتخاذ الخطوة الثانية. وفي هذه الخطوة الثانية، تسعى فرنسا لإقامة حوار بين طهران وواشنطن.

نموذج أمريكا للتفاوض مع إيران لا يخفی علی أحد، حيث تبحث واشنطن عن محادثات مباشرة وثنائية مع إيران، في حين أن النموذج الإيراني (الذي لم ترشح عنه سوی بعض الإشارات فقط) هو التفاوض في إطار 5 1.

ونظرًا لأن الولايات المتحدة قد خرجت فعليًا من الاتفاق النووي ولم تعد جزءًا من هذا الاتفاق، فإذا قبلت حکومة ترامب بالتفاوض مع إيران في إطار هذا الاتفاق، إلی جانب الأعضاء الآخرين، فإنه سیكون في الحقيقة نجاحًا لسياسة إيران الخارجية، حيث إن الولايات المتحدة رأت "الصفقة سيئة"، وتركتها، وها هي تعود إليها اليوم.

وفق هذه القراءة، وبافتراض أن وساطة فرنسا لها حظ من النجاح، وبافتراض أن إيران لن ترفض التفاوض مع الولايات المتحدة، کما في الماضي، وإذا كانت المحادثات بين البلدين ستتم، فإن السؤال هو: هل سيتفاوض البلدان في إطار 5 1، أم خارجه؟.


اضف تعليق