سيناريوهات مستقبل الجزائر بعد الحراك الأخير


١٨ يوليه ٢٠١٩ - ١٢:٥٢ م بتوقيت جرينيتش


بقلم – د. عقيلة دبيشي

تعتبر الجزائر من أكبر وأهم دول الشمال الأفريقي من حيث المساحة والحدود المشتركة مع أكثر من دولة مجاورة مما يثقل عليها العبء الأمني خاصة مع تزايد الأخطار والضعف المتزايد للدول المجاورة لها خاصة ليبيا وتونس، حيث إن ليبيا مرشحة لتكون وريثة الحالة السورية من داعش، وعليه فإن ليبيا ستكون هي الجهة المحتملة التي سيتم ترحيل المقاتلين الاجانب من المتطرفين في سوريا إليها.

الدولة التونسية دولة هشة أمنيًا وبالتالي فهي ستكون بالأغلب الممر الذي سيستغل للتوغل في الدولة الجزائرية، خاصة وأن المطلوب حقيقة في الشمال الأفريقي هو رأس الدولة الجزائرية.

في الوقت الذي تماطل فيه الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية في الجزائر لاستيعاب وامتصاص وإعادة السيطرة على الحالة الشعبية، فإن الوقت أيضا تستفيد منه الحالة المضادة والمقصود بها الجهات التي تحاول إحياء خلاياها الجهادية النائمة، حيث تستفيد من حالة الغليان والنشوة السياسية في تثبيت أقدامها من خلال المزيد من التجنيد ونشر فكرها في المجتمع الجزائري والذي لا يخفى على الباحثين تزايد التدين والاتجاه المحافظ بين المواطنين الجزائريين.

في الوقت الذي تتمتع به الدولة الجزائرية بجيش وطني متماسك وقوي ويحظى على ثقة مواطنيه، فبالمقابل لا تحظى مؤسسات الدولة الأخرى بمثل هذه الثقة، وبالتالي فإنه إذا استطاع الجيش أن يضبط الحدود فإن مؤسسات الدولة التي لا تحظى بالثقة لن تستطيع التصدي للفكر المتطرف الذي يحاول جاهدا ومدعوما من الكثير من أجهزة المخابرات العالمية من اختراق الثقافة والفكر للمواطنين وخاصة أن بيئة التطرف لها مقوماتها في الجزائر حيث الخوف والفشل والهزيمة وهي أهم ثلاثة أسباب تدفع البشر للتطرف موجودة في الجزائر حيث إن حالة الفساد والبطالة تدفع الشباب للإحساس بالفشل وبالتالي يتبعها حالة الخوف من المستقبل ومن المجهول في ظل الواقع المتردي، وحالة الهزيمة العامة التي يشعر بها المواطن العربي بشكل عام، هذه الأسباب الثلاث تجد لها حاضنة في الجزائر.

نقاط القوة والضعف

نقاط القوة: الشعب الجزائري ذو هوية راسخة ومتجذرة ومتمسك بوحدة دولته ومتماسك مع جيشه، ويسعى لبناء دولة المواطنة ودولة الشفافية والعدالة والنزاهة.

نقاط الضعف: الشعب الجزائري لديه مكون عنف عالٍ وبالتالي من الممكن أن يتم استغلال الحالة الرخوة لمزيد من التسلل للفكر المتطرف لتدمير الدولة الجزائرية في ظل عدم الثقة بالمؤسسات المدنية للدولة وفي ظل غياب شخصية مدنية ملهمة للشعب الجزائري قادرة على تأسيس الجمهورية الجديدة استنادا لعقد اجتماعي قادر على تجديد الدولة، وبالتالي سيسعى خصوم الجزائر إلى تطبيق وتمرير المعادلة التي مُررت على معظم دول الربيع وهي حصر الحالة السياسية بين طرفين قويين وهما الحالة الإسلامية والمؤسسة العسكرية خاصة مع ضعف ونرجسية الحالة الوطنية أو اليسارية أو القومية في البلدان العربية.

الحالة الفتية للمجتمع الجزائر بمعنى ارتفاع نسبة الشباب هي سيف ذو حدين بمعنى أن هذه الحالة ستكون مقتل للدولة والمجتمع في حالة لم يتم استيعابها وخلق مساحات سياسية لها للتمثيل والمشاركة السياسية الفاعلة في عمليات صنع القرار، وفي حال تم تهميشها فإن المكونات والكيانات المتطرفة جاهزة وبكل مقدراتها لاستيعابها واستغلالها.

الفرص والتهديدات

الفرص: أمام الدولة الجزائرية فرصة حقيقية لخلق نموذج ديمقراطي حقيقي يستند لدولة المواطنة واستيعاب كافة مكوناتها الثقافية والعرقية ويؤهلها للاستفادة الاقتصادية وللعب دور قيادي على المستوى الأفريقي في ظل الصراعات المستقبلية على أفريقيا والذي سيشتد في المستقبل القريب بين كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية وما سيترتب عليه من ضعف وتقلص لدور القارة الأوربية في ظل هذا الصراع (يمكن التطرق له باستفاضة في موقف آخر).

التهديدات: في ظل المماطلة التي تمارسها المؤسسات الجزائرية في ايجاد حلول وتأسيس عقد اجتماعي جديد للدولة الجزائرية، فإن الطرف المقابل سوف يستفيد أيضا ويحقق انجازات على مستوى تزايد التطرف، وبالتالي فإن الحل العسكري والأمني لن يكون مفيدا وسيقتل المستقبل الجزائري ويدخل الجزائر في الدوامة التي دخلت بها دول الربيع، كسب الوقت في التوصل إلى تسوية سياسية ومجتمعية على أساس إشراك جميع المكونات السياسية في عمليات صناعة القرار هي الحل المناسب، وضرورة تخلي المعارضة الجزائرية عن الطمع السياسي الوهمي الذي يجعلها تتمسك بمطالب متزايدة مع كل تقديم لتنازل من الدولة العميقة، هذا من شأنه أن يزعزع الثقة التي هي بالأصل غائبة بين المكونات السياسية في المجتمع الجزائري.

عمليات بناء الثقة بين مكونات المجتمع الجزائري السياسية والاجتماعية هي الوسيلة الوحيدة لنجاح المرحلة الانتقالية في الجزائر، بناء الثقة تستند إلى تقدير كل طرف لمخاوف الطرف الآخر واحتياجاته، بالاضافة إلى خلق توليفة سياسية خاصة للبرلمان الجزائري تعزز حضور الشباب والنساء وكافة المكونات المجتمعية، وإلا ستتكرر التجربة التونسية والمصرية في فوز التيارات الإسلامية في ظل عدم ثقة الجمهور في التيارات الوطنية التي حكمت في الماضي وفي ظل عدم تماسك التيارات الوطنية والقومية واليسارية مما سيدخل الدولة في تناقضات ستكون المدخل لتدخلات خارجية.
 


اضف تعليق