على أعتاب "الخليل".. الاستيطان يلتهم إرث المدينة العتيقة


٢١ يوليه ٢٠١٩ - ١١:٠١ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - أسماء حمدي

على مر سنين الاحتلال الإسرائلي، تواصلَ الاستيطانُ رغم مخالفته لقرارات الشرعية الدولية، وتقلصت مساحة فلسطين التاريخية فلم يبق للفلسطينيين سوى 15% من الأراضي، وحتى الآن ما زال الخلاص من الاحتلال مجرد حلم، حيث أمعنت إسرائيل في سيطرتها على مساحات واسعة.

وتقول تقارير فلسطينية: إن الاحتلال عمل دون ضجيج خلال العامين الماضيين على توسيع المستوطنات، وذلك بتجميع البؤر الاستيطانية في كتل، فصادرت لهذا الغرض مزيد من الآراضي، كما صادرت مساحات أخرى تحت مسمى أراضي الدولة، بينما تركت الفلسطنيين في تجمعات معزولة وذات كثافة سكانية عالية.

وفي القدس يواصل الاحتلال الإسرائيلي مخططاته الاستيطانية وأطماعه التوسعية القديمة، والتي تعتبرها حكوماته المتعاقبة قلب مشروعها الاستيطاني، حيث صادقت المحكمة الإسرائيلية العليا، على بيع ثلاثة عقارات للكنيسة في البلدة القديمة لجمعية "عطيريت كوهانيم " الاستيطانية، بعد أن رفضت التماسا تقدمت به الكنيسة الأرثوذكسية، وتضم العقارات فندقين، ومبنى ضخم، في ميدان "عمر بن الخطاب"، في "باب الخليل".

عبر باب الخليل وعلى يسار المدخل الغربي الرئيسي للبلدة القديمة، يقع فندقا "البتراء" و"نيو إمبريال" اللذان شُيّدا منذ أكثر من قرن، لكنهما الآن سيستقبلان فقط جموع المستوطنين وأفراد جمعية "عطيرت كوهنيم".

ويضم فندق "إمبريال" 30 غرفة فندقية؛ أما فندق" البتراء" المجاور فيضم 12 غرفة فندقية، إضافة إلى مبنى ضخم مجاور، وهذا الرفض أنهي صراعا قضائيا استمر نحو 14 عاما بشأن بيع ممتلكات الكنيسة، بما يعتبر مكسبا للجمعية الاستيطانية التي تعزز مكانتها في "حارة النصارى" في البلدة العتيقة.

وتأتي مصادقة المحكمة العليا بعد رفضها استئناف الكنيسة اليونانية، التي قالت إن أفرادا منها سربوا العقارات دون إذن وعلم من الكنيسة، لتختم معركة قانونية حول تلك العقارات بدأت منذ 14 عاما.

ففي 2005 في عهد البطريرك إيرينيوس والذي جرت الصفقة في عهده والذي أقيل لاحقا واستلم مكانه البطريرك اليوناني ثيوفيولوس الثالث، فاحت رائحة تسريبات، وأشارت أصابع الاتهام وقتها إلى أمين الصندوق السابق في بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس نيكولاس باباديموس الذي أوكل إليه إيرينيوس جباية أموال العقارات، لكنه استغل منصبه في تسريبها إلى الجمعيات الاستيطانية.

وشملت الصفقة تأجير فندقي "البتراء" و"نيو إمبريال" وبيت في حي المعظمية قرب باب حطة لمدة 99 عاما، لصالح جمعية "عطيرت كوهنيم".

وبعد أن أيدت المحكمة العليا محاولة المستوطنين اليهود، يروي أبو الوليد الدجاني 75 عامًا، وهو الذي يدير فندق "إمبريال" في البلدة القديمة من القدس المحتلة، بمرارة وغضب ما آل إليه مصير الفندق الذي تديره عائلته منذ عام 1949 بموجب عقد إيجار وقّعته مع بطريركية الروم الأرثوذكس، المالك الأصلي لمبنى الفندق.

وفي حديث لصحيفة "الجارديان" البريطانية، يقول الدجاني: "إن المستوطنيين، يقومون باغتصاب "بوابة يافا"، ومن هذه اللحظة أبدأ قتال حياتي"، داعيا المسيحيين والمسلمين وقادة العالم، للوقوف معه ودعمه، مستغيثَا "سوف يخرجونني".

وحتى الآن قوبل نداؤه للحصول على الدعم الدولي بالصمت، لكن في وقت سابق من هذا الشهر، تظاهر القادة المسيحيون المحليون، المرعوبون من العواقب السياسية والدينية لاستيلاء المستوطنين  على مناطق داخل بوابة يافا.، بحسب "الصحيفة".

وانتقد رئيس الأساقفة ثيودوسيوس أتولاه، المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، قرار المحكمة العليا، قائلاً: إن عملية البيع كانت مزورة، لقد كانت الممتلكات المسيحية هدفًا منذ 70 عامًا، والأكثر خطورة إنها تهدف إلى تهميش النفوذ الفلسطيني وإضعاف الوجود المسيحي في البلدة القديمة.

"القدس مدينة مقدسة للأديان التوحيدية الثلاثة"، وتقول الصحيفة إن الغرض من هذه الخطوة هو تحويل المدينة إلى مكان للكراهية والنضال.

وقال مايكل سفارد، وهو محام إسرائيلي بارز في مجال حقوق الإنسان، إنه من الصعب الاعتقاد بأن قرار المحكمة العليا سيظل قائما، وأن السعر نفسه كان يجب أن يظهر أن هذا كان مشبوهًا، إنها تكلفة شقة بسريرين في تل أبيب.

قال دجاني، الذي تم الاتفاق على إيجاره المحمي قانونًا مع البطريرك اليوناني السابق على مدى ثلاثة أجيال: "الفندق لا يقدر بثمن، الأثاث وحده يساوي نصف مليون".

يضم الفندق مناطق واسعة لتناول الطعام وغرفًا للشاي وممرات مزينة بمنحوتات عثمانية مزخرفة وصور لضيوف مشهورين منهم القيصر فيلهلم الثاني الذي زار القدس في عام 1898، وأيضا توجد صورة لجنرال إدموند ألنبي الذين دخلوا بوابة يافا سيرا على الأقدام في ديسمبر 1917، بعد الفوز في معركة القدس وخاطب الحشود من شرفة الإمبراطورية.

يخشى الدجاني أن يسعى ممثلو المستوطنين إلى الدخول إلى الفندق في أي يوم، لقد كان يشاهد كاميراته الأمنية ويراقب النشاط المشبوه على مواقع حجز الفنادق، ويقول إنه علم أن "عملاء" الفندق المرتبطين بمجموعة المستوطنين أخذوا غرفًا في الفندق عبر Booking.com، وكانوا بالفعل داخل الفندق، لقد أغلق المطعم الموجود على السطح لمنع التوغلات من المباني المجاورة.

ودعا الدجاني مندوب الاتحاد الأوروبي في القدس لحجز غرف في الفندق لعضو كل دولة، كعرض للدعم ومنع الاستيلاء من قبل "ضيوف مزيفين"، لكنه لم يتلق أي رد، قائلا: "لم يأتوا حتى لتناول القهوة لإظهار الدعم".

منذ أن نقل دونالد ترامب السفارة الأمريكية إلى القدس في العام الماضي، اعترافًا بالمدينة كعاصمة لإسرائيل، تعثر الدبلوماسيون الأوروبيون، وأصبحوا غير قادرين على إظهار قيادة بديلة.

الجمعة الماضية، تلقى دجاني أنباء تفيد بأن نداء إلى الملك عبدالله عاهل الأردن قد يؤتي ثماره، من جهة أخرى تراجع مسؤول زائر من مكتب جيريمي كوربين بعد رسائل الدعم التي أرسلها إليهم.

كان دجاني سعيداً للغاية بدعم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي قيل إنه يتعرض لضغوط من المجتمع الأرثوذكسي الروسي للمطالبة بإلغاء البيع، وأدى ذلك إلى أن يحذر رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، الجنرال جيورا إيلاند، من أن مصادرة المستوطنين للممتلكات "قد تخلق أزمة للعلاقات بين إسرائيل والعالم المسيحي وتجلب علاقات سلبية مع الرئيس الروسي".

على الرغم من ذلك، عند النظر من سقف الإمبراطورية إلى قبة الصخرة والكنيسة والمواقع المقدسة الأخرى في المدينة، قال الديجاني: "علينا أن نفعل المستحيل، فعندما أنظر إلى الجدران المقابلة أراها تبكي وتتساءل: "أين الناس الذين يحبون القدس؟".



اضف تعليق