23 يوليو في حضرة القلم والتأريخ


٢٣ يوليه ٢٠١٩ - ٠٩:٠٢ ص بتوقيت جرينيتش

كتب – هالة عبدالرحمن
لم يكن الشعب المصري مؤيدًا بشكل كبير -وفق مذكرات الرئيس الراحل جمال عبدالناصر- لهذه الثورة في بداياتها، فيقول عبدالناصر، في مذكراته: "وأنا أشهد أنه مرت علي بعد يوم 23 يوليو نوبات اتهمت فيها نفسي وزملائي وباقي الجيش بالحماقة والجنون الذي صنعناه في 23 يوليو، لقد كنت أتصور قبل 23 يوليو أن الأمة كلها متحفزة ومتأهبة، ولا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور فتندفع الأمة وراءها صفوفًا متراصة منتظمة تزحف زحفًا مقدسًا إلى الهدف الكبير".


ويوضح عبدالناصر، أن هذا الخذلان كان له أسبابه الخاصة وهي انشغال المصريين بالصراع الداخلي بينهم وخاصة فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية: "لم أجد مصريًا يقول كلمة إنصاف في حق مصري آخر، وذهبنا لطلب النصيحة من أصحابها فلم نجد الكثير، واعترف أن هذه الحالة سببت لي أزمة نفسية كئيبة، ولكن التجارب فيما بعد وتأمل هذه التجارب واستخلاص معانيها الحقيقية خففت من وقع الأزمة في نفسي وجعلتني ألتمس لهذا كله أعذارًا من الواقع عثرت عليها حين اتضحت أمامي -إلى حد ما- الصورة الكاملة لحالة الوطن، وأكثر من هذا أعطتني الجواب عن السؤال الذي قلت إنه لطالما راودني وهو.. هل كان يجب أن نقوم نحن الجيش بالذي قمنا به في 23 يوليو؟.. والجواب نعم ولم يكن هناك مهرب أو مفر، وأنا الأن أستطيع أن أقول إننا نعيش في ثورتين وليست ثورة واحدة".

ويحكي الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، في مذكراته تحت عنوان "فلسفة الثورة" عن بدايات فكرة الثورة فيقول بعد الهزيمة الكبيرة في حرب فلسطين عام 1948: "إن اليوم الذي اكتشفت فيه بذور الثورة في نفسي أبعد من حادث 4 فبراير 1942 الذي كتبت بعده خطابات إلى صديق أخبره.. ما العمل بعد أن وقعت الواقعة وقبلناها مستسلمين خاضعين خانعين؟".


وفجرت ثورة يوليو أقلامًا عديدة ما بين مؤيد لها ومعارض لبعض ما جاء بها، حيث تقاربت الأقلام من التساوي برصدها، فإلى مقابل كتابات السباعي التي مجدت الثورة والحكيم الذي أيدها، جاءت على الصعيد الآخر كتابات محفوظ وأبرزها ثلاثيته، بين القصرين، قصر الشوق والسكرية، فضلا عن ميرامار وغيرها.

وبالعودة إلى كتاب "مقدمات ثورة 23 يوليو" للمؤرخ عبدالرحمن الرافعي صفحة 167 نرى كيف أن عجز الميزان التجاري لمصر سنة 1951 كان 39 مليون جنيه، ثم 72 مليون جنيه في عام 1952 قبل قيام الثورة، وفي كتابه "في أعقاب الثورة" صفحة 278 كشف: "أن ثروة البلاد في العام 1948 تقصر عن حاجة سكانها، وإنها تعد برغم ما عرف من رخائها من البلاد الفقيرة، هذا إلى جانب أن اقتصادياتها تخضع في كثير من مقوماتها للتبعية الأجنبية مما له دخل كبير في فقر الأهلين. وأبرز مظهر لهذا الفقر انخفاض مستوى المعيشة بين أهلها".


وقال نجيب محفوظ عن الزعيم الراحل: "إن عبدالناصر أكثر من أنصف الفقراء.. وما لم يستطع تحقيقه أعطاه لهم أملا لذلك فالناس لا تنساه أبدا، لأن الأمل لا يموت وربما كان هذا هو السبب الذي يجعل اسم عبدالناصر وصوره ترتفع في كل مظاهرة شعبية".

كان قلم محفوظ منصفا مع الثورة في الناحية الاجتماعية وما أثمرت من نجاحات على الصعيد الاجتماعي، وأبرزها قانون الإصلاح الزراعي، في الوقت نفسه أدان الثورة شر إدانة وظهر هذا في أعمال مثل السمان والخريف والطريق وثرثرة فوق النيل تلك الرواية الصادمة، والتي تسببت للأزمات بين محفوظ ومجلس قيادة الثورة الذي استشاط غضبا حتى وصلت الرواية على باب مكتب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، إذ إن محفوظ قد سطر بروايته نتائج تغول الدولة ومناخ الخوف والرعب. 


وتساءل توفيق الحكيم في كتابه "عودة الوعي": "أين كنا نحن المفكرون… وأين كنت أنا المحب للحرية… لم أشعر بضيق قط على العكس كنت مستبشرًا بقدوم هؤلاء الشبان مبهورًا بما قاموا به من طرد الملك، أما الحياة الدستورية التي ضاعت فلم نلتفت إلى خطورة ضياعها في ذلك الوقت؛ لأننا كنا خارجين من مرحلة فقد فيها الدستور قدسيته وأفسدت فيه الديموقراطية إفسادا جعل منها مطية للانتهازيين ووسيلة للمستوزرين، لذلك خفت علينا وطأة دستورنا الضائع. فالمبادئ ليست بذات قيمة في نظري بغير الأشخاص الذين يطبقونها بإخلاص ويؤمنون بها ويحرصون عليها".


طه حسين" عميد الأدب العربي"، انحاز من كل قلبه وبصيرته وعقله للثورة، لدرجة أنه كان أول من كتب مقالا شهيرًا يصف فيه ما جرى يوم 23 يوليو 1952 بأنه أكبر من مجرد حركة مباركة، وإنما هو ثورة بكل المقاييس، وعبر طه حسين عن سعادته بما انطلقت الثورة لتحقيقه، قائلا: الثورة حققت ما فشل الساسة السابقون في تحقيقه، وفيهم بالطبع وطنيون مخلصون.


ويروي محمد حسنين هيكل في برنامجه "تجربة حياة": " في ثورة 23 يوليو أنا مستعد أقول أو في اللي حصل في 23 يوليو مستعد أقول إنه شيء من هذا حدث بمعنى إنه كان في الحالة الثورية، وكان في مطلب التغيير ملح، وكان في ثائر عظيم جدا رجل ثائر عظيم جدا، وهو جمال عبدالناصر وأنا بأقولها وبأقولها وأنا أقدم رؤية من بعيد ورؤية تكاد تكون حاولت قدر ما أستطيع أن أجعلها باردة لكنه كان ثائرا عظيما، لكن ومشي شوط هائل لكن في هل وصلنا إلى حيث دقت الساعة.. أنا أظن إن احنا لم نصل وأظن إنها كانت هي الأخرى بنفس الطريقة ثورة إلا خمسة".

وكان السؤال الذي يسيطر على عقل جمال عبدالناصر لسنوات طويلة.. هل ما قام به الجيش صحيحًا أم لا: فيقول في مذكراته "لطالما ألح على خاطري سؤال هو.. هل كان يجب أن نقوم -نحن الجيش- بالذي قمنا به في 23 يوليو 1952؟ لقد قلت: إن ثورة 23 يوليو كانت تحقيقًا لأمل كبير راود شعب مصر منذ بدأ في العصر الحديث يفكر في أن يكون حكمه في أيدي أبنائه، وأن تكون له نفسه الكلمة العليا في مصيره".

في النهاية وفي كل مرة يفكر فيها عبدالناصر في إجابة لهذا التساؤل يقول: "هذا السؤال طالما ألح على خواطري، ألح عليها ونحن في طور الأمل والتفكير والتدبير بعد يوليو، وألح عليها في مراحل كثيرة من التجربة بعد 23 يوليو، ولقد كانت أمامنا مبررات مختلفة قبل 23 يوليو تشرح لنا لماذا يجب أن نقوم بالدور الذي قمنا به، كنا نقول.. إذا لم يقم الجيش بهذا العمل فمن يقم به؟ وكنا نقول: (كنا نحن الشبح الذي يؤرق به الطاغية أحلام الشعب، وقد آن لهذا الشبح أن يتحول إلى الطاغية فيبدد أحلامه هو).


اضف تعليق