تحولات جذرية.. فيسبوك من أداة للترفيه لوسيلة تأثير


٠٢ أغسطس ٢٠١٩ - ٠٤:١٨ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- محمود رشدي 

في خضم التسارع العالمي نحو رقمنة متطلبات البشر، أصبح بإمكانك تسيير كافة أمورك عبر هاتفك الذكي، مثل شراء مستلزماتك اليومية، وإنجاز أعمالك الحياتية، بل وأصبح مصدرا للتعلم والثقافة، فاليوم يتيقن الكثير من الأفراد أنهم في غنى عن العالم الواقعي في سبيل وجود هواتفهم متصلة بالإنترنت.

يومًا تلو الآخر، تتسع دائرة اعتماد البشر على هواتفهم الذكية، وتزامن معها تعاظم شركات التكنولوجيا وتأثيرها على حياتنا، إذ أصبحت المواقع الافتراضية مدرسة أصيلة اليوم في تشكيل ثقافة الفرد، وكما رأينا في العالم العربي كيف شكل فيسبوك ويوتيوب وتويتر أدوات قوية في تغيير الأنظمة السياسية أثناء احتجاجات عرفت "بثورات الربيع العربي"، ومنذ ذلك الحين اعتبرت المواقع الافتراضية مصدرًا أساسيًا لتشكيل الهوية السياسية وأداة للتأثير على الرأي العام.

ولأن الفيسبوك أحد أشهر تلك المنصات الاجتماعية، فتسارعت كافة المؤسسات لإنشاء حساب لها على هذا الموقع الشهير، لتساير ركب التحول الجذري باندماج العالم في واقع آخر افتراضي يجمع عليه ملايين البشر؛ لتستطيع الوصول لأكبر عدد ممكن لها (Audience) ولأنه أصبح منصة تجمع غالبية أفراد المجتمع.

مع وجود الملايين بل والمليارات من الحسابات على هذا الموقع الافتراضي، انتشرت العديد من الحسابات المزيفة التي تروج لأخبار كاذبة ومضللة بغرض التأثير على الآراء والتوجهات. واليوم يمر فيسبوك بواحدة من أحلك فترات تاريخه منذ إنشائه عام 2004، فهو اليوم متهم بالتورط في استغلال سياسي لبيانات 50 مليون من مستخدميه.

تاريخ من المحتوى المضلل

سبق لفيسبوك أن أعلن حذف 2.2 مليار حساب مزيف في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019، وهو أعلى رقم تعلن هذه الشبكة الاجتماعية عن حذفه في تاريخها. كما سبق لها أن أعلنت حذف حسابات وصفحات للمحتوى المضلل مصدرها إيران، موجهة للعالم العربي ومن ذلك ضرب سمعة السعودية، وموجهة كذلك للغرب وبالأخص الولايات المتحدة، كما حذف فيسبوك محتوى آخر مخالف مصدره الاستخبارات الروسية، وآخر مصدره شركة إسرائيلية.

ويحاول فيسبوك ترميم سمعته بعد تقارير كثيرة أكدت أن هذه الشبكة الاجتماعية أضحت مجالاً للذباب الإلكتروني، ولحملات إلكترونية منظمة هدفها تضليل الرأي العام، خاصة مع استمرار الأخبار الكاذبة التي تجد في صفحات فيسبوك وسيلة للانتشار، فضلاً عن فضائح استغلال المعطيات الخاصة للمستخدمين.

ولا يعود هذا المحتوى المضلّل إلى حسابات وصفحات تنشأ بشكل مفاجئ، بل أحياناً يعطيها فيسبوك الضوء الأخضر، كما حدث في ديسمبر 2017، عندما سمحت الشبكة الاجتماعية ذاتها بإعلانات سياسية تحمل روابط مغشوشة وفيروسات وبرامج ضارة، وفق ما نشره موقع برو بليكا.

وحاول فيسبوك أكثر من مرة تشديد الخناق على الحسابات الوهمية، وقام بحملات مؤقتة لأجل مطالبة الكثير من أصحاب الحسابات بتأكيد أنها تعود إليهم. كما ألزم كل من يرغب بترويج إعلان مدفوع أن يثبت هويته، لكن فيسبوك يصطدم كذلك بمواثيق حرية التعبير، وبعدم رغبة بعض المستخدمين الإفصاح عن هوياتهم لأسباب شخصية أو حتى أمنية، خاصةً في البلدان التي تتم فيها ملاحقة من يعبّرون عن آرائهم.

العلاقة الملتبسة مع الحكومات

تعدّدت التقارير التي ربطت بين استغلال حكومي لبيانات مستخدمي فيسبوك، خاصة بعد ارتفاع شعبية هذا الأخير بداية من عام 2010. جوليان أسانغ، صاحب موقع ويكيلكيس سَبق له أن وصف فيسبوك عام 2011 بـ"أكبر آلة تجسس مرّوعة اختُرعت على مدار التاريخ"، إذ صرّح في حوار له مع "روسيا اليوم" أن مستخدمي هذا الموقع يُقدمون خدمات مجانية للاستخبارات الأمريكية التي تستخدم قواعد بياناتهم، لكن أسانغ لم يتهم فيسبوك بالعمل لصالح الاستخبارات، بل أشار إلى أن هذه الأخيرة تملك القدرة على الوصول إلى بيانات المستخدمين، وأنها تمارس لأجل ذلك ضغطاً قانونياً وسياسياً كبيراً.
 
لا يُخفِ فيسبوك أنه يتلقى بشكل دوري طلبات من الحكومات للحصول على بيانات بعض المستخدمين، وينشر الموقع تقارير دورية عن حجم هذه الطلبات. آخر هذه التقارير بيّنت ارتفاع حجم الطلب من حكومات كثيرة منها الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية مقارنة بالأعوام الماضية، كما أوضحت أن نسبة مهمة من الطلبات تشدّد على ضرورة عدم إشعار المستخدم بوجود رغبة رسمية في الوصول إلى بياناته.

يقول فيسبوك: إن غالبية الطلبات التي يتلقاها تتعلّق بحالات جرائم كالسرقة والاختطاف، وإنه يقوم بفحص صارم لهذه الطلبات، ويتأكد جيداً من قانونية التجاوب معها قبل اتخاذ أيّ قرار بشأنها.

غير أن استخدام الحكومات لفيسبوك لا يتمركز فقط في مطالب رسمية تُوجه لإدارته، بل باتت الحكومات تستخدم الموقع للدعاية لها وللتأثير على الرأي العام. في وثيقة نشرتها وسائل إعلام عن القسم التقني في فيسبوك عام 2017، يتحدث هذا القسم عن تقنيات تستخدم من حكومات ومنظمات لأجل نشر معلومات مضلّلة لأهداف سياسية، منها الأخبار الكاذبة، وتعميم المحتوى المضلل، واستخدام حسابات وهمية. ووفق الوثيقة ذاتها، ففيسبوك يحاول توسيع مجال الحماية عبر محاربة مثل هذه الطرق التضليلية، وقام لأجل ذلك بتوقيف 30 ألفا حساب في فرنسا قبل الانتخابات الرئاسية هناك.



اضف تعليق