"خان وشيمي".. مشوار عُمر وفن وحكايات جديدة ترويها "ذاكرة الفوتوغرافيا"


٠٦ أغسطس ٢٠١٩ - ٠٨:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع - هدى إسماعيل

يواجه الموت بالتذكر، هذا أول ما خطر ببالي عندما علمت بأمر معرض "وراء الكاميرا" عن محمد خان، وأدركت أن المصور الفنان "سعيد شيمي" يحاول بدأب استعادة أصدقائه من فم الموت بتذكرهم.

إنه يجعلهم حاضرين دوما بأعمالهم وأحلامهم وآلامهم، وعندما تسمعه يتحدث عن العملاقين "محمد خان" أو "عاطف الطيب" تأسرك الحماسة التي تغشى صوته وكأنه يتحدث عن شخص غادر المكان توا وسيعود خلال لحظات، هذا الاحتفاء والاعتزاز بأصدقائه يجعلني أتخيله مثل فارس نبيل يحمل أصدقاءه على كتفيه ليكونوا دومًا في مكان عال مثل نبتة شامخة لا يحني قامتها النسيان.


"واحذروا النسيان، فالنسيان موت، كل ما يُذكر يحيا، كل ما يُنسى يموت" - نجيب سرور

بعد كتابيه "خطابات محمد خان إلى سعيد شيمي" بجزأيهما الأول والثاني، يواصل "شيمي" استعادة الذكريات في معرض "محمد خان وراء الكاميرا"، تحول فيه جاليري "لمسات" إلى ألبوم قيم يضم باقة من 30 صورة ربما رأينا بعضها من قبل، لكننا نراها في هذا المعرض بعين جديدة عين صديق مخلص وفنان عاشق للسينما، صور من كواليس أعمال جمعت شيمي وخان كزميلي عمل و"شغف" تروي لنا حكاية مخرج أحب هذا البلد وأراد أن يصنع بلغته السينمائية الواقعية المدهشة تغييرا في المجتمع أو أضعف الإيمان أن يصنع تغييرا في رؤية المجتمع للإنسان.

أتخيل "شيمي" وهو جالس يقلب في دفاتره القديمة بحثا عن هذه الصور التي لم يردها صورًا نادرة بقدر ما أرادها صورًا يمكن استنطاقها لتحكي، يقول: تكشف هذه اللقطات كواليس من خلف الكاميرا خلال رحلة عملي مع "خان"، ووراء كل صورة حكايات وأسرار، فقليلون من رأوا "خان" وهو يعمل خلف الكاميرا، لذا فإن هذا المعرض يوضح كيف كان يعمل، والتفاصيل التي حرص عليها أثناء عمله، كما تعكس مدى العلاقة الإنسانية بينه وبين نجوم أفلامه، والتعب والجهد وراء أعمال نالت إعجاب ومحبة الجمهور.

وهكذا خضنا مع المصور الكبير رحلة تحكي لنا ما لا نعرفه عن أحد أبرز مخرجي تيار "الواقعية الجديدة"، الذي أولى اهتمامه دائما بفكرة الإنسان.

سينما الإنسان


وهو الجانب الذي تحدث عنه في تصريحات خاصة لـ "رؤية"، الناقد الفني "محمود عبد الشكور"، يقول: اهتم "خان" بالإنسان العادي، ولم تكن أفلامه احتفاء بالمدينة أو المكان رغم أنني أعتبره "ترجمان القاهرة السينمائي"، لكن أفلامه كانت عن الإنسان في المكان، لا تحكي حواديت بل ترصد حالات وترسم ملامح شخصيات جعلتها الظروف على ما هي عليه".

ويوضح لنا "عبد الشكور" عن سينما "خان":  سينما "خان" جزء من تيار كبير اسمه "تيار الواقعية"، وهو التيار الذي غير شكل السينما، لأنه ركز على فكرة الإنسان العادي المهمش في علاقته مع الآخر "المكان والمدينة"، مثلا القاهرة كمدينة تم تصويرها في 100 فيلم، لكن القاهرة عند مخرجين مثل عاطف الطيب ومحمد خان تختلف، لأنهم رأوا الحكاية بشكل مغاير عن الآخرين بحثوا عن تفاصيله، تعاطفوا معه.


ويمثل لنا "عبد الشكور" الفكرة بتطبيقها على المرأة قائلا: " صورة المرأة في أفلام محمد خان عظيمة جدا المرأة عنده قوية جدا وقادرة بصرف النظر عن تعليمها ومكانتها الاجتماعية، ظهر هذا جليا في شخصية "خوخة" التي أدتها ليلى علوي في فيلم "خرج ولم يعد "، وكذلك "هيام" التي جسدتها ياسمين رئيس في فيلم "فتاة المصنع "، تلك الفتاة البسيطة التي رقصت في فرح حبيبها بكل قوة وصمود.

ويكمل: نظرة "خان" للمرأة غير عادية ، فنجد لدى"نوال" في فيلم  "موعد على العشاء" التي قامت ببطولته سعاد حسني قوة وصمود لا يمكن نسيانهما عندما قررت إنهاء حياتها وحياة زوجها بعد موت "شكري" الذي جسده أحمد زكي، لذا إذا أردنا أن نتحدث عن سينما المرأة في مصر، علينا أن نعود إلى أفلام "محمد خان" لانه ليس مجرد مخرج يحترم المرأة في أفلامه فقط، بل هو على المستوى الشخصي هو رجل يحترم والدته وزوجته ويقدرهما .

لم يهتم "خان" بتقديم أبطاله بصورة مثالية، يقول "عبد الشكور": الشخصيات عند "خان" قوية جدا وليست مثالية ولكن المشاهد يتعاطف معها ويحبها لأنه يكتشف فيها مواضع الجمال، مثل شخصية "فارس" في فيلم "الحريف" لم يكن شخصية مثالية لكن الجمهور أحبه، ومثلا فيلم مثل "أحلام هند وكاميليا" لم يتخيل أحد قبل "خان" ورفاقه، أن يكون هناك فيلما بطلتيه خادمتان وسارق، ثلاث شخصيات لا يراهم المجتمع أساسا ليتحدث عنهم، يأخذهم خان ويقدمه في فيلم ويجبر المشاهد على التعاطف معهم ولمس الجواني الإنسانية بداخل كل شخصية.




وأضاف: أذكر بعد عرض فيلم "الحريف " قال نيازي مصطفي أحد رواد السينما المصرية لـ" خان": أنا أعمل في السينما منذ خمسين عاما، صنعت فيها أفلاما عن كل المواضيع، ولم يخطر ببالي أن أصنع فيلما يكون بطله لاعب كرة في الشارع، كيف نجحت في صنع هذا الإبداع؟"، لهذا السبب كان كبار النجوم يتهافتون للعمل مع "خان" لأنه كان يقدم من يعمل معه بشكل مختلف.

ويمكن تسمية "خان" بمكتشف النجوم داخل النجوم، كما فعل مع "غادة عادل" في فيلم "ِشقة مصر الجديدة"، ويحدثنا "عبد الشكور" عن ذلك: جزء أساسي من عمل المخرج هو إدارة الممثل و"خان" كان أستاذًا في هذا المجال فكان يتخيل النجوم الذين يشاركونه العمل كيف يكونون ومن يقدم ماذا، من كان يتخيل أن تكون الجميلة الرقيقة نجلاء فتحي خادمة في "هند وكاميليا"، والذي لا يعرفه الكثير أن "خان" كان يريد لبطولة هذا الفيلم "سعاد حسني وفاتن حمامة" لكن لم يتم الأمر، وهكذا كانت عينه مختلفة عن أبناء جيله في رؤية الممثل، بل ونجح في إقناع ممثلين أن يقوموا بإنتاج أفلام مثل الراحل فاروق الفيشاوي في "مشوار عمر" ويحيي الفخراني في "عودة مواطن".

كل صورة حكاية


كما قلنا لم يقدم "شيمي" في هذا المعرض صورا يمكن وصفها بالندرة، لكنه صنع من خلال اختياره قصة مصورة شيقة تروي كواليس من أعمال حفرت في ذاكرتنا لـ "خان".

مثل الصورة التي تجمعه مع ميرفت أمين من كواليس فيلم "زوجة رجل مهم"، وهنا يحكي أن "خان" كان يحب لتصوير الأحداث في أماكنها الحقيقية، رغم الضغوط الذي يتعرصون لها بسبب الزحام، وهو ما تكرر في فيلم "الحريف" بالنظر إلى نجومية عادل إمام، وأثناء تصويره أحد مشاهد "زوجة رجل مهم" في مكان حيوي داخل محطة قطار محافظة المنيا، تجمع مئات المواطنين والركاب  خلف المخرج والبطلة الشهيرة لتخرج تلك الصورة الجماعية الجميلة.


وفي صورة أخرى التقط المصور الكبير لصديقه المخرج صورة له واقفا وممسكا بسيجار أثناء تصوير فيلم "واحدة بواحدة"، الذي ظهر فيه كضيف شرف يؤدي شخصية مخرج في أحد المشاهد.

ووسط أشجار الموز يظهر "خان" في صورة وهو يستعد لتصوير أحد المشاهد من فيلم "خرج ولم يعد"، يحكي "شيمي": هذا الفيلم فكرة محمد خان، ولأول مرة خرج بأفلامه خارج القاهرة، فهو ابن المدينة وُلد وتربي بها، وكان يريد بهذا الخروج أن يظهر التناقض بين جمال الريف وقبح المدينة وكيف انعكس ذلك على الشخصيات، لدرجة أن البطل "عطية" الذي أدى شخصيته يحيي الفخراني قرر في النهاية أن يترك المدينة وراءه ويدخل عالم الريف بإرادته، وكان الطعام أحد العناصر التي ركز عليها "خان" خلال تصوير الفيلم، وهو أيضا كان عاشقا للطعام، وقد وجد غايته في هذا الفيلم.


ويتحدث "شيمي" عن أسلوب "خان" الغريب أحيانا في التقاط أفكار أفلامه، يقول: " مكنت جالسا معه في منزله إحدى المرات، كان يقرأ مجلة وقص أحد الأخبار منها فسألته هل الخبرعنك فقال: لا، وحكي لي أنه عن امرأة كانت على خلاف مع زوجها فعزمته على العشاء وسممت الطعام وأكلت معه ومات الإثنان معا، سألته هل ستخرج فيلما عن اثنين سمموا بعض، قال: لا لكن الموضوع شدني، وأخبرني أنه لن يعمل فيلما عن هذا الموضوع، لكن الحقيقة أن الفكرة شدته وعمل الفيلم بالفعل.

وفي لقطة من فيلم "يوسف وزينب" من بطولة فاروق الفيشاوي وليلى علوي، يظهر خان  في جزر المالديف حيث تدور أحداث الفيلم، ويحكي "شيمي" قصة الصورة قائلا: الرئيس الأسبق للمالديف مأمون عبد القيوم درس بجامعة الأزهر، وكان يعرف محمد خان ووالده الذي كان رئيس الجالية الباكستانية في مصر، وفي إحدى المرات جاء لمصر وقابل محمد خان بعد شهرته، وطلب منه الحضور لبلاده لعمل فيلم يكون أول إنتاج للمالديف، وهو ما تحقق بعد أن كتب القصة المؤلف بشير الديك، لتدور الأحداث في المالديف، وفي اللقطة يظهر خان بصحبة إحدى بطلات الفيلم من المالديف، وهو يشرح لمدير التصوير حجم اللقطة.

ومثلا، الصورة التى تجمع "خان" بنور الشريف، قال إن "خان" كان شديد الاحترام لنور الذي لولا موافقته على بطولة "ضربة شمس" لم يكن لاسم "خان" أن ينطلق في عالم السينما.

ومن حكايات المعرض أيضا، لقطة لخان من كواليس فيلم "فتاة المصنع" بصحبة زوجته وسام سليمان، كاتبة سيناريو الفيلم الذي كان فكرته هو، يتذكر "شيمي" حكاية اللقطة: ذهب خان إلى المصنع وطلب تعيين "وسام" في المصنع للعمل لمدة شهرين مع العاملات، وهو ما حدث بالفعل، لتنقل ما يدور بينهن إلى الشاشة، وقد أحسسنا بهذا في الفيلم جيدا، وللعلم تم التصوير بمجموعة العاملات الحقيقيات بالمصنع.




وعند صورة من  فيلم "الحريف" يظهر فيها عادل إمام، يحكي "شيمي": كان أحمد زكي هو الذي سيقوم ببطولة الفيلم لكن حدث شيء جعل "خان" يختار عادل إمام بدلا منه، فعندما كان "زكي" يستعد للشخصية اقترح أن يبدل  شكل شعره فكان رد "خان" أنه بهذا يبتعد تماما عن صورة الشخصية كما يتخيلها وانتهت المناقشة ، لكن في اليوم التالي جاء "زكي" بعد أن أبدل شكل شعره فكان رد "خان" قاطعا: "أنت لا تريد هذا الفيلم"، وبالفعل أسند بطولة "الحريف" لعادل إمام، رغم أنه لم يغير شكل شعره وظهر بشكله العادي، لكن مخرج ذو شخصية، لا يقبل أن يفرض عليه أحد شيئًا.

ويكمل "شيمي" قائلا: كان "خان" يعتز بشغله جدا وكذلك كان أحمد زكي، ولم يظهر الصدام في بداية تعاملهما معا، لكنه ظهر عندما اختلفت وجهات النظر بينهما، وتشبث كل منهما برأيه، إلى حد أن وصل الأمر للاشتباك بالأيدي في في كواليس "أحلام هند وكاميليا".

وفي تصريحات خاصة لـ"رؤية" تقول المونتيرة القديرة عنايات السايس: رغم خلافاته الكثيرة مع أحمد زكي، إلا أنه كان يحبه جدا، لكن "خان" كان مؤمنا أن المخرج هو من يوجه الممثل وليس العكس.

وتضيف: "خان" كان "مخرج شوارع" يعشق العمل في الشارع وتقديم الأشياء في صورتها الحقيقية بعين سينمائية تميل للتسجيلية أحيانا، وهو شيء شاركه فيه المخرج الراحل"عاطف الطيب".

يصف الناقد محمود عبد الشكور "خان" وجيله: كان "خان" ابن لجيل مثقف وقارئ ومخلص في حبه للبلد رغم تعرضه لصدمات كثيرة، وهو جيل موهوب قدم فنا لا ينسى استطاع أن يبقى كل هذه السنين رغم الإمكانيات الضعيفة التي توافرت لهم وصنعوا مجدا عاش.












اضف تعليق