بعد هزيمة ساحقة.. ماي تغرق في ضباب "البريكست"


١٦ يناير ٢٠١٩ - ١٠:٠٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

في يوم من الدراما الاستثنائية داخل أروقة قصر وستمنستر التاريخي، أصدر مجلس العموم البريطاني، مساء أمس، حكمًا مدمرًا بشأن صفقة رئيسة الوزراء تيريزا ماي للخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ تم رفضها من قبل 432 نائبا مقابل 202 صوتوا بـ"نعم"، في هزيمة غير مسبوقة في تاريخ الاستحقاقات الحكومية تحت قبة البرلمان البريطاني.

واجهت ماي ما يشبه الخيانة أمس، عندما انقلب ضدها عدد من نواب المحافظين وقاموا بالتصويت ضد الصفقة التي كانت توصلت إليها بعد شهور من المفاوضات مع بروكسل، لتمنى بهزيمة ثقيلة بفارق 220 صوت، وتقول بعد دقائق من إعلان نتيجة التصويت: من الواضح أن المجلس لا يؤيد هذا الاتفاق، مضيفة أن التصويت لا يكشف أي شيء حول الطريقة التي ينوي بها المجلس تطبيق قرار الشعب البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي، أو حتى ما إذا كان ينوي فعل ذلك.. استمعوا للشعب الذي يريد تسوية هذه المسألة، في إشارة إلى احتمالات الدعوة لاستفتاء جديد.


يبدو أن أنباء هزيمة ماي وصلت للصحف في التوقيت المناسب، لتتصدر اليوم واجهات الصحف العالمية والبريطانية على وجه الخصوص، وسط انتقادات لاذعة لطريقة تعاملها مع ملف "البريكست" ومع الشركاء السياسيين سواء من داخل فريقها المحافظين أو فريق المعارضة وتحديدا حزب العمال، الذي يبدو أنها لم تكن موفقة في تقدير حجمه السياسي.

من جانبها أنفردت "الجارديان" بصورة للردهة المؤدية إلى غرفة التصويت ضد الصفقة، والتي اكتظت بالنواب بشكل يفضح حجم الهزيمة، فيما استبقت "ديلي تلغراف" جلسة اليوم وعنونت "ماي قد تنجو من سحب الثقة، لكنها يجب أن ترحل"، وقال فيليب جونستون في مقال نشرته الصحيفة: إن رئيسة الوزراء مفاوضة سيئة وقد فشلت في توحيد حزب المحافظين.. إن هزيمة ماي تعد أكبر إذلال في التاريخ لرئيس وزراء بريطاني ويجب عليها عدم الاستمرار في منصبها.

وفي صحيفة "آي" قال كاتي بولز -في مقال بعنوان "باتت الانتخابات العامة أقرب من أي وقت"- رئيسة الوزراء دخلت التاريخ أمس لكن ليس كما كانت تتمنى، فعوضاً عن تأمين خروج آمن لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي فإنها منيت بأسوأ هزيمة لحكومة في التاريخ وفاقت نسبة الأصوات التي صوتت ضدها أكبر كابوس لأي رئيس وزراء.


مأزق سحب الثقة

عقب كلمة ماي قدم زعيم حزب العمال جيريمي كوربين مذكرة لحجب الثقة عن حكومتها، وسيتم التصويت عليها مساء اليوم، وسط مشهد ضبابي قد ينتهي بإجراء انتخابات مبكرة، لن تكون بأي حال من الأحول في صالح حزب المحافظين، الذي بالطبع خسر الكثير من رصيده في الشارع البريطاني بسبب سوء إدارة ملف البريكست.

لكن هناك أمل في أن تنجو ماي للمرة الثانية من هذا التحدي كما فعلتها في ديسمبر الماضي، إذ يرى المحللون أن نواب المحافظين الذين انقلبوا ضد صفقة ماي، لا يريدون لحزب العمال الفوز بهذا الاستحقاق، وبالتالي سيدعمون بقاء ماي، كما أعلن حلفاء سياسيين كالديمقراطيين الأحرار ورغم رفضهم الصفقة، عن نيتهم دعم ماي الليلة.

ماذا لو فاز "العمال"؟ سيكون أمام الحكومة مهلة 14 يومًا لاستعادة ثقة أعضاء البرلمان، وفي حال فشلت سيتم حل البرلمان والإعلان عن إجراء انتخابات عامة، ويمكن لحزب العمال خلال هذه الفترة تشكيل حكومة انتقالية.

أما في حال فازت تيريزا ماي سيكون عليها إطلاق محادثات مع المحافظين والأحزاب الأخرى "بروح بناءة" للتوصل إلى اتفاق يمكن أن يفوز بدعم مجلس العموم، وربما سيتعين عليها العودة إلى بروكسل، وقد تفشل للمرة الأخيرة وتضطر إلى الانفصال بدون صفقة والدخول في مرحلة جديدة من الفوضى، وربما الدعوة لاستفتاء جديد.


الموقف الأوروبي

من بروكسل قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود-يونكر: مخاطر خروج بريطانيا بشكل غير منظم تزايدت أمس، وأدعو بريطانيا إلى توضيح نواياها في أسرع وقت ممكن، مؤكدا أن اتفاق الخروج هو تسوية منصفة ويشكل أفضل اتفاق ممكن، يحد من الآثار المسيئة للبريكست على المواطنين والشركات في مجمل أنحاء أوروبا.

كبير مفاوضي الاتحاد ميشيل بارنييه قال: إن ملف خروج بريطانيا من الاتحاد يمر بحالة من الموت السريري، بعد الرفض الساحق لصفقة ماي، مؤكدا أن الأمر الآن يعود للحكومة البريطانية لإيجاد الكيفية التي يمكن بها دفع الأمور في اتجاه انسحاب منظم في 29 مارس، وأن الاتحاد الأوروبي سيبقى موحدا ومصمما على التوصل إلى اتفاق.

من جانبه قال وزير الخارجية الألماني هيكو ماس، صباح اليوم، إذا كان هناك سبيل لبلوغ هدف التوصل إلى اتفاق بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، يمكنها وقتها تمديد موعد الانسحاب، لكن في الوقت الراهن، ليس هناك غالبية في البرلمان البريطاني تؤيد وجهة النظر هذه.

يبدو أن الجميع يلقي بالكرة في ملعب البريطانيين، وخلال هذه اللحظات تجري ماي محادثات مع الأحزاب السياسية لتأمين الأصوات الكافية للنجاة، إلا أنها تكرر الخطأ ذاته باستبعاد كوربين من هذه المحادثات.. فهل تفعلها وتنجو وتقدم خطة بديلة للبريكست أم أن الوقت قد حان للتحضير لخروج بدون اتفاق؟
 


اضف تعليق