أفغانستان .. مفاوضات سلام بالتزامن مع معارك "ضارية"!


٠٤ مارس ٢٠١٩ - ٠٥:٠٤ م بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمود سعيد

من خلال قراءة التاريخ، فإنه من السهل أن ندرك أن "أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات"، فالصراعات التي دارت في أفغانستان منذ فجر التاريخ، كانت محسومة لأصحاب تلك الأرض الوعرة المترامية الأطراف، فالجحافل المغولية لم تهزم للمرة الأولى في تاريخها إلا في غزنة وكابول أمام الجيوش الخوارزمية والشعب الأفغاني، ثم قاوم الأفغان الدولة الصفوية الإيرانية وهزموها شر هزيمة، ثم كانت الهزائم الـ3 التي مني بها جيش الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، مرورا بالاتحاد السوفيتي الذي هزمت جيوشه وتفكك إثر هزيمته المذلة في أفغانستان، أما هذه المرة فقد وصل إلى الحقيقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والجيش الأمريكي وقوات حلف شمال الأطلسي بعد  17 عشر عاما من القتال الضاري.

وقد أدرك ترامب أنه ما لم تستطع القوات الأمريكية يوم أن كانت في أفغانستان 140 ألف جندي ، لن تستطع أن تحققه اليوم بعدما أصبحت قواته هناك 14 ألفا !، وقد وصل إلى ما وصل إليه سلفه أوباما بعدما تيقنوا أن حركة طالبان الأفغانية جزء من نسيج الشعب الأفغاني، بل الجزء الأهم من نسيج قومية البشتون التي تشكل غالبية الشعب الأفغاني، تلك القومية التي لها امتدادات تاريخية داخل باكستان، فضلا أنهم أبناء المدارس الدينية التي لها نظرة مقدسة من غالبية الأفغان.

أما الدعم الباكستاني للحركة الراديكالية فلا يخفى على أحد، كذلك تفطن قادة الجيش الأمريكي أن الشعب الأفغاني يرفض وجود أي قوات أجنبية على أرضه.

وقد نجحت طالبان ليس فقط بإجبار واشنطن على التفاوض معها، وإنما في أن يكون على رأس المفاوضات بند الانسحاب الأمريكي، طالبان تفاوض أمريكا كذلك وهي لا تعترف بالحكومة الأفغانية التي ترى أن "الاحتلال الأمريكي" هو من نصبها، والغريب أن طالبان التي تسيطر فعليا على  50% من أفغانستان، تستخدم تكتيك "حرب العصابات" في الـ50% الأخرى وتواصل شن عمليات عسكرية ضخمة على الرغم من مفاوضات السلام الدائرة في بعض بلدان الخليج العربي.

وقدّر دبلوماسي رفيع المستوى على دراية أن "طالبان تريد التحاور مع الولايات المتحدة مباشرة عن الانسحاب لأنها لا تريد اقتسام الفضل في الانسحاب مع الحكومة".

المباحثات بين الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان بدأت سرا في عام 2012م، وأصبحت علنية في عام 2015م، ثم تكثفت اللقاءات في عدة عواصم عربية وغربية عام 2018م.

طالبان تسعى لتحقيق مكاسب على الأرض لاستخدامها في محادثات السلام الدائرة اليوم، فالحركة ترى أن "الانهيار الأمني عنصر مطلوب للتفاوض من موقع القوة".

قال المتحدث باسم المكتب السياسي لطالبان، سهيل شاهين إنّ المباحثات شهدت الحديث عن معظم القضايا بدءا من انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان حتى آفاق السلام ومشاريع التنمية.

ورغم اصرار حكومة كابل، على أن تكون طرفا في المحادثات المباشرة مع الحركة، وتقول إن تحقيق السلام لا يتم إلا بحوار أفغاني-أفغاني، إلا أن طالبان ترفض التحاور مع الحكومة الأفغانية

الفرص المتاحة

وقال المحلل العسكري جواد كوهيستاني ومقره كابول "تحقيق انتصار عسكري وميداني كبير قبل محادثات قد تكون مهمة ومباشرة، يمكن ان يعطي طالبان وزنا سياسياً أكبر"، وقال رحيم الله يوسفزاي، الخبير بشؤون طالبان والمنطقة، إن طالبان لا ترغب في السيطرة على غزنة، بل أن تُظهر فحسب أنها قادرة على ذلك.

وأضاف إن "الاستراتيجية تتعلق بشن هجمات كبيرة واستعراض القوة والسيطرة على المدينة أو البلدة لبضعة أيام وإطلاق سراح أسراهم والاستيلاء على بعض الأسلحة والمال وبث الخوف ثم المغادرة".

ورغم أن واشنطن قاومت لفترة طويلة المباحثات المباشرة مع طالبان، فقد قال المسؤول إن التطورات الأخيرة تشير إلى أن "الولايات المتحدة أقل رفضا لذلك الآن".

هجوم ضار

وفي الوقت الذي اجتمع فيه مفاوضون من طالبان مع مبعوث سلام أمريكي في الخليج العربي، نقلت قناة "طلوع" الأفغانية عن مسؤولين في لواء "مايوند 215"، أن الهجوم "استهدف قاعدة عسكرية بولاية هلمند، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 40 شخصا".

وقال المتحدث باسم حاكم هلمند، عمر زواك، إن عشرات الجنود أصيبوا في الاشتباكات التي استمرت نحو 46 ساعة، بدأت مساء الجمعة الماضي، وأعلن المتحدث باسم حركة طالبان، قاري يوسف أحمدي، أن الحركة تعلن مسؤوليتها عن الهجوم، وأضاف أن مقاتلي طالبان اشتبكوا مع قوات أفغانية وأجنبية داخل المعسكر وقتلوا "العشرات".

فيما قال زواك إن مستشارين أميركيين كانوا موجودين في القاعدة، لكن في منطقة منفصلة، وأضاف أن "كل القوات الأجنبية الموجودة في القاعدة كانوا في أمان حيث لم يتمكن مقاتلو طالبان من الوصول إلى ذلك الجزء من المجمع".

وفي ولاية سربل شمالي البلاد، نصب مسلحو حركة طالبان كمينا لقافلة من قوات الأمن الأفغانية، وقتلوا تسعة، حسبما قال المتحدث باسم حاكم الولاية، ذبيح الله أماني، وأضاف أماني أن 12 جنديا آخرين أصيبوا خلال المعركة مع عناصر طالبان التي استمرت سبع ساعات، الجمعة، في منطقة سانغشاراك، وقال "فقد أربعة من قوات الأمن ويعتقد أن المسلحين أخذوهم أحياء".

ويبدو أننا بتنا اليوم في الفصل الأخير من الحرب التي اندلعت في عام 2001م، فحركة طالبان وافقت على أهم شرط أمريكي وهو أن لا تتحول أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي إلى قاعدة تهدد منها دول العالم، في حين وافقت واشنطن على سحب قواتها وقوات الناتو من افغانستان وأن لا يكون لها قواعد عسكرية فيها.









اضف تعليق