بعد تصنيفه "إرهابيًا".. "الحرس الثوري" يعمق جراح اقتصاد الملالي


١١ أبريل ٢٠١٩ - ١٠:٥٢ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

في ضربة جديدة لطهران، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب منذ يومين، إدراج الحرس الثوري على قوائم المنظمات الإرهابية، وهذه هي المرة الأولى التي تصنف فيها واشنطن جيش دولة أخرى كمنظمة إرهابية، ما يؤكد رغبتها في تضيق الخناق على المؤسسة العسكرية الأقوى في إيران، عبر سلسلة عقوبات ستكون أوسع نطاقا سياسيًا واقتصاديًا مما كانت عليه في الماضي، إذ ستشمل تجميد أصول قد يمتلكها "الحرس" في أمريكا، وفرض حظر على الشركات التي تتعامل معه وتدعمه ماليًا.

الحرس الثوري تأسس في أعقاب ثورة الخميني عام 1979، بهدف حماية النظام الحاكم، لذا فهو يتبع المرشد الأعلى بصورة مباشرة، ويتمتع بنفوذ واسع، وحتى عناصره المتقاعدة يتم تعيينها في مناصب رفيعة بالدولة، ويعتقد أن الحرس الثوري يسيطر على حوالي ثلث الاقتصاد الإيراني، وذلك من خلال تحكمه بالعديد من المؤسسات والصناديق الخيرية والشركات التي تعمل في مختلف المجالات.

ويعد الحرس الثوري ثالث أغنى مؤسسة في إيران، بعد مؤسسة النفط، ووقف الإمام رضا، ودخله السنوي يمثل نحو 15% من الناتج المحلي، وهو ما يمكنه من  تمويل وإرسال الأسلحة إلى الميليشيات التابعة لإيران في الخارج، عبر ذراعه الأشهر "فيلق القدس"، الذي يخضع لعقوبات أمريكية منذ 2007.
 
كانت واشنطن انسحبت في مايو الماضي من اتفاق 2015 النووي، لتبدأ فرض سلسلة عقوبات جديدة على النظام الإيراني، ساهمت في دفعه نحو أزمة اقتصادية خانقة، كلفت العملة المحلية أكثر من 240% من قيمتها في 2018، وارتفع التضخم إلى أكثر من 30%، وسجلت مؤشرات النمو الاقتصادي انكماشا بنحو 1.5%، ما فجر اضطرابات اجتماعية أطاحت بعدد من الوزراء، ودفعت التيار المحافظ إلى توجيه انتقادات لاذعة إلى روحاني.

تداعيات القرار

الآن تواصل واشنطن عبر تصنيف "الحرس" إرهابيا، زيادة الضغط على هذا النظام، بشكل سيكون له تداعيات سياسية واقتصادية أوسع، سياسيا هذا التصنيف سيسهم في إعاقة نشاط "الحرس" خارج إيران، وسيضع قواته المتواجدة في بلدان مثل العراق وسوريا في مأزق، باعتبارها قوات "إرهابية" حتى وإن تواجدت بناء على رغبة من هذه البلدان، وبدت ملامح هذا المأزق حينما تكلم وزير الخارجية الأمريكية عن استعداد بلاده للتدخل العسكري ضج هذه القوات في حال اقتضت الإجراءات الجديدة ذلك.

اقتصاديا هذا القرار الأمريكي، سيجعل جميع الشركات التي تتعامل مع "الحرس" سواء بالداخل أو الخارج في مرمى العقوبات الأمريكية، إذ ستعامل على أنها مؤسسات ممولة للإرهاب, بما في ذلك الشركات الأوروبية التي تعد بوابة طهران للالتفاف على العقوبات الدولية، ما يعني أن هامش إيران للمراوغة بات ضيقا وستكون على موعد مع أزمة اقتصادية ربما تكون الأسوأ منذ نصف قرن.

القرار أيضا سيطال رموز وعناصر الحرس، إذ سيفرض قيودا على تنقلاتهم ويعتبر الدول التي تستقبلهم دولا ممولة للإرهاب، كما سيفرض قيودا على حساباتهم المصرفية واستثماراتهم بدول العالم، ويقدر عدد أفراد الحرس ي بنحو 125 ألف عنصر، وبحسب التقارير يمتلك عدد كبير منهم استثمارات خارجية تستخدم لغسيل الأموال التي يتم نهبها من مقدرات الشعب الإيراني، عبر السيطرة على مفاصل الحركة الاقتصادية سواء في قطاع النفط أو البناء أو النقل أو الصناعات التحويلية.

في أعقاب وفاة المرشد المؤسس الخميني، تراجع النفوذ السياسي للحرس، لكنه استغل مادة في الدستور لتعزيز نفوذه الاقتصادي، هي المادة 147 ونصها: على الحكومة في زمن السلم أن تستفيد من أفراد الجيش وتجهيزاته الفنية في أعمال الإغاثة والتعليم والإنتاج، وجهود البناء، وفي عام 1990أسس الحرس شركة "خاتم الأنبياء" لإدارة أنشطته الاقتصادية.

إمبراطورية "الحرس" الاقتصادية

نشط "الحرس" اقتصاديا، خلال فترة رئاسة رفسنجاني، مستفيدا من هدوء ما بعد الحرب، واحتكر فرص إعادة البناء، وسيطر على ثلث حركة الاستيراد من خلال إنشاء 60 مرسى و10 مطارات، ومع وصول خاتمي عام 1997 - ورغم نهجه الإصلاحي- عزز الحرس قبضته على مفاصل الحياة الاقتصادية، عبر رجاله بالسلطة من وزراء ومستشارين، فكان من السهل عليه احتكار صفقات البناء والتجارة الكبرى.

وتوسعت أنشطة "خاتم الأنبياء" لتشمل نحو 800 شركة تعمل في مختلف المجالات، تحت مظلة ما يسمى بالاقتصاد المقاوم الذي ابتكره خامنئي للالتفاف على العقوبات، وإلى جانب احتكاره لقطاع البناء والنفط، يمتلك "الحرس" شركات للنقل البري أشهرها شركة غدير للقطارات، وسلسلة متاجر تقدر بـ300 متجر منتشرة في كافة أنحاء البلاد، وما يزيد عن نصف حصص شركة الاتصالات الإيرانية، كما يسيطر على أكبر منجم للزنك والرصاص في إيران والشرق الأوسط عبر شركة "أنغواران".

في مجال الأنشطة المالية يمتلك "الحرس" حصصا في شركات ببورصة طهران، وشركات استثمار أشهرها "مهر"،  بل وبنوك بكاملها تتبعه أهمها بنك "أنصار" الذي يتبع إدراته منذ 2009، واستخدم شركات وهمية لتوفير غطاء لتمويل "الحرس" للمليشيات الإرهابية بالمنطقة، الأمر الذي دفع أمريكا إلى إدراج البنك على لائحة العقوبات العام الماضي.

 نفوذ "الحرس" الاقتصادي سبب لسنوات طويلة أزعاجا للشركات الحكومية، التي تعتبر أن المؤسسة العسكرية تحولت إلى منافس تجاري يلعب بشكل غير متكافئ، بل وخلق ما يشبه الاقتصاد الموازي لاقتصاد الدولة، ما يعني أن قرار ترامب لن يقيد حركة الحرس تجاريا مع البلدان الآخرى فحسب، بل سيقيدها داخليا أيضا، فحكومة روحاني تتهم "الحرس" بالتورط في عمليات غسيل أموال وكثيرا ما عبرت عن تذمرها من معارضته للقوانين الخاصة بمكافحة هذه الظاهرة التي وضعت البلاد على رأس القائمة السوداء لجرائم غسيل الأموال.

التقديرات الحكومية لحجم الأموال التي يتم تبييضها في إيران تشير إلى 35 مليار دولار، بينما تشير تقديرات مستقلة إلى رقم بنحو 42 مليار دولار، ويبرر الحرس تورطه في "غسيل الأموال" بأنه وسيلة للالتفاف على العقوبات والحيلولة دون عزلة أكبر لطهران على الساحة الدولية.

هنا تبرز أهمية القرار الأمريكي الجديد، إذ يشمل كافة أنشطة الحرس ورموزه وسيزيد من عزلة إيران بشكل عام وسيدفعها نحو المزيد من الخسائر الاقتصادية، فعلى سبيل المثال ستكون الشركات الإيرانية وفقا لقرار "التصنيف" ملزمة عند محاولتها الاستثمار خارجيا بتقديم ما يثبت عدم صلتها بالحرس الثوري، وفي المقابل أيضا سيكون على الشركات الأجنبية في تعاملاتها مع إيران  توخي الحذر من أن تتم هذه التعاملات من خلال "الحرس" أو إحدى شركاته التابعة، وإلا ستكون في مرمى العقوبات الأمريكية.

 


التعليقات

  1. عبدالله العثامنه ١٧ أبريل ٢٠١٩ - ١٢:٥١ ص

    الحرس الثوري: غسل الأموال؛ استقذرته الأجيال.

اضف تعليق