مع الصحابة في رمضان: عثمان بن عفان


٢٩ مايو ٢٠١٧ - ٠٩:١١ ص بتوقيت جرينيتش

إعداد - حسام السبكي

مع ظهور الإسلام، وبعثة النبي المصطفى محمد صلى عليه وسلم بالرسالة، كان لابد للدين الجديد من ظهرٍ يحميه وأتباعٌ يؤمنون به ويصدقون بما جاء على لسان رسوله، كما هي العادة في مختلف الأديان السماوية، وكان في صدارة هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فهما خيارُ الأُمة، وأكثر من وردت في فضائلهم أحاديث نبوية شريفة، وعن طريقهم وصل الدين الصحيح إلى المسلمين حتى الآن، وعليه كان اهتمامنا في هذا الشهر الكريم بتسليط الضوء عليهم، من خلال سلسلة متتابعة، مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان.

عثمان بن عفان

هو "ذو النورين"، نظرًا لزواجه من ابنتي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، رقية ثم أم كلثوم، وهو الكريم الجواد، وهو من أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تستحي منه، وهو القوي، الوديع، الهادئ، الصابر، العفو، المحسن، السخي، المواسي للمسلمين في مصائبهم، والمعين للمستضعفين في نوازلهم، وكلها صفات شهد له بها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه الصحابي الجليل، عثمان بن عفان، ثالث الخلفاء الراشدين، وثالث الذين بشرهم النبي صلوات ربي وتسليماته عليه بالجنة.

الاسم والميلاد وتاريخ الدخول في الإسلام

هو عثمان بن عفَان بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي، ولد عثمان بن عفّان في الطّائف بعد عام الفيل بستّ سنوات.

دخل عثمان بن عفان في الإسلام في عمر التاسع والثلاثين، على يد الصحابي الجليل أبي بكرٍ الصديق، رضي الله عنه وأرضاه، وهو من الرعيل الأول ومن أوائل من اعتنقوا الدين الإسلامي، ليبدأ عهدًا جديدًا من مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في جميع غزواته، فيما عدا "غزوة بدرٍ"، حيث كانت زوجته رقية مريضة، فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الخروج، والبقاء مع زوجته، إلا أنه صلى الله عليه وسلم أعده من شهود بدر، ومنحه صلوات ربي وتسليماته عليه حصة من غنائمها.

وعن إسلام "عثمان بن عفان" رضي الله عنه أيضًا، فقد كان ثريًا وشريفًا في الجاهلية، وقد أسلم بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقيل، ولذا عُد من السابقين الأولين إلى الإسلام، كما أنه أول من هاجر إلى الحبشة مع زوجته رقية بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الهجرتين الأولى والثانية.

وعثمان بن عفان هو أوّل من شيّد المسجد ، وأوّل من ختم القرآن في ركعة ، وكان أخوه من المهاجرين "عبد الرحمن بن عوف" ومن الأنصار "أوس بن ثابت" أخا "حسّان بن ثابت" شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم.

وعن إسلامه رضي الله عنه، قال عثمان: " ان الله عزوجل بعث محمداً بالحق، فكنتُ ممن استجاب لله ولرسوله، وآمن بما بُعِثَ به محمدٌ، ثم هاجرت الهجرتين وكنت صهْرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبايعتُ رسول الله فوالله ما عصيتُه ولا غَشَشْتُهُ حتى توفّاهُ الله عز وجل ".

صفات عثمان بن عفان الجسدية والخُلقية

وصف عثمان بن عفان رضي الله عنه بغير الطويل ولا القصير، وكانت لحيته كثيفة وعظيمة، وكان يصبغها باللون الأصفر، كان عظيم المنكبين، كثيف الشعر، أقنى طويل الأنف مع دقة أرنبته، ضخم الساقين، طويل الذراعين، حسن الوجه.

أما عن صفاته الخُلقية رضي الله عنه وأرضاه، فقد عُرف عثمان بالكرم ولين الطبع، كما اشتهر بالحياء الشديد، فقد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف حين قال: "ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة"، أما عن فضله فقد قال عنه ابن عمر رضي الله عنهما: " كنا في زمن النبي لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثمّ عثمان، ثمّ نترك أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم لا نفاضل بينهم".

خلافة عثمان بن عفان

عثمان بن عفان هو ثالث الخلفاء الراشدين، بعد أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما، وقد بايعه المسلمون بالخلافة بعد مقتل عمر بن الخطاب على يد أبو لؤلؤة المجوسي الفارسي، في سنة 23 هجرية.

وفي يوم استخلافه على المسلمين، خطب عثمان بن عفان في الناس، فقال فيها: " أمّا بعد ، فإنَّ الله بعث محمداً بالحق فكنت ممن استجاب لله ورسوله ، وهاجرت الهجرتين ، وبايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، والله ما غششْتُهُ ولا عصيتُه حتى توفاه الله ، ثم أبا بكر مثله ، ثم عمر كذلك ، ثم استُخْلفتُ ، أفليس لي من الحق مثلُ الذي لهم ؟!".

أهم الأعمال والإنجازات في عهد عثمان بن عفان

لعثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه العديد من جوانب الخير، نذكر منها:

*جمعه للمسلمين على قراة القرآن بلغته العربية:

 فبعد أن انتشر الإسلام، ودخل في الإسلام أقوام من غير العرب، خُشي من اختلاف الناس في قراءة القرآن وتحريف شيء منه لفظاً أو أداءً، فأشار حذيفة بن اليمان على عثمان، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، وأمر عثمان بنسخ القرآن بلسان عربي، ثمّ أرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخ، وأمر بحرق كل صحيفة مما سواه من القرآن.

* تأسيس البحرية الإسلامية:

شهد عهد عثمان بن عفان أقوى أسطول بحري إسلامي، ويرجع الفضل بعد الله في إنشائه إلى والي الشام "معاوية بن أبي سفيان"، والذي استأذن الخليفة "عثمان بن عفان" في تأسيس أسطول بحري ليصد غارات الأسطول البيزنطي، فسمح له بذلك، وبهذا تمكن معاوية من فتح جزيرتي قبرص ورودس في البحر المتوسّط، وانتصر كذلك الأسطول الإسلامي على الأسطول البيزنطي عام 34هـ، في معركة ذات الصواري قرب الإسكندرية، بالرغم من أن الأسطول الإسلامي أقل عدداً وتجهيزاً من الأسطول البيزنطي.

*الفتوحات الإسلامية:

شهدت الفتوحات الإسلامية في عهد عثمان بن عفان أوج قمتها وعزها، فقد فتح الله على يده العديد من البلاد المختلفة، ففتح المغرب وبلاد نوبة جنوب مصر، وصولاً إلى تونس حيث اصطدم المسلمون هناك بالروم، فهزموهم وأصبحت المنطقة من برقة إلى تونس ضمن البلاد الإسلامية، كذلك فتح بلاد فارس، فامتدت رقعة الدولة الإسلاميّة وصولاً إلى بحر قزوين في آسيا.

*اتساع جوانب الخير:

ففي عهد الخليفة عثمان بن عفان انبسطت الأموال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها ، وفرس بمائة ألف ، ونخلة بألف درهم ، وحجّ بالناس عشر حجج متوالية.

مقتل عثمان بن عفان

إذا كان الخطأ من طبائع البشر، فعثمان بن عفان رضي الله عنه، وإن كان من خير البشر، إلا أنه أخطأ خطئًا، أدى في النهاية إلى مقتله، ومن وقته، فتحت على المسلمين أبواب من الفتنة، لم تغلق حتى الآن.

ويعود سبب الفتنة التي وقعت في عهد عثمان، والتي أدت إلى الخروج عليه وقتله أنه كان كلف بأقاربه وكانوا قرابة سوء، وكان قد ولى على أهل مصر عبدالله بن سعد بن أبي السّرح فشكوه إليه ، فاستبدله بعد ذلك بمحمد بن أبي بكر الصديق، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لإرضائهم، واندلعت نيران الفتنة، وأراد أصحاب الفتنة والأمصار الضّرر والشّر بالخليفة عثمان بن عفّان رضي الله عنه، فحاصروه وهو في منزله مع زوجته نائلة، ومنعوا عنه الماء، وكان ذلك في شهر رمضان المبارك؛ حيث كان صائماً، وعندما وصل الخبر لعلي بن أبي طالب، أمر الحسن والحسين بإرسال ثلاث قربٍ مملوءةٍ بالماء إليه، حيث كان مرابطاً وصابراً اقتتداءً وبقاءاً على عهد الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، لكنّ أصحاب الفتن تمكّنوا منه ودخلوا عليه، بينما كان يقرأ القرآن الكريم، فقتلوه ومات شهيداً، وهو بعمر التّسعين، رضي الله عنه.

ومما روي في وقائع مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن اجتمع نفر من أهل مصر والكوفة والبصرة وساروا إليه ، فأغلق بابه دونهم ، فحاصروه عشرين أو أربعين يوماً ، وكان يُشرف عليهم في أثناء المدّة ، ويذكّرهم سوابقه في الإسلام ، والأحاديث النبوية المتضمّنة للثناء عليه والشهادة له بالجنة ، فيعترفون بها ولا ينكفّون عن قتاله !! وكان يقول :( إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عهد إليّ عهداً فأنا صابرٌ عليه ) ( إنك ستبتلى بعدي فلا تقاتلن ).

وعن أبي سهلة مولى عثمان : قلت لعثمان يوماً :( قاتل يا أمير المؤمنين ) قال :( لا والله لا أقاتلُ ، قد وعدني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمراً فأنا صابر عليه ).

وأشرف عثمان على الذين حاصروه فقال :( يا قوم ! لا تقتلوني فإني والٍ وأخٌ مسلم ، فوالله إن أردتُ إلا الإصلاح ما استطعت ، أصبتُ أو أخطأتُ ، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعاً أبداً ، ولا تغزوا جميعاً أبداً ولا يقسم فيؤكم بينكم )، فلما أبَوْا قال :( اللهم أحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تبق منهم أحداً )، فقتل الله منهم مَنْ قتل في الفتنة ، وبعث يزيد إلى أهل المدينة عشرين ألفاً فأباحوا المدينة ثلاثاً يصنعون ما شاءوا لمداهنتهم.

وكان مع عثمان -رضي الله عنه- في الدار نحو ستمائة رجل ، فطلبوا منه الخروج للقتال ، فكره وقال :( إنّما المراد نفسي وسأقي المسلمين بها ) فدخلوا عليه من دار أبي حَزْم الأنصاري فقتلوه ، و المصحف بين يديه فوقع شيء من دمه عليه ، وكان ذلك صبيحة عيد الأضحى سنة 35 هجرية في بيته بالمدينة.



اضف تعليق