المعارضة والانزواء والسقوط الكبير.. مصير الخاسرين في انتخابات الكنيست


٢٧ أبريل ٢٠١٩ - ٠١:٥١ م بتوقيت جرينيتش

  رؤية - محمد عبدالدايم

شكلت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة نقطة مفصلية في التاريخ الإسرائيلي القصير، لم تختلف النتيجة الإجمالية بشكل عام عن استطلاعات الرأي، ولم يكن أي من المراقبين يتوقع مثلا نتيجة يسارية مفاجئة تزيح أحزاب اليمين عن الصورة، لكن هذه الانتخابات كتبت عقد انطلاق جديد لأحزاب اليمين عموما، واليمين الديني خصوصًا ممثلا في الحريديم.

بعد تكليف رئيس إسرائيل رؤوفين ريبلين؛ بدأ بنيامين نتنياهو رئيس حزب هاليكود مفاوضاته لتشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، حكومة يمينية بالكامل، بينما سيجلس تكتل كاحول لافان في صفوف المعارضة، للمرة الأولى بالنسبة لزعيمه بيني جانتس وبعض أعضائه، وبجانبهم يجلس الأعضاء الستة الذين استطاعوا الوصول للكنيست عبر حزب هاعفودا، إضافة إلى 10 أعضاء عن القائمتين العربيتين.

كاحول لافان

عندما قرر رئيس أركان الجيش سابقا بيني جانتس الدخول إلى عالم السياسة اعتبره البعض "حصان طروادة" والمخلص الذي يمكن أن يكون واجهة جديدة قوية للحكومة الإسرائيلية بعد سنوات من تسيد بنيامين نتنياهو مُحملا بقضايا فساد تخصه وتخص عائلته.

ضم بيني جانتس معه رئيسين سابقين للأركان هما موشيه يعلون وجابي أشكنازي إضافة إلى المذيع السابق ورئيس حزب ييش عاتيد يائير لابيد، ليحقق تكتلهم كاحول لافان نتيجة مساوية لحزب هاليكود، بالاستحواذ على 35 مقعدًا في الكنيست.

رغم ذلك لم يستطع التكتل الجديد اقناع رئيس الدولة رؤوفين ريبلين بتكليفه بتشكيل الحكومة، لأن الأمر الواضح أن أحزاب اليمين تقف بكل قوتها خلف بنيامين نتنياهو، وهذا أهم أسباب فشل كاحول لافان، أن التكتل "اليميني" الجديد لم يقنع جمهور اليمين وأحزابه بأحقيته، خصوصًا وأن أحزاب اليمين، والحريديم منهم تحديدًا-  على خلاف كبير مع شخص يائير لابيد تحديدا، ومن هنا لا تجد قيادات هذه الأحزاب غضاضة في أن يكون رئيس الوزراء متهما بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، فالمهم هو تحقيق أجندتها الخاصة، وهذه الأجندة لم يصرح بيني جانتس يومًا باستعداده للموافقة عليها.

تركزت حملة كاحول لافان في التشكيك بنزاهة نتنياهو، ومحاربة شخصه، والترويج لقضية فساده المالي، دون التركيز على برنامج سياسي مختلف، والأهم من هذا أن أفراد التكتل لم يستطيعوا إزالة تهمة الانتماء لليسار، وهي التهمة التي وجهها لهم نتنياهو وحزبه على مدار عملية الدعاية الانتخابية، ليصبح الانتماء لليسار خطيئة للمتبارين في السياسة الإسرائيلية، مع التأكيد بأن تحالف يضم ثلاثة رؤساء أركان جيش سابقين ورئيس حزب يميني بالتأكيد لا يرفعون شعارات اليسار.


ليفني وأفيقسيس: غروب وغياب

مع تحرك بيني جانتس في المفاوضات مع لابيد ويعلون وأشكنازي؛ ترفعوا جميعا عن الارتباط في تحالف مع تسيبي ليفني رئيسة حزب هاتنوعا، أو أورلي ليفي أفيقسيس رئيسة الحزب الجديد جيش، وهو تحالف كان من الممكن أن يعضد قوة كاحول لافان من جهة، ويساعد ليفني وأفيقسيس من ناحية أخرى، لكن في النهاية آثر زعماء التحالف البعد عن ليفني وأفيقسيس خشية إغضاب الأحزاب اليمينية وفقدان الأمل في التحالف معها، ومع ذلك لم يكسب كاحول لافان شيئا من إبعاد ليفني التي قررت عدم الدخول في الصراع الانتخابي هذه المرة بعد أن أفادت استطلاعات الرأي عدم تمكن حزبها هاتنوعا من عبور نسبة الحسم ودخول الكنيست، لتركن ليفني أخيرًا إلى الظل بعد مسيرة سياسية في هاليكود، وكاديما، ثم هاتنوعاه، والتحالف مع حزب هاعفودا في تكتل المعسكر الصهيوني، والآن تنظر إلى النتائج من بعيد، فيما تفيد الشواهد إلى انتهاء مسيرتها السياسية.

أما أورلي ليفي أفيقسيس فكان البعض يعدها مفاجأة الانتخابات، ومع اقتراب لحظة الحسم في 9 أبريل ظهر واضحًا أنها أسست حزبًا بلا أيديولوجية واضحة، فلم تكسب شعبية ترجح بها كفتها، وكان التحالف مع كاحول لافان طريقها الوحيد لدخول الكنيست، لكن أبى جانتس ورفاقه اصطحابها معهم.


هاعفودا.. جفاي والتراجع الكبير

حزب هاعفوداه تحت رئاسة آفي جفاي نال خسارة كبيرة، الحزب اليساري الصهيوني الأقدم أصبح متقزمًا، ولم ينل سوى 6 مقاعد في الكنيست، وهي نتيجة قاسية لا تتناسب مع تاريخ الحزب، ولكنها لم تكن مفاجئة، لأن المؤشرات السابقة على الانتخابات كانت تؤكد أن الحزب يعاني منذ سنوات، ويعاني أكثر مع جفاي، الذي جعل وضع الحزب أسوأ بحل تحالف المعسكر الصهيوني قبيل الانتخابات، إلى جانب تراجع المؤيدين له من قواعد الحزب، ومن الجمهور الإسرائيلي بشكل عام.


مؤخرًا، بعد صدور نتيجة الانتخابات، قرر آفي جفاي تقديم موعد الانتخابات التمهيدية في الحزب لتعقد خلال الشهور المقبلة، ومن المتوقع ألا ينافس مجددا على رئاسة الحزب بعد الخسارة الكبيرة في الانتخابات، فالحصول على 6 مقاعد فقط مقارنة بـ 24 مقعدًا في انتخابات 2015 هي خسارة كارثية، وبالتأكيد يتبعها مراجعة داخلية وتصفية حسابات، ولم يتردد سكرتير عام الحزب عيران حرموني في إلقاء اللوم على جفاي ودعوته لتحمل مسئولية السقوط الكبير للحزب والاستقالة من منصب الرئيس.

في مقابلة مع صحيفة معاريف؛ قال الوزير الإسرائيلي السابق حييم رامون، الذ كان عضوًا  بحزب هاعفودا إن تكتل كاحول لافان سار على درب حزب هاعفودا، فرغم أن التكتل يضم ثلاثة رؤساء أركان سابقين، فإنه – مثل حزب هاعفودا – ركز فقط على الترويج بأن نتنياهو فاسد، وهذا لم يؤثر عل الجمهور الإسرائيلي في معظمه، لأنه يؤمن بأن معظم السياسيين فاسدون أصلا،  فالفساد لا يشكل فارقًا في هذه الحالة، لأن الجماهير في إسرائيل يمكن أن تتغاضى عن الفاسد إذا ما عبّر عنها، ونتنياهو يعبر عن تمسكه بكل الأراضي التي احتلها إسرائيل، ويمحو أي أثر لاتفاق أوسلو، وهذا هو المهم للمواطن الإسرائيلي، إلى جانب التطور الاقتصادي.

أما عن حزب هاعفودا، الذي كان أحد أعضائه البرازين قبل أن ينضم عام 2005 إلى شارون في حزب كاديما؛ فقد صرّح رامون بأنه انتهى ومات، وهو الرأي ذاته الذي عبر عنه سابقًا قبل الانتخابات أفراهام بورج الرئيس الأسبق للحزب، الذي يرى ضرورة تنحية آفي جفاي، وعودة عمير بيرتس مجددًا، أو من الأفضل إخلاء الساحة السياسية من حزب هاعفودا ومعه حزب ميرتس اليساري، في مقابل تدشين كيان سياسي جديد، لأن هاعفودا أصبح "كالحيوان الأليف الذي دهسته سيارة في الطريق العام، فينبغي إخلاء الطريق منه ومن ميرتس".


ركلة قوية تطرد بينط وشاقيد

الضربة الكبيرة تلقاها الثنائي نفتالي بينط وأييلت شاقيد، وزير التعليم السابق ووزيرة القضاء في حكومة نتنياهو، بعدما تخليا عن حزبهما هابيت هايهودي، وأسسا معا حزب هايمين هاحداش، في حركة تمرد على الحزب اليميني الذي تزعماه ووصلا به إلى الكنيست.

هزيمة نفتالي وشاقيد ألقت بهما خارج الكنيست، بعد أن كانا يأملان في الحصول على وزارتي الدفاع لنفتالي والقضاء لشاقيد في الحكومة الائتلافية الجديدة برئاسة نتنياهو، لكن التيار الجديد للصهيونية الدينية قد تلقى ضربة قاصمة بعدم نجاح الثنائي في تجاوز نسبة الحسم ودخول الكنيست.

منذ ظهوره على الساحة السياسية؛ وضح أن نفتالي يرسخ لتسيد الصهيونية الدينية على مؤسسات إسرائيل بدلا من الصهيونية العلمانية، ورغم أن الأخيرة كانت سائدة منذ 48 ولمدة 20 عامًا تقريبا؛ فإن الصهيونية الدينية بدأت في الظهور بعد 67 باعتبارها " رائدة الاستيطان الجديد".

ينبثق حزب هابيت هايهودي عن حزب المفدال التاريخي، وهو الحزب الديني اليهودي اليميني المتطرف، الذي تأسس عام 56، وسعى نفتالي بينط وأييلت اقيد لاستمرار المسيرة عبر تدشين حزب هايمين هاحداش، لكنهما فشلا فشلا كبيرًا، وهذا الفشل لا يعني أن تيار الصهيونية الدينية بكامله قد سقط على أيديهما، فليس حزبا هايمين هاحداش  وهابيت هايهودي الممثلين الوحيديْن لهذا التيار، بل تتغلغل الصهيونية الدينية في  حزب هاليكود نفسه، رغم أنه حزب يميني علماني، لكن كان من الواضح أن نفتالي بينط وأييلت شاقيد يمثلان الجبهة السياسية المتقدمة للصهيونية الدينية في الوقت الحالي، ويسعيان لتمرير مشروع سياسي صهيوني مؤدلج دينيًا.

قام نفتالي بينط، حينما حمل حقيبة التعليم، بالسيطرة على مجلس التعليم العالي، وكبح الليبرالية العلمانية في مقابل إفساح المجال لمشروع "تديين" مؤسسات التعليم والمناهج التدريسية، وانتهاء بتأسيس جامعة للمستوطنين. أما شاقيد، حينما كانت وزيرة للقضاء، فقد صممت على إضعاف سلطة المحكمة العليا، والتدخل لتعيين المزيد من القضاة المحافظين.

من بين الخاسرين كذلك حزب ميرتس الذي فاز بأربعة مقاعد فحسب في الكنيست، لكنها نتيجة طبيعية لحزب يساري "وحيد" في إسرائيل، بينما تراجعت نتائج القائمتين العربيتين بسبب تفككهما وتحولهما إلى قائمتين متنافستين بدلا من قائمة متحدة على غرار الانتخابات السابقة.

هذه المعطيات تشير إلى تسيد اليمين الإسرائيلي وحزب هاليكود الذي استطاع اجتذاب الجمهور الإسرائيلي في معظمه، بينما فشل هؤلاء المنافسون، رغم أن معظمهم يحملون الأجندة السياسية ذاتها.





اضف تعليق