بريطانيا.. نقلة نوعية في طريقة تعاملها مع التطرف والإرهاب


٠٥ يونيو ٢٠١٧ - ٠٧:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد
 
الإرهاب يضرب العاصمة البريطانية وللمرة الثالثة خلال ثلاثة أشهر، في مشهد بدأ يتكرر في لندن وفي عواصم أوروبية أخرى، ضمن فرضية الإرهاب الإسلاموي، ذلك عندما شهدت لندن يوم 3 يونيو 2017 اعتداءين إرهابيين وقع الأول على جسر لندن، بعدما دهست سيارة شحن صغيرة المارة وأصابت عددا منهم. في حين وقع الاعتداء الآخر في منطقة بورو ماركت وكان طعنا بسكين، مما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل وإصابة العشرات. وقتلت الشرطة المهاجمين  الثلاث بالرصاص في منطقة بورو ماركت قرب الجسر.

أشارت تيريزا ماي، رئيسة الحكومة البريطانية في أعقاب حادثة جسر لندن الإرهابية، في خطابها، إلى أن كل الهجمات يجمعها فكر خبيث هو تحريف للإسلام وتحريف للحقيقة، مشيرة إلى أنه ورغم عدم وجود رابط مشترك بين هذه الهجمات إلا أن هناك إيديولوجية توحدها. وشددت ماي في كلمتها أيضا على ضرورة القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا والعراق.

ويثير تكرار الحديث عن “الإسلام المتطرف”، في كلمة رئيسة الوزراء البريطانية الأخيرة، التوقعات لدى العديد من المراقبين من أن السلطات البريطانية، ربما تكون على أبواب نقلة كبيرة في طريقة تعاملها مع التطرف الذي تعاني منه داخل البلا. وقالت ماي: إن “التسامح مع الإرهاب في المملكة المتحدة ذهب بعيدا”، متوعدة بتصعيد الحرب على ما وصفته بإرهاب” المتطرفين الإسلاميين” ومضيفة ”لقد طفح الكيل".



النتائج

توقيت عملية جسر لندن: جاء توقيت تنفيذ العملية، هذه المرة مع قرب الانتخابات التشريعية العامة في بريطانية التي تصادف يوم 8 يونيو 2017، وهذه العملية، تذكرنا بتوقيت تنفيذ عملية باريس الإرهابية، عندما وقع هجوم في العاصمة الفرنسية باريس يوم 21 أبريل 2017 وقتل فيه شرطي وأصيب آخران، قبل أيام من الانتخابات الفرنسية العامة. تداعيات هجوم باريس صب في صالح اليمين المتطرف، والذي حصل على أكبر عدد من الأصوات لم يحصل عليها في حملاته الانتخابية السابقة، رغم عدم فوزه في الانتخابات الأخيرة.

حادثة جسر لندن ممكن أن تصب لصالح رئيسة الحكومة البريطانية وربما لصالح اليمين المتطرف، في ظل المزاج المتوتر للناخب البريطاني، فانه يعطي صوته، الى الاحزاب والمرشحين الذين يدعون الى اتخاذ اجراءات صارمة ضد التطرف الاسلاموي وربما ضد الاجانب والمسلمين، وهذا مابات متوقعا ان تصب العملية لصالح تيريزا ماي.

نمط جديد من العمليات الارهابية : تعودنا على تكرار سيناريو شخص واحد، ينفذ بمفرده عمليات ارهابية، ان كان مرتبط  بتنظيم داعش او ان ينفذ عملية من وحي التنظيم، لكن هذه المرة، ان يشترك ثلاث اشخاص، نمط جديد، وغير مستبعد ان يكونوا من عائلة واحدة، ان صح التوقع، فانه يعيد سيناريو  "الأخوين كواشي" في حادثة شارلي ايبدو في باريس خلال شهر فبراير 2015. التنظيم يعتمد شخص واحد، من اجل الحفاظ على السرية.

حديث رئيسة الحكومة البريطانية ماي يدعم ذلك عندما اكدت في خطابها، ان العمليات الاخيرة التي وقعت هي غير مترابطة ونمط جديد لتنظيم داعش.

استخدمت رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي عبارة “الإسلام المتطرف" وهذا خطأ جديد تقع به رئيسة الحكومة، كون ينبغي عليها التفريق مابين الاسلام، والارهاب المتأسلم او الجماعات الاسلاموية التي تتخذ الدين ستار لعملياتها الارهابية، والتي تلحق الضرر بالمسلمين مثلمل تلحق الضرر بغيره من الاديان والطوائف.



استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب

من المتوقع أن تعتمد بريطانيا استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب ومحاربة التطرف تقوم على:
ـ اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في تعاملها مع الجماعات الإسلاموية المتطرفة، واعتماد قوانين أكثر شدة في محاكمة المطلوبين للقضاء في قضايا جنائية أو عمليات إرهابية منظمة.

ـ تسريع إنجاز التحقيقات في قضايا الإرهاب والجنائيات، وذلك من خلال زيادة أعداد العاملين في التحقيقات والتحري.

ـ تعزيز نشر الشرطة ووحدات من الجيش في المناطق السياحية والمنشآت المهمة في بريطانيا، وتسليح الشرطة البريطانية، باسلحة ومعدلت تمكنها من التعامل مع اي عمل ارهابي محتمل والتحرك بسرعة. حادثة جسر لندن الاخيرة يوم 2 يونيو 2017، عكست قدرة الشرطة البريطانية ونجاحها بالتعامل مع العمليات الارهابية، عندما تمكنت الوصول الى مكان الحادث خلال ثمان دقائق، وهو وقت قياسي.
ـ نشر القوات على الارض وعسكرة الامن، لايمنع وقوع عمليات ارهابية مشابهة، بقدر ما يحد من حجم الخسائر الناتجة.

 فان عدم وصول الشرطة الى مكان الحادث، ممكن ان يدعم الجماعات الارهابية، بالحاق خسائر وسقوط ضحايا اكثر، وربما مطاولتهم في حجز رهائن.

ـ اتخاذ سياسات بريطانية جديدة في رصد ومتابعة الدعاية المتطرفة على الانترنيت، ومحاولة بريطانيا ايجاد بروتوكولات مع محركات الانترنيت، من اجل حذف عناوين ومحتويات التطرف والارهاب.
ـ فرض مراقبة شديدة على المطلوبين والعائدين من القتال في سوريا والعراق، هناك اكثر من 1000 بريطاني داخل تنظيم داعش، وعاد منهم مايقارب 400 عنصر غالبيتهم يتحركون بحرية داخل بريطانيا، لعدم وجود شواهد وادلة قضائية باحتجازهم، وهذا يعني انهم يعتبرون عناصر خطرة، تهدد امن بريطانيا، ويعتبرون قنابل موقوته داخل المجتمع البريطاني.
هناك أيضا مجموعة كبيرة من المقاتلين الإرهابيين الأجانب في صفوف تنظيم "داعش" في ليبيا الذين يمكن أن يحاولوا استخدام جنسياتهم أو روابطهم الأسرية للعودة إلىأوروبا، ولفت التقرير إلى ضرورة التعاون مع دول العبور وهي تركيا ولبنان والأردن، وخصوصاً "تعزيز الحوار مع تركيا" لوضع إجراءات بشان الأوروبيين العائدين منمناطق النزاع.
 
ـ تعزيز التعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة واوروبا وكذلك بين مجمع اجهزة الاستخبارات البريطانية والشرطة.

تقارير الاستخبارات البريطانية ذكرت بان الاستخبارات تراقب عن كثب 3000 عنصر خطر ضمن فرضية الارهاب الاسلاموي، بينما تقارير اخرى ذهبت الى ابعد من ذلك ليصل العدد الى اكثر من 7000 متطرف اسلاموي داخل بريطانيا.

ان مراقبة شخص واحد يحتاج على الاقل 25 فردا من عناصر الاستخبارات، وهذا يعني ان الاستخبارات البريطانية، في هذه الحالة لا تستطيع ان تراقب جميع العناصر الخطرة، وهذا مايدفع بريطانيا الى تعزيز ميزانية الامن ومصادره البشرية، في ظل التهديدات القائمة وبعد خروجها من الاتحاد الاوروبي.

ـ منح اجهزة الشرطة والاستخبارات صلاحيات اكثر: حصلت الاستخبارات البريطانية على صلاحيات اكثر خلال نهاية عام 2015، بشرعنة قانون مكافحة ارهاب جديد، يمنح الصلاحيات للشرطة والى الاستخبارات، باجراء فحوصات وعمليات تعرضية ضد المشتبه بهم، ومنها حق حجز المشتبه بهم الى فترة تصل الى ثلاثين يوما. وهذا يعني ان الحكومة البريطانية الجديدة ستبحث الحصول على صلاحيات اكثر مابعد الانتخابات في سياق منح اجهزتها صلاحيات اوسع، وابرزها سحب الجنسية من مزدوجي الجنسية، وابعاد بعضهم وترحيل الاجئين المرفوضة طلباتهم.

ان التهديدات الامنية الى بريطانية في الغالب هي تهديدات داخلية، التقارير كشفت بان مايقارب 75 من العمليات الارهابية التي تم تنفيذها في بريطانيا، كانت من الداخل، يجدر ان تنظيم داعش، سرح اعداد كبيرة من المقاتلين الاجانب من سوريا والعراق بعد تعهدهم بتنفيذ عمليات ارهابية في اوطانهم ، اوربا.

بات متوقعا ان مثل هذا النوع من العمليات سوف يضرب بريطانيا وعواصم اوروبية خلال هذا العام 2017، ضمن استراتيجة جديدة لتنظيم داعش باستهداف عواصم اوروبية، لايجاد ضغط على الحكومات الاوروبية، بتقليل فاعلية مشاركتها داخل التحالف الدولي، وكسب انصار جدد من داخل اوروبا، من خلال الدعاية والخطاب المتطرف، هذه العمليات، تسلب قلوب الشباب، وتعطيهم حماس اكثر وسط تغطية وههج اهلامي واسع. التنظيم ينفذ عملياته في مناطق سياحية مفتوحة ومناطق رخوة ومع توقيتات عقد مناسبات من اجل الحصول على الاستقطاب الاعلامي.
 
التوصيات
 
ماتحتاجه بريطانيا في هذه المرحلة، هو اعتماد سياسات جديدة في محاربة التطرف، قبل مكافحة الارهاب، الى جانب الارهاب الظاهر الذي يتحرك على الارض في بريطانيا على شكل عمليات ارهابية وانتحاريين، هناك جماعات اسلاموية متطرفة من السلفية والاخوان ـ تقارب وتحالفات بين الجماعتين ـ تقوم بنشر الفكر المتطرف وسلب عقول الشباب من خلال المنابر وجمعيات تحت مسميات متعددة، لتتحول الى تهديد اكثر خطورة الى المجتمع البريطاني يهدد المجتمع، الاسرة والمدرسة والماهج التربوية، خارج المعايير.يبدو ان استراتيجية بريطانيا، ادركت هذه المخاطر بشكل متاخر، وهذا مابات متوقعا في استراتيجية تيريزا ماي الجديدة في مكافحة الارهاب.
 
*باحث في قضايا الإرهاب والإستخبارات*




اضف تعليق