بينالي القاهرة الدولي يستعيد تراث الشرق ويحيي أساطيره


١١ يونيو ٢٠١٩ - ١٠:٢٨ ص بتوقيت جرينيتش

شيرين صبحي – هدى إسماعيل

صوت حفيف أشجار النخيل، وطعم البيوت القديمة، أو البيوت المهدمة تحت القصف المستمر في بعض بلادنا العربية، أفلام تروي قصص النكبة، أو تصور بشاعات ما حدث في سجن أبو غريب، مدافع دبابات وضباع تلتهم الجثث، وجوارهم يقف دروايش يحنون رؤوسهم.  

امرأة تجلس على كرسي وحيد وسط غرفة في بيت مهجور، ونجفة سقف تكومت على الأرض. تبدأ المرأة بصب الماء على رأسها رويدا، ثم تحمل جردل المياه إلى الخارج، ثم تعود لتضع قناعا من قماس حول وجهها وتدور تنثر الدقيق على الأرض؛ لتصور لنا سبع دوائر تدور داخلها النساء على مر تاريخهن.

على صوت الموسيقى العالية، يفترش أحد الفنانين الأرض، تحيطه الشموع وروائح البخور المشتعلة، بينما يضع الرمال على جيتاره، يسويها وينفض الزائد منها، ثم ينثر فوقها المياه. وعلى بعد خطوات منه أواني قديمة لصنع الشاي، أو أشياء مهملة صغيرة للغاية تصنع بيتا جميلا من الخشب يعيدك إلى زمن ولى ولم يعد.

إنها بعض الأعمال المشاركة في بينالي القاهرة الدولي الذي يعود بعد توقف 8 سنوات، بمشاركة 78 فنانا يمثلون اتجاهات ومدارس فكرية وفنية مختلفة، من 52 دولة، يتجهون بأنظارهم نحو الشرق. ذلك الشرق الذي أصبحت عينه على المستقبل، حاملا في ذاكرته حنينا وشوقا إلى موروث حضاري ضخم متراكم.

يحمل البينالي هذا العام عنوان "نحو الشرق"، وكأنه يحاول الإشارة إلى العالم القديم، نحو مهد الحضارات الإنسانية، إلى موطن قيام أول حضارة بشرية، نحو أقوى وأشهر الحضارات، نحو مهد الديانات السماوية، نحو قبائل وأعراف وأجناس بعاداتها وفنونها وتراثها.
 
في بدايات القرن الماضي، كان هناك ولع وشغف بالشرق، عاداته وتقاليده، طبائع سكانه، عمارتهم وأزيائهم، وهو ولع ربما جنح قليلا نحو الاستشراقية، أو مال بعض الشيء تجاه النظرة الغرائبية، لكنه على أية حال ولع حقيقي وملهم.





وتحتضن قاعات قصر الفنون، متحف الفن الحديث، ومجمع الفنون بالزمالك، أعمال البينالي الذي حضر افتتاحه الفنان فاروق حسني وزير الثقافة الاسبق، وعمرو موسي أمين عام جامعة الدول العربية الأسبق، وعددا من السفراء العرب والأفارقة والأجانب.

وقالت د. إيناس عبد الدايم، وزيرة الثقافة، إن عودة البينالي تؤكد ريادة مصر وتعكس مكانتها وأهميتها في قلب العالم، ويعكس إيمان الوطن بالدور الهام للقوى الناعمة في مد جسور التواصل مع دول العالم وقدرتها على تطوير المجتمع والارتقاء بالسلوك.

وأضافت أن الأعمال الفنية المشاركة تخاطب العالم من خلال فنونها التى برعت فيها منذ فجر التاريخ حيث تمتعت بالسبق في مجال التشكيل، ويشهد على ذلك عظمة الآثار الفرعونية التي توارثتها الأجيال من معابد ومنحوتات وصروح ما زالت تحتفظ بالكثير من رونقها.

من جانبه قال د. خالد سرور رئيس قطاع الفنون التشكيلية، إن عودة البينالي ترسم صياغة عصرية للحلم وللتاريخ على أرض انصهرت فوقها حضارات وثقافات متعددة، ومازالت تفتح ذراعيها للإبداع والمبدعين من كل مكان.

ويحل الفنان الفرنسي جيرار جاروست، ضيف شرف الدورة الثالثة عشرة لبينالي القاهرة الدولي، وهو أحد رواد الحركة التشكيلية الفرنسية، مصور ونحات شهير، ويقدم في البينالي ثمانية أعمال من أعماله التصويرية.

تبدو لوحات جاروست، مزعجة أحيانا ومبهجة حينا، حيث يظهر فيها حشد من الحيوانات بعضها خيالي، ومجموعة من الشخصيات المختلفة. حيث اعتاد أن يستلهم أعماله من الكتاب المقدس، الثقافة الشعبية، وعمالقة الأدب مثل ثربانتس ورابليه.

وجاروست مهووس بأصول ثقافتنا، والأساطير، وما خلفه لنا القدامى من موروثات. وكانت حياته هي نقطة انطلاق أعماله في تفكيك الصور والكلمات، وافتنانه بالمسائل ذات الأصالة والزمن والنقل من التراث. وتولد لوحاته من تداعي الأفكار.

زار جاروست مصر ثلاث أو أربع مرات، ويبلغ من العمر 73 عاما، وتزين أعماله قصر الإليزيه وكاتدرائية "إيفري" الفرنسية ومسرح "نامور" البلجيكي.

يقول جاروست إن الفن رابط قوي وطبيعي عابر للحدود والآفاق، وإن "الأحداث الدولية الكبيرة التي تقام بأنحاء العالم هامة من أجل تبادل الأفكار والرؤى الفنية، ونحن كفنانين نعرف الدول القوية من خلال إنتاجها الفني ومشاركاتها في المحافل الفنية الهامة والعكس صحيح".

وزادت قيمة جوائز "البينالي" هذه الدورة، واستحدثت جائزتان ليبلغ مجموع الجوائز 5 جوائز بدلاً من 3.

وتتشكل لجنة التحكيم برئاسة النمساوية فليسيتاس تون-هونشتاين وعضوية الفرنسية كاترين دافيد والأمريكية اميليا جونز والإسبانية تيريسا جرانداس والفرنسية أنابيل تينيز.

وكان "بينالي القاهرة" تأسس على يد وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني سنة 1984، وتوقف عقب الدورة الـ12 في ديسمبر/كانون الأول 2010.
























اضف تعليق