« Me Before You».. الأمير يفتح باب الحياة لسندريلا ويرحل


٠٦ مايو ٢٠١٧ - ١٠:٣٤ ص بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

"سأحكي لك قصة عن اثنين لم يكن مقدرا لهما أن يتقابلا، ولم يحبا بعضهما البعض كثير عندما تقابلا، لكنهما وجدا أنهما الشخصان الوحيدان اللذان كان بإمكانهما أن يفهما ما يريده الآخر."

الباب يفتح وتظهر «لويزا كلارك» حسناء ترتدي الأحمر، عينا الشاب الوسيم «ويل ترينور» تتعلقان بفتنتها الجذابة وضحكتها العذبة، حتى هنا ونحن أمام مشهد قد نكون رأينا في أفلام كثيرة، لكن المختلف أن الشاب مقعد على كرسي متحرك.

نعود للوراء قليلا، لنعرف كيف وصلنا للحظة الفستان الأحمر.

البلهاء والوحش الغاضب


فتاة خرقاء لا تجيد فعل شئ على الإطلاق، ولا تبدو مناسبة لشئ أكثر من باتريك الفتى الراكض الذي تواعده، لكنك لا تملك إلا أن تحبها، وتقع في غرام ضحكتها العفوية وحيويتها المفرطة النابعة من روح شابة لم ترتوي بعد، ولا ننسى خزانة ملابسها العجيبة، إنها فتاة ترتدي عواطفها، تسير مثل كتاب مفتوح لن تمل قراءته ابدا، لابد وأن تلفت نظرك إليها، ربما ليس فورا لكنك مؤكد ستعود لتلقي عليها نظرة ثانية.

حياة لويزا يمكن التنبؤ بها سلفا تعدها بعدد خطواتها من بيتها إلى محطة الأوتوبيس ثم المقهى التي تعمل به، ثم العكس في طريق العودة، لديها حبيب، يمكن أن نقول أن حياتها سعيدة، لكن ليس بضمير مرتاح، فتلك الشعلة التي تجعل لحياتنا معنى لم تضئ حياتنا بعد، حتى هذا الوقت يبدو الأمر تنويعا على فيلم «بريدجيت جونز» العانس سيئة الحظ، لرينيه زيلويجر.

يوم لويزا العادي لن ينتهي بشكل عادي هذه المرة، ستفصل من عملها، وتقع في مأزق فهي تشارك في الإنفاق على عائلتها، تغيب الابتسامة عن الوجه الجميل الذي يكفهر بانتظار المجهول.

قبل ذلك بفترة، كان الشاب موفور الصحة والطاقة الوسيم الثري، الذي يعد فرصة للأصدقاء والحبيبات، والشركات الكبرى، ينزل من بيته الأنيق بعد قبلة من حبيبته الجميلة ليركب سيارته الفارهة، لكن.. سائق دراجة نارية متهور ينهي كل ما سبق في لحظة.

"أحيانا لا نعلم أن عواقب بعض الأشياء المؤلمة التي تحدث لنا، هي أفضل ما سيحدث لنا على الإطلاق".

إعلان عن طلب مرافقة لشاب مقعد لمدة 6 أشهر، يأتي نجدة للويزا، التي تحرص على الظهور بمظهر المحترفين، حسنا ربما لا تنجح في ذلك بشكل كامل فليس لديها، لكن والدة ويل الأرستقراطية تقبلها ، ولا نعلم لماذا على وجه التحديد، وهي تنظر لها منذ بداية المقابلة باستغراب كأنها تشاهد حيوان غريب في سيرك، لكنها تعرف أن ابنها رغم حبسه في كرسي متحرك يبدو أقرب إلى وحش.

لا يكسر اللقاء الأول الجليد بينهما، تستغرب هي هذه الوسامة والشباب بين قضبان سجن متحرك، بينما ملامحه تبدي امتعاضا من ذوقها السئ في اختيار الملابس.

حيويتها وثرثرتها مقابل جسده الهامد، ومزاجه نكِد دوما، ذكاؤه مقابل عقلها الساذج، ذلك التضاد الذي لابد وأن ينتج شرارة ما، مختلفتين كقطعتي بازل بانتظار يد ذكية تجمعهما.

كان على لويزا أن تمتلك فضيلة الصبر، الكثير منها في الحقيقة، فالوحش يقابل الجميلة البلهاء بالرفض والغضب والصراخ حتى أنها لم تعد تفهم ماذا بإمكانها أن تقدم له.

الجليد يذوب


حتى تلك اللحظة ربما يبدو فيلم Me Before You، فيلما عاديا يتبع الحبكة التقليدية للأفلام الرومانسية الخفيفة التي تلعب على مشاعر المراهقين، ستجد كل شئ بطلة جميلة وبطل وسيم، مناظر خلابة، موسيقى مؤثرة، هناك كوميديا وهناك أيضا دموع، قد يدهشك سحر تفاصيل القصة التي كتبتها البريطانية جوجو موبس، والتي كانت تعرضت في وقت سابق لهجر حبيبها.

حسنا بالنسبة لعشاق التراجيديا الرومانسية وأجواء الحب المستحيل، من مراهقين وشباب، الذين يتركون فوضى من الدموع والمناديل بعد المشاهدة لن يجدوا مطلبهم في هذا الفيلم، رغم أن تيا شاروك المخرجة حاولت أن تجمع ثنائي نتوقع منه كليشيها محفوظا من اعمال سابقة غزت قلوب المراهقين حول العالم مثل « Twilight» و« The Fault in Our Stars» وقبلهم « A Walk to Remember » تلك الأفلام التي تلعب على تيمة الحب المستحيل وينتهي أغلبها بموت البطل.

لهذا السبب وأثناء الكاستنج بحثت المخرجة عن أبطال فيلمها الروائي الطويل الأول بين الأفلام والمسلسلات الشهيرة مثل « Game of Thrones» و« Hunger Games»، لتأتي لنا بالجميلة إيميليا كلارك، والوسيم سام كلافلن.

نعود لفيلمنا.. كل يوم تذهب لويزا وتحاول كسب ود ويل، لكن دون جدوى، حتى تنفجر فيه بعنف، وتخبره عن عدم استعدادها للتخلي عن هذه الوظيفة التي تعني الكثير لأهلها.

حسنا، يبدو أن ويل كان بحاجة لسماع صوت أعلى منه، فيهدأ ونخرج من مرحلة «الجميلة والوحش» لننطلق إلى مرحلة جديدة تذكرنا بالرائعة الفرنسية « Intouchables» لفرانسوا كلوزيه وعمر ساي.

يصبح هدف كلارك هو محاولة إخراج ويل من السجن الانفرادي الذي أجبر نفسه عليه، تسعى إعطائه حافز كي يعيش من جديد، وذلك عبر لقطات لطبيعةا لريف الإنجليزي الساحرة، يتزايد الود بين الضدين يوما بعد يوم، حتى نظن أن الحب يشبه السحر تعويذته قادرة على شفاء كل الأوجاع.

يقترب عالمي البطلين، تندهش لويزا من كل شئ، لازالت تمتلك روح طفلة، يغري هذا ويل المجرب لكل شئ والمتعجب من استسلامها لحياتها العادية، وطموحها المحدود "أنتِ لم تشاهدي الأفضل بعد لتحكمي"، هكذا يتعجب منها في إحدى لقاءاتهم وسط الطبيعة.

سحر لويزا وعفويتها المفرطة، وذوقها العجيب في اختيار ملابسها، أذابا جدار البرود والسخرية عن الثري الأرستقراطي، جعلته يستمتع بطعم الحياة مجددا.

جولة خاسرة


نعود إلى لويزا بفستانها الأحمر، تحقق رغبة ويل الذي كان يتمنى أن يذهب إلى حفل موسيقى بصحبة فتاة ترتدي فستان أحمر، تحقق له الأمنية، ليكتشف أنها ليس مجرد مساعدة يستمتع برفقتها إنه يحبها.

والسؤال ماذا لو تقابل ويل ولويز في وقت سابق كان فيه ويل بكامل لياقته، بينما لويزا هي ذات الفتاة، هل كان تلفت نظره؟، هل كانت لتدخل قلبه؟.

 في حفل زفاف حبيبته التي هجرته وتزوجت أعز أصدقائه تسأل لويزا هذا السؤال، وتكون الإجابة رقصة رومانسية على الكرسي المتحرك واعتراف:"أنت الشئ الوحيد الذي يجعلني أريد أن أستيقظ في الصباح".

يبدأ الشاب الغني ذو الخبرة في التقرب أكثر من لويز والتعرف إلى عائلتها البسيطة، ويشاهد فرحتها الحقيقية بهدية بسيطة جدا، أثبتت عمق حبه لها واهتمامه بكل ما تقول، "شراب مخطط"، يندهش ويل من انسجامه مع كل هذه الأمور التي لم يكن ليعيرها اهتماما في وقت سابق،  ينعم لأول مرة منذ زمن بدفء حقيقي، ورغم عاهته، تظهر رجولته جلية في حضرة باتريك الفتى الرياضي الذي يبهت حضوره في وجود ويل، الذي يحاول إغاظته وإثارة غيرته عبر إهتمام لويزا،كل هذا جميل، لكن هناك مشكلة واحدة، ويل يريد أن يقتل نفسه.

تواجهه لويزا:"أنا أعلم أننا نستطيع أن نفعل هذا، ربما لم يكن هذا ما اخترته لنفسك، لكني أعرف أننس أستطيع أن أجعلك سعيدا، كل ما يمكنني أن أقوله أنك تجعلني سعيدة حتى عندما أكون فظيعة، أنت تجعلني شخصا لمن أتخيل يوما أن أكونه، إنني افضل أن اكون معك عن التواجد مع أي شخص في العالم".

"المحبة يمكن أن تؤذي، المحبة يمكن أن تضر في بعض الأحيان"، في هذه المرحلة سيريد منك الفيلم أن تبكي، أن تصلي لتنجح لويز في مهمتها، ويعدل ويل عن القتل، لكن الفتى الذي اعتاد ترويض جسده لكل ما يريد، يعجز عن حب لويز بالشكل الذي يرضيه، حتى تصبح رغبته بها وجعا ينهش قلبه.

لويزا بعقلها الساذج لا تجد مبررا لرغبته في الموت، بينما عقل ويل وذكاؤه يجعلانه يفكر في مستقبل هذا الحب، بعد أن تهدأ عاصفة العواطف، بعد أن يصبح ما في حوزته من اشياء تبدو غريبة الآن لويزا مألوفة لديها، عندما يريد شبابها المزيد، بينما لا يصبح هو قادرا على إعطاء المزيد، كل هذا يجعل لويزا الضاحة تخسر الجولة، فويل يشعر حرفيا بأنه كسر وبشكل غير قابل للإصلاح.

بداية جديدة


تتكاثف الغيوم مجددا على صفحة هذا الحب، نرى الوجه القبيح للمرض، والعجز والأدوية، يحدث التصادم بين الإرادتين، ويسافر ويل لينهي حياته بشكل قانوني في سويسرا.

لن تظهر ضحكة لويزا الكاملة الحقيقية بعد ذلك، بعد أن فقدت براءتها الأولى وعرفت أن في الحياة وجعا أكبر من مشاكلها المادية، تقرر السفر والبقاء بجانبه لآخر لحظة، هذا واجبها كحبيبة.

لا تكون النهاية بالقتامة التي نتوقعها، فمكان الإعدام الإرادي مضئ ومشرق، وحنان الأب والأم حاضر، ودفء الحبيبة موجود، لكن إرادة الموت لا تلين.

الجديد في هذا الفيلم أنه بعيدا عن المليودراما الزاعقة التي تصاحب الرحيل، يقدم لنا معالجة أكثر نضجا، تجعلنا نتعود الفقد كأمر طبيعي يصاحبنا في رحلة الحياة.

كان ويل حكيما، كان يرى المستقبل، لم يكن يريد أن يصبح عبئا، أو يرى حبه يتناقص في عيني حبيبته، وكما منحته طعم الحياة في أيامه الأخيرة، أراد هو أن يفتح الباب أمامها لتنطلق نحو أحلامها التي كانت تخبئها داخل قلبها، ولم تكن تجرؤ على التفكير في تحقيقها.

حسنا ربما كانت لويزا هي سندريلا، لكن الأمير لم يكن النهاية، بل كان مرحلة تدفعها إلى الحياة التي تستحقها، لم تكن تدرك أنها تستطيع أن تصبح مصممة أزياء، لم تكن تحلم بأن تغادر مدينتها الصغيرة.

تجلس في مقهى باريسي بروح جديدة تقرأ رسالته إليها من العالم الآخر، تحتسي القهوة في مكانه المفضل تتذوق طعم سعادته الماضية، في نفس المكان، بعد أن أصبحت لويزا فتاة أخرى تملك قصة حزينة، لكنها مستعدة لمستقبل يعدها ببداية جديدة..

"عيشي بجرأة، امض قدما، لا تقفي مكانك.."



اضف تعليق