الغلاف

"قيامة الورق" والحلم في زمن الحروب


١٦ يوليه ٢٠١٧ - ٠٦:١٢ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
الرياض- صدر حديثا للقاص السعودي موسى الثنيان، المجموعة القصصية "قيامة الورق"، وفيها يتناول عدّة هموم إنسانية وسياسية واجتماعية وثقافية، لكنها متفقة جميعها على تقاسم التأمل الوجودي الذي لا يمتلك أبطاله المنكسرون سوى الحلم والشكوى في زمن الفقر والحروب.

اهتمّت بعض قصص المجموعة بالبطل الهامشي الذي يغيب عادةً في تفاصيل الأحداث الكبيرة، مثل قصة “السيرك”، وكشف بعضها الآخر عن هموم يومية خاصة بذاكرة الطفولة، كما في قصة “العيدية”، و”معطف جدتي”، أو عن هموم الأمومة المشتهاة، كما في قصة “ليتني دمية”. وتمثّلت بعضها بسياقات ذات بعد فلسفي مؤطر في أبطال محبطين حالمين يبحثون عن الأمل المفقود وسط المقابر كما في قصة “للروح غناؤها”.

ربما هذا التنوّع في بنية الأبطال وتطورهم النفسي والزمني يعود إلى الكيفية التي يعرّف بها الثنيان القصة القصيرة وتشكّلها في وعي المتلقي، فهو يتجوّل في قصص مجموعته مثل فوتوغرافي في مدينة مليئة بالموتى ليلتقط الحياة من بين قبورهم، ويعيد صياغة الكون وفق ما يشاهده ويسمعه ويعيشه بأدواته السردية، وفقا لصحيفة "العرب".

هذا الانبعاث الذي أطلق عليه الثنيان “قيامة” هو دلالة ترميزية لما يأمل أن تكون عليه الأسئلة التي يخلقها أبطاله، ففي قصة “وليمة للنمل” يظهر الثنيان في كامل لياقته ووعيه القصصي، فيرسم أبعاد الشخصيات، وحدودها النفسية، وإطارها الزمني، عبر لغة متتابعة، متصاعدة، قادرة على صناعة الدهشة، وخطف الأنفاس، وخلق المفارقة الأخيرة التي تنطوي على السؤال الوجودي الكبير “كيف، ومتى، وأين، ولماذا؟”.

كل ذلك يقوم به الثنيان عبر استعارة الرمز لتمرير المعنى الذي يرغب في تمريره دون السقوط بلغته على رصيف المباشرة، فهو لا يقدّم معناه إلى قرائه على طبق من ذهب، ولا يطعمهم إياه بملعقة من فضة، بل يأخذ بالتأويل شيئاً، وبالمجاز شيئا.

الثنيان في قصصه يستعير الرمز لتمرير المعنى الذي يرغب في تمريره دون السقوط بلغته على رصيف المباشرة
في السياق نفسه نواجه في قصة “قيامة الورق”، التي تتكئ عليها المجموعة في عنوانها، الحدث القصصي بصورة مختلفة عن مسار المجموعة بصفة عامة، حيث يفترض الثنيان هنا محاكمة متخيّلة يقوم بها أبطاله الذين ابتكرهم في قصص المجموعة، إذ يفترض أن قيامتهم قد حانت، وبدأت لحظة حساب الكاتب من قبلهم أمام محكمة كونية تحاسب بشكل ضمني مسؤولية اختيار القاص لمصائر أبطاله في موتهم أو حياتهم.

محاكمة الأبطال للكاتب أمر ينطوي على نقد مبطن لسؤال الكتابة نفسه، فالثنيان يحاكم الكلمة عبر الكلمة، ويقترح من خلال أبطاله بدائل للنهاية التي لم يكتبها، ولم يردها لهم. لكنه كتبها على لسانهم بعد ذلك. إنها مساءلة الكلمة للكلمة عبر الكلمة.

تنتهي المجموعة، الصادرة عن نادي الشرقية الأدبي بالسعودية، بأربع قصص قصيرة جداً أشبه بومضات شعرية مفتوحة التأويل، واضعاً الثنيان عناوينها كدليل على التفسير، كأنه يأخذ بيد القارئ إلى جهة المعنى الذي يريده، فنقرأ تحت عنوان “ديمقراطية العرب” القصة القصيرة التالية “أطلقوا العصافير في الغابة، ونصبوا الفخاخ”. إنها الومضة التي تحتمل عدة تأويلات مفتوحة لو أنه لم يضع لها عنواناً، غير أنه أوقع المتلقي في المعنى وشدّه شداً إليه. الأمر نفسه في القصص “احتراق”، و”القمقم”، و”بتهوفن”.


الكلمات الدلالية قيامة الورق

اضف تعليق