سحر خليفة

سحر خليفة: الجيل الجديد من الكتاب يكتبون أكثر مما يقرءون


١٢ أغسطس ٢٠١٧ - ١٠:٢٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
رام الله- نشرت الروائية الفلسطينية سحر خليفة، رئيس لجنة تحكيم جائزة البوكر العالمية للرواية العربية، على حسابها الشخصي في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، الحلقة الثالثة من مذكراتها في رئاسة تحكيم الدورة الأخيرة من الجائزة، وجاءت كلمتها كالتالي:

"أبناء الجيل الجديد من الكتاب يكتبون أكثر بكثير مما يقرءون، بدليل أن كتاباتِهم لا تشير إلى نضجٍ وتخمرٍ في المعرفة، وصقلٍ وتمرسٍ للموهبة، وهو النتاج الطبيعي للقراءة والتخمر والاستيعاب، بل تشير إلى اندفاعٍ شبه غريزي للتعبير عن النفس في مجتمع لا يشجع على التعبير الفردي والجماعي، السياسي والاجتماعي والجنسي. وربما هذا التعبيرُ الذي قُصد به أن يتخذ شكلًا روائيًّا غير مكتمل النضج هو شكلٌ من أشكال الثورة على القيود، وعلى التقليد، شجعتها ودربتها وسائل التواصل الاجتماعي حيث بات كل مشترك كاتبًا وناشرًا وناقدًا في الوقت نفسه، متجاوزًا كل الشروط اللغوية والفكرية والمعرفية".

هذا ما صدّرت به كلمتي التي ألقيتها في الاحتفال النهائي للجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر"، قبل بضعة أشهر، وما أصدِّر به مناقشتي لكيفية كتابة غالبية شبابنا للرواية. فكما هو واضح من المقطع أعلاه أني أعوّل كثيرًا على القراءة كمدخل أساسي لكتابة الرواية. فلا التعليم بنظري ولا الشهادات ولا حتى الموهبة وحدها هو المدخل والأساس. الأساس هو موهبة مشغول عليها بأناة وجدية ومثابرة، وأفضل وسيلة لتنمية الموهبة وصقلها وإنضاجها هي القراءة ثم القراءة ثم القراءة، وأخيرًا الممارسة. ولا أقصد قراءة الأدب فقط، وأيضًا العلوم الإنسانية التي تعلمنا من خلال علم النفس كيف نلتقط الشخصيات ونصورها من الداخل والخارج، وعلم الاجتماع الذي يعلمنا كيف نلتقط الجو الذي تعيش وتتحرك فيه الشخصيات.

الشخصية الروائية هي الأساس، هي العمود الذي يرتكز عليه البناء الروائي. والجو، أو البيئة، أو المجتمع، هو البناء بواجهاته وسقفه وزواياه ونوافذه وأبوابه. الشخصية هي بنت البيئة، تتأثر بمفاهيمها وسلوكياتها وتربيتها وظروفها المعيشية كالحرب والسلم والفقر وما شابه. الشخصية والبيئة هما الأساس، وعدا ذلك تفاصيل. لكن هذا ليس كل شيء، فهناك اللغة، وهي الموصل والمعبّر الرئيس لما نكتب. وهناك الحبكة، أي حبك الأحداث وتسلسلها بشكل مقنع. وهناك العقدة. ولن أطيل عليكم، لهذا أختصر وأقول إن الرواية هي موهبة مشغولة باجتهاد وصبر حتى تنضج.

الرواية ليست حكاية سهلة مسلية بسيطة، ولا بوح مشاعر شخصية فقط لا غير. فبالإضافة للموهبة هي صنعة. وأنا أصر على ذلك وأكسر المفهوم الرومانسي عن الرواية والراوي. الرواية هي حرفة واحتراف وليست مجرد هواية. وللحديث بقية في تفاصيل تتناول اللغة كمعبّر وموصّل، والحبكة التي تربط الأحداث والشخوص والانفعالات بتسلسل منطقي مقنع، والبدايات والنهايات لأنها المدخل والمخرج لأي عمل فني ناجح. وإلى اللقاء في قصاصات جديدة. راجية أن نستفيد من هذه النقاشات ونطورها، مع محبتي وأصدق المشاعر.


اضف تعليق