الكاتبة جوانا بورك

كاتبة بريطانية تجمع حكايات المبدعين عن الألم


١٣ أغسطس ٢٠١٧ - ١٠:٥١ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
لندن - "الألم" قضية إنسانية تخص كل الشعوب والثقافات وكل من هو جدير بالانتماء للبشر أو للنوع الإنساني وبالقدر ذاته فإن الألم قد يكون طريقا لتطوير الذات الإنسانية والأمم والشعوب عبر تبني ثقافة الإتقان.

والألم في الثقافة الغربية مثلا قد يكون طريقا لتطوير الذات، كما يوضح كتاب جديد صدر بالإنجليزية بعنوان "قصة الألم.. من الصلاة إلى المسكنات" لجوانا بورك وهو بحق يشكل "دراسة جريئة عن الاستجابة الانسانية للألم"، وفقا لوكالة "أ ش أ".

يحوي الكتاب على شهادات وآراء لشعراء ورجال دين وأطباء فيما تجمع المؤلفة ما بين الخبرة الأكاديمية وجمال الأسلوب والطرح غير التقليدى فإذا بها قد صنعت حالة من الكتابة المبهجة رغم أن الموضوع بطبيعته محزن لأنه يتناول "الألم".

وللألم تجلياته العبقرية فى الإبداع كما هو الحال على سبيل المثال فى رواية "بالأبيض على الأسود" لروبين جونزاليز والتى تحكى تجربته الانسانية الاليمة كشخص وصف بأنه "كمعوق" غير انه حول ذاته الى موضوع كبير عن علاقة المجتمعات بابنائها من المعوقين وذوى الاحتياجات الخاصة وكيف تكون عنوانا على التحضر الإنساني.

فهذا المؤلف الإسبانى سعى إلى تحويل سيرته الذاتية لرواية بالمعنى الفنى وكان همه الأساسى نفى الذات باديء ذى بدء حتى لا يقع فى شبهة استدرار عطف القارئ عليه فيما نجح بالفعل فى طرح رؤية فنية تقدم عالما شديد الثراء فى الدلالة على الأعماق الحقيقية الصادقة والمباشرة للإنسانية حال عجزها عن ممارسة الحياة بصورة طبيعية.
 
وقد تعيد هذه الرواية التى نبعت من الألم للأذهان ديوان الشاعر أمل دنقل "أوراق الغرفة رقم 8" وهو الديوان الذى أبدعه فى رحلته الأخيرة مع المرض بينما ينحت روبين جونزاليز مفهوما عميقا للبطولة عندما يجد الإنسان نفسه بين خيارين:" إما أن يكون بطلا حتى النهاية أو يموت" لأن هذا الإنسان كتب عليه أن يعانى من الإعاقة وفقد الوالدين معا منذ منصف عامه الثاني!

وهكذا تحولت السيرة الذاتية لكائن متألم للوحة إنسانية تكشف عن فنان خطير الشأن لأنه صنع من الألم عالما جديدا طازجا وموحيا يكاد يعبر عن جوهر رحلة الانسان على هذا الكوكب الأرضى والسعى للتحرر من عذابات الاحتياج.

والبشر الذين يؤمنون بعدالة قضاياهم وقضايا الوطن فهم كما تؤكد جوانا بورك فى كتابها الجديد قد لا يشعرون بأى ألم فى قلب المعركة مهما كانت قسوة جراحهم لأن مشاعرهم وأحاسيسهم كلها مشدودة لعدالة ونبل القضية التى يحاربون فى سبيلها.

ولن يكون هناك ما هو أنبل أو أكثر عدالة من قضية الدفاع عن الوطن فى مواجهة العدو سواء كان عدوا ظاهرا أو تخفى بخسة ونذالة كما هو حال عناصر الإرهاب فضلا عن مواجهة الإهمال عبر تبنى ثقافة الاتقان.

وها هى الروائية الأمريكية تونى موريسون المتوجة بجائزة نوبل فى الآداب والتى تبلغ من العمر 86 سنة تتحدث عن الألم فى قصتها "الله فى عون الطفلة" وتناقش قضايا متعددة بين الخير والشر، وهى التى قالت إن قيمة الإنسان الذى يستحق أن يوصف بالإنسان إنما تتحدد حسب موقعه على تراتبية الطيبة.

ومن هنا ففراق الطيبين مؤلم بشدة حتى فى اكثر المجتمعات تطورا وحداثة مثل المجتمع الأمريكى وان كانت اديبة نوبل الأمريكية تونى موريسون التى انهمكت بوجهها الطيب الصبوح فى سلسلة محاضرات جامعية حول "أدب الانتماء" تقول أن سؤال الانتماء هو سؤال حياتها ومرتبط بشدة بالذكريات واستعارات الطفولة والتكوين فنحن ننتمى فى الحقيقة لهؤلاء الذين نحبهم مثل تونى موريسون التى مازالت تستمد الهامات ابداعية من جدتها التى احبتها بشدة.
 
والأسطورة التى تشكلها الوجوه الطيبة سواء من أبسط البسطاء فى هذا الوطن أو من المثقفين والنخب لا تموت وان تسبب غياب الجسد فى كثير من الألم للمحب وإلا لما بقت جدة تونى موريسون فى بنية وتكوين واستعارات ومجازات الأديبة العظيمة كل هذه السنوات الطويلة!.
فثمة نظرة للحكمة كونتها كاتبة نوبل من حكمة جدة عظيمة قد لا تعرف القراءة والكتابة لكنها تعرف الحق بفطرتها الطيبة وتعرف بحقيقة المجاهدة فى دروب الحياة أن طريق الخير صعب لكنه ممكن.

وهكذا تعلمت الكاتبة الكبيرة والعظيمة تونى موريسون الحكمة من جدتها الأمية وهكذا نسجت خيوط الانتماء للحق والخير والجمال..هكذا كانت السيدة الطيبة والجدة الحبيبة صانعة الحياة الطيبة وحافظة القيم الأصيلة.

أما الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا اليكسفيتش التى توجت بجائزة نوبل للآداب العام 2015 فالألم محورى فى عالمها المتشابك بشخوص فى محن الإنسان وهى تنصت دوما للبشر الذين عاشوا وعاينوا بعض اخطر المآسى وتراجيديات العالم فى القرن العشرين مثل الحرب العالمية الثانية او انهيار الاتحاد السوفييتى ودخوله فى ذمة التاريخ ليستيقظ سكان هذه القوة العظمى ذات صباح فيجدون أنفسهم فى بلاد غير التى عرفوها على مدى سنوات طوال.

من هنا عدت الأكاديمية السويدية المانحة لجوائز نوبل ابنة روسيا البيضاء سفيتلانا اليكسفيتش التى تناهز الآن 69 سنة جديرة بالجائزة لكتاباتها التى تشكل صرحا إبداعيا يجسد المعاناة فى عصرنا فهى حسب إعلان رئيسة الأكاديمية السويدية سارا دانيوس "كاتبة استثنائية" وصاحبة "كتابات متعددة الأصوات تمثل معلما للمعاناة والشجاعة فى زمننا".

وواقع الحال أن الفائزة البيلاروسية بجائزة نوبل "سعت وتسعى فى كتاباتها لملاحقة الكوارث الانسانية ونكبات البشر عبر الامساك بتجليات تلك الكوارث والنكبات فى الحياة اليومية للناس وأصوات الشارع ثم تقدم القصة كاملة للإنسان فى كل مكان بقدرة فذة على تحويل الألم لكلمات".
 
وقد يجد قارئ نصوص سفيتلانا أليكسفيتش نفسه فى دوامة الآلام فهو يخرج من دائرة الم ليدخل دائرة اخرى لكنه قد ينجح فى الخروج من تلك الدوامة لو اهتدى لذلك الجسر السرى أو الوصلة الخفية التى اقامتها الكاتبة من نسغ الألم لتصل بين الناس فى نهاية المطاف.
انه جسر المشاعر الإنسانية الكفيل بإنقاذ البشر فى متاهة الآلام من السقوط فى الهاوية وإنه التاريخ الشفهى وهو ذلك الجنس او النوع من الكتابة القادر على نقل وطأة التجربة وقسوة المحنة التى لا يعرفها إلا من عاش فى قلبها وتجرع ويلاتها.

وفى صحيفة الجارديان البريطانية تقول بيلا شايفيتش مترجمة كتاب "زمن مستعمل" للإنجليزية إن سفيتلانا أليكسفيتش فى نصوصها حول الخبرات الانثوية والتجارب النسائية فى الحرب العالمية الثانية والحرب السوفييتية فى افغانستان وكتابها الأشهر حول كارثة التسرب الاشعاعى فى مفاعل تشيرنوبيل إنما تستنطق بشجاعة وتبحث بلا وجل أوجه المعاناة الإنسانية.

ووسط الألم تشكل تبدو ثقافة الاتقان مع قراءة واعية للنماذج الناجحة فى ثقافة الاتقان فى عالم بات قرية صغيرة بفضل ثورة الاتصالات والمعلومات واجب الوقت فى مواجهة أسئلة مريرة تتردد من حين لحين وفى سياقات محزنة مثل حادث تصادم القطارين أمس فى الإسكندرية.

وبالقدر ذاته فمن الأهمية بمكان تجنب "جلد الذات" فبلد فى حجم الصين سعى ويسعى لتعلم الدروس المستفادة من تجربة سنغافورة الناجحة فى النمو التى أسسها لى كوان يو وهى تجربة ترتكز على ثقافة الاتقان ونهج العمل المنضبط والنظام القائم على الجدارة وهذا ما أدركه مبكرا الزعيم الصينى دينج شياو بينج وهو يطلق سياسات الانفتاح ويقارن بين التجارب التنموية الناجحة والانسب لظروف بلاده.

والحق أن التجربة السنغافورية وجذورها التاريخية تثير حتى اهتمام الثقافة الغربية وها هو كتاب صدر بالإنجليزية بعنوان:"رافلز والفرصة الذهبية" تتناول فيه المؤلفة فيكتوريا جليندينج تاريخ هذا البلد الآسيوى منذ بدايات القرن التاسع عشر ومرحلة السير ستامفورد رافلز ممثل شركة الهند الشرقية الاستعمارية.

لكن الكتاب مفيد فى التعرف على منابع النجاح الذى حققته سنغافورا حتى باتت دولة فى حجم الصين تستلهم دروس النجاح من هذه "الدولة التى قد لا تزيد عن حجم مدينة صينية" وهى فى الحقيقة نموذج لما يسمى "بالدولة المدينة او المدينة الدولة" والأهم انها نموذج مضيىء لثقافة الاتقان.

فليتحول الألم العام للمصريين حيال الحادث المأساوى لتصادم القطارين إلى محفز لثقافة الاتقان..وإذا كان "المصرى يشبه طائر الفينيق الذى ينبعث دوما من رماد الموت لآفاق الحياة المتجددة" فإن ثقافة الاتقان هى واجب الوقت وقد تكون العزاء الجميل للجرح الذى أوجع كل المصريين.


اضف تعليق