تعرف على حرب الجنرالات فى الولايات المتحدة الأمريكية


٠٩ أبريل ٢٠١٧ - ٠٩:٥٩ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
ترجمة – آية سيد

أثناء أيامه الأولى في المنصب، أوفى الرئيس ترامب بأول وعوده الانتخابية سريعاً: إحداث تغيير في واشنطن. لقد أصدر موجة من الأوامر التنفيذية والمذكرات التي تتعلق بمجموعة واسعة من القضايا، من بينها إلغاء قانون الرعاية الصحية, وبناء جدار على الحدود المكسيكية, والانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي. إلا إنه بالنسبة لما يتعلق بالأمن القومي, كان أهم أمرين هما حظر الهجرة وإعادة تنظيم مجلس الأمن القومي – وكلاهما يكشفان عن معركة أكبر خلف الكواليس بين كبار مستشاري الرئيس.
 
كان من الصعب عدم رؤية الرمزية المحيطة بالتوقيع على الأمر الخاص بحظر الهجرة. لقد أصدره ترامب أثناء زيارته الأولى للبنتاجون لحضور احتفالية أداء اليمين لوزير الدفاع جيمس ماتيس. أُقيمت الاحتفالية في قاعة الأبطال أمام خلفية ضخمة لميدالية الشرف – وهي أعلى وسام عسكري. لكنه, على غير المتوقع, استغل المناسبة التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة للتوقيع على أمر بالحظر المؤقت لدخول اللاجئين والمهاجرين من  سبع دول شرق أوسطية – من بينها العراق, الذي يحارب جنوده إلى جانب القوات الأمريكية. هذا وضع ماتيس في موقف محرج وهو الظهور وكأنه يدعم هذا الحظر – وهو, في الواقع, يدل ضمنياً على أن وزارة الدفاع أرادت هذا الحظر كوسيلة لحماية الأمة – في الوقت الذي عارض فيه ماتيس هذه السياسة علناً منذ ستة أشهر فقط. إضافة لهذا, يُقال أن وزير الأمن الداخلي جون كيلي, الذي تتحمل وزارته مسئولية تطبيق كل قوانين الهجرة وسياساتها, كانت مساهمته في القرار محدودة وعلم عن إعلان القرار من تقرير تليفزيوني. انتقد كيلي وماتيس لاحقاً البيت الأبيض بسبب عدم التشاور معهما قبل إصدار الأمر الذي أثر بشكل مباشر على وزارتيهما.

ماتيس وكيلي جنرالان متقاعدان, بالطبع. وكذلك أيضاً مايكل فلين, مستشار الأمن القومي, وكيث كيلوج, السكرتير التنفيذي لمجلس الأمن القومي. لقد بدا أن هذين الجنرالين من البيت الأبيض حظيا بأهمية أكبر من الجنرالين الوزيرين في الإصدار المفاجئ لحظر الهجرة. وحققا انتصاراً آخر في إعادة تنظيم مجلس الأمن القومي, الذي شمل القرار غير المسبوق بترقية كيلوج وستيف بانون للحصول على عضوية دائمة في اللجنة الأساسية مع إعفاء رئيس هيئة الأركان المشتركة ومدير المخابرات القومية من الحضور المنتظم.
 
بالرغم من المخاوف المبكرة من أن ترامب سوف يضفي طابعاً عسكرياً على السياسة الخارجية من خلال شغل المناصب الإدارية العليا بالكثير من الجنرالات المتقاعدين, إلا أن الحقيقة الظاهرة مختلفة تماماً. يبدو أن هناك صراعاً داخلياً ناشئاً على السلطة بين الجنرالين الوزيرين, ماتيس وكيلي, والجنرالين من البيت الأبيض, فلين وكيلوج. الرجال الأربعة لديهم خلفيات متشابهة. لقد عملوا لوقت طويل في القوات البرية, وجميعهم باستثناء كيلوج (الذي تقاعد في 2003) خدموا كقادة كبار خلال الحروب في العراق وأفغانستان. لكن عقلياتهم ليست متجانسة على الإطلاق. إن الأربعة جنرالات لديهم آراء مختلفة جداً فيما يتعلق بالتهديدات العالمية على الأمن الأمريكي وكيفية التعامل معها.

ماتيس وكيلي جنرالان سابقان في المارينز حظيا بقدر كبير من الاحترام وسمعة طيبة بين زملائهم ومرؤوسيهم على حد سواء حتى تقاعدا. وبقيا بعيدين عن السياسة منذ حينها, ولم يؤيد أي منهما مرشح في الانتخابات الرئاسية 2016. كلاهما لديه خبرة هائلة في إدارة المؤسسات الكبيرة, والتعامل مع بيروقراطية البيت الأبيض والهيئات المختلفة, والعمل مع الكونجرس. إنهما يعرفان بعضهما البعض جيداً, ويتشاركان ثقافة قوات المارينز, ويحترمان بعضهما البعض كثيراً. بالإضافة لهذا, يقود ماتيس نفس مجموعة الجنرالات والضباط الصاعدين الذي خدم معهم في السلم والحرب خلال خدمته التي استمرت لـ 42 عاماً. تجمعه أيضاً علاقة وثيقة برئيس هيئة الأركان المشتركة جوزيف دانفورد, وهو جنرال آخر في المارينز والذي خدم كرئيس لماتيس خلال غزو العراق عام 2003.

في إفادة حديثة أمام الكونجرس, عرض ماتيس ودانفورد تقييمات متشابهة للعالم. عرّف كلاهما روسيا على إنها التهديد الأكبر الذي يواجه الأمة, وأكدا على قيمة أصدقاء وحلفاء أمريكا حول العالم. في الحقيقة, كانت أول زيارة خارجية لماتيس تهدف لطمأنة حلفاء الولايات المتحدة القدامى في آسيا وإعادة تأكيد أهمية شركاء أمريكا الدوليين. ماتيس, وكيلي, ودانفورد يمثلون الفصيل المتمسك بالتقاليد داخل فريق ترامب للسياسة الخارجية. 

فلين وكيلوج أصبحا قريبين من البنتاجون لكنهما في الواقع بعيدين عنه تماماً. هذان الجنرالان المتقاعدان كانا مشاركين بشدة في حملة ترامب. في العام الماضي, أصبح فلين واحداً من المتحدثين باسم ترامب الأكثر صراحة وحزبية – مما دفع مجلة بوليتيكو لتسميته “الجنرال الأكثر غضباً في أمريكا.” كان يتم استعراض مكانته كجنرال متقاعد حديثاً في كل ظهور له في الحملة, مستفيداً من الاحترام والشعبية التي يحظى بها الجيش الأمريكي لدى الناخبين. هاجم فلين هيلاري كلينتون أثناء الحملة بانتقادات لاذعة غير معهودة.

 لعب الجنرال كيلوج دوراً أقل وضوحاً لكن لا يقل أهمية أثناء الحملة, حيث كان ينصح ترامب حول شئون الأمن القومي وخدم لاحقاً في فريق ترامب في البنتاجون خلال الفترة الإنتقالية. لكن, ما يفرّقهما حقاً عن الجنرالين الوزيرين هو رؤيتهما عن العالم. إنهما يقودان فصيل “المحاربين الدينيين” داخل الإدارة, الذي يعتبر الإسلام المتطرف تهديداً وجودياً على الولايات المتحدة والذي يتطلب إعادة توجيه أولويات الدفاع الأمريكي بما يتناسب معه. تختلف الكثير من آراء فلين وكيلوج فيما يخص العالم بشدة عن آراء ماتيس ودانفورد. الجنرالان من البيت الأبيض يران روسيا شريكاً محتملاً, ويبدوان متقبلان لبقاء سوريا تحت حكم الأسد, وهما أكثر عداوة لصعود الصين, ومستعدان لتصعيد مواجهة مع إيران.

من الناحية النظرية, يبدو واضحاً من ينبغي أن يمتلك النفوذ الأكبر على رئيس جديد لا يملك أي خبرة في السياسة الخارجية. إنهما لاعبان مخضرمان ومسئولان قادا على أعلى المستويات في حروبنا الأخيرة ويعرفان تأثير إرسال الأمريكيين إلى طريق الخطر. ماتيس وكيلي لديهما أيضاً خبرة كبيرة في قيادة العملية السياسية في واشنطن والعمل بفاعلية مع الجهات الأخرى من الحكومة الأمريكية. كلاهما قائدان يتمتعان بالتوازن واللا حزبية ومستعدان لقول الحقيقة المُرّة ومواجهة الأكاذيب بالحقائق, حتى لو كانت لا تحظى بأي شعبية. هذه هي مميزاتهما. وهما يتفوقان لإنهما تقاعدا برتبة أعلى, وهو فرق مهم – لا سيما بالنسبة إلى فلين.

لكن الكلام النظري لا يهم. ما يهم في أية إدارة هو من يملك أذن الرئيس. وأحداث الأسبوعين الماضيين, وخاصة إعادة تنظيم مجلس الأمن القومي, تشير إلى أن جنرالات البيت الأبيض يمتلكان نفوذاً على الرئيس ترامب أكبر من الجنرالين الوزيرين, على الأقل حتى الآن. ربما يستمر هذا أو لا يستمر, حيث أننا مازلنا في الأيام الأولى للإدارة الجديدة. نحن نعلم أن الرئيس استمع لماتيس في قضايا أخرى, خاصة فيما يتعلق باستخدام التعذيب. لكن علاقات الحملة الانتخابية والقرب من المكتب البيضاوي يصنعون فرقاً, خاصاً لقائد عام يبدو كارهاً بشدة للتفاصيل المهمة في عملية صنع السياسة وإتخاذ القرارات المدروسة. حتى لو كان فلين يخسر بعض من نفوذه (خاصة أمام ستيف بانون, كبير الاستراتيجيين لدى الرئيس), إلا أن هو وكيلوج سيستطيعان الوصول للرئيس بشكل كبير. سيتمكنا من التحدث إليه بشكل يومي وربما عدة مرات في اليوم. هذا يمنحهم مزايا شخصية وبيروقراطية وأيدولوجية هائلة.

ماذا يعني هذا للجنرالين الوزيرين؟ ماتيس وكيلي يخدمان في النهاية لصالح الرئيس. لكي يكونا فاعلين في وظائفهما ويخدمان الأمة بإخلاص, يجب أن يكونا مرتاحين في دعم سياسات ترامب في العلن بعد تقديم مساهماتهما غير المتحيزة وراء الأبواب المغلقة. لكن من أجل مضاعفة نفوذهما, سيكون عليهما اختيار معاركهما بعناية. ستكون هناك خلافات يومية بين وزارتيهما والبيت الأبيض, لكن ينبغي عليهما تجنب التدخل في تلك المعارك قدر الإمكان, وتوفير طاقاتهما الشخصية للمعارك الأكثر أهمية. ينبغي عليهما تجنب استغلال مصداقيتهما وتواجدهما لدعم سياسات وقرارات تتعارض بشدة مع مبادئهما ومعتقداتهما. ويجب أيضاً أن يقيما علاقات أكبر في الإدارة مع القادة ذوي العقليات المماثلة من أجل رفع ثقل ووزن آرائهما. 

كان حظر الهجرة الذي خُطط له بطريقة سيئة ونُفذ على عجل أول خسارة مبكرة للجنرالين الوزيرين. لكنها لم تكن معركة تسببت في خسارة للأرواح أو كانت لها عواقب وجودية, وهي سوف تحدث بالتأكيد. عندما يأتي ذلك اليوم الذي لا مفر منه, سيتحتم على هؤلاء الجنرالات الأربعة, ومستشاري الرئيس الآخرين, أن يجتمعوا معاً ويتأكدوا من أن يسمع الرئيس الذي لا يزال قليل الخبرة أكبر قدر من الآراء والنصائح من فريقه. يعرف الجنرالات, أكثر من أي شخص آخر مقرب من هذا القائد العام, عواقب إتخاذ تلك القرارات بشكل خاطئ.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق