أردوغان يقسم تركيا على نفسها


١٣ أبريل ٢٠١٧ - ١٠:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

ترجمة - آية سيد


منذ 2003, كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمثابة ضوء إرشادي للطبقة العالمية من القادة المناهضين للنخب, والقوميين, والمحافظين. وطيلة الوقت, لعب دور الضحية السياسية, وحشد الدعم عن طريق شيطنة معارضيه. قبل أسابيع قليلة من الاستفتاء الدستوري الذي, إذا تم تمريره, سوف يعزز قبضته الاستبدادية على البلاد, إتجه إلى تدويل هذه الاستراتيجية, حيث شن هجوماً لاذعاً على عدة قادة أوروبيين ووصفهم بالنازيين لانتقادهم له.

ربما يكون هذا رهاناً منطقياً من وجهة نظره؛ رغم كل شيء, هذه الطريقة حققت له نجاحاً في الماضي. لقد عزز شعبيته من خلال الاعتماد على الإمداد الثابت من الخصوم الداخليين الذين يصورهم على إنهم "عدو الشعب." لكن هذا أيضاً جعل مجتمعه مستقطباً لدرجة أن أجهزة الأمن, الحصن التقليدي للوحدة التركية, أصبحت مسيسة وضعيفة في وقت تواجه فيه الدولة عنفاً على جبهات متعددة – إلى جانب إنهيار علاقات تركيا في أوروبا. وسط حملة خلافية قبيل استفتاء 16 أبريل, تستغل الجماعات الإرهابية من حزب العمال الكردستاني إلى تنظيم الدولة الإسلامية هذه الانقسامات لقلب الأتراك بشدة على بعضهم البعض.

اليوم, كما ظهر في الاستطلاعات التي تقيس الدعم المتوقع لأردوغان في الاستفتاء, تركيا على وشك انقسام متساوي بين الفصائل الموالية لأردوغان والمعارضة له: الفصيل الأول, ائتلاف جناح اليمين المحافظ, يعتقد أن تركيا جنة؛ الفصيل الثاني, جماعة من اليساريين, والعلمانيين, والليبراليين, والعلويين (مسلمين ليبراليين), والأكراد, يعتقدون إنهم يعيشون في جحيم.

لعدة سنوات, تباهت تركيا بأن مؤسسات الأمن القومي, ومن ضمنها الجيش والشرطة, ساعدت الدولة في عبور الإنشقاقات السياسية الخطيرة, أولاً في صدامات الشوارع الشبيهة بالحرب الأهلية بين اليسار واليمين في السبعينيات, ولاحقاً في التمرد القومي الكردي والهجمات الإرهابية بقيادة حزب العمال الكردستاني في التسعينيات. بالرغم من أساليبهم الوحشية وغير الليبرالية, والتي شملت عدة انقلابات وحملات قمعية بوليسية, حفظ الجيش والشرطة تركيا من الانهيار الداخلي. لكن هذا تغير منذ التطهير غير المسبوق الذي قام به أردوغان في الأجهزة الأمنية في أعقاب انقلاب 15 يوليو الفاشل.


في الوقت نفسه, التدخل التركي في الحرب الأهلية السورية له تداعيات غير متوقعة, ومزعزعة للاستقرار في الداخل, وهو ما يقوض بشدة قدرة الدولة على مقاومة الاستقطاب المجتمعي. سعت أنقرة للإطاحة بنظام الأسد منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا في 2011. بعد إرسال قوات إلى شمال سوريا في أغسطس 2016, أجرت تركيا أيضاً عمليات عسكرية ضد كل من داعش وحزب الإتحاد الديموقراطي الكردي. وفقاً لهذا, تتميز أنقرة الآن بإنها مكروهة من جميع الأطراف الرئيسية في الحرب الأهلية السورية – الأسد, وداعش, والأكراد. لا شك في أن سوريا ستستمر في محاولة معاقبة المواطنين الأتراك على أفعال بلدهم: ألقت تركيا باللوم على نظام الأسد في مجموعة من السيارات المفخخة عام 2013 في الريحانية, جنوب تركيا, والتي تسببت في مقتل 51 شخصاً, على الرغم من نفي الحكومة السورية التورط بها.

تُعد سياسة أردوغان في سوريا محفزاً آخر للهجمات الإرهابية التي يشنها تنظيم داعش وحزب العمال الكردستاني في تركيا. في كل مرة تحقق أنقرة مكسباً على حساب حزب الإتحاد الديموقراطي في سوريا, يستهدف حزب العمال الكردستاني تركيا. وكل هجوم لداعش داخل تركيا يبدو وإنه رداً مباشراً على هجوم تركي على الجهاديين عبر الحدود. على سبيل المثال, هجوم داعش في يونيو 2016 على مطار أسطنبول, الذي تسبب في مقتل 45 شخصاً, حدث مباشرة بعد أن استولى وكلاء أنقرة السوريون-العرب على أراض من الجماعة الإرهابية. هجوم ليلة رأس السنة على ملهى ليلي في أسطنبول والذي خلّف 39 ضحية على الأقل جاء في الوقت الذي شنت فيه القوات المدعومة من تركيا حملة لاسترداد مدينة الباب الاستراتيجية من داعش.

يمثل داعش وحزب العمال الكردستاني طرفي نقيض نصفي تركيا, كل منهما عازم على توسيع الفجوة السياسية في البلاد – وهي فجوة تمنع بدورها البلاد من خوض نقاش صريح حول سياستها في سوريا, وتأثير تلك السياسة على الأمن الداخلي. فكر في أهداف داعش: أماكن مثل الملهى الليلي, الذي يرتاده الأتراك العلمانيون والليبراليون؛ والسائحون الأجانب, الذين تم استهدافهم في هجمات متعددة في أسطنبول؛ والأكراد واليساريون مثل أولئك الذين قُتلوا في تفجيرين انتحاريين في يوليو 2015 في مدينة سروج الحدودية؛ بالإضافة إلى الطوائف المسلمة الليبرالية مثل العلويين, وهي جبهة رئيسية في المعارضة وضحايا رئيسيين في هجوم داعش الأكثر تدميراً داخل تركيا حتى يومنا هذا, والذي قتل 103 أشخاص في مسيرة للسلام في أنقرة في أكتوبر 2015.

من خلال استهداف الأجانب وأعضاء الجبهة المعارضة لأردوغان, يبدو أن تنظيم داعش يرسل رسائل للقوميين الموالين لأردوغان بأن الجهاديين لا يشكلون خطراً عليهم – بإنهم مركزون على "تطهير" البلاد من النفوذ الغربي الذي تراه الحكومة الإسلامية أيضاً تهديداً. لكن بينما يواصل تنظيم داعش استهداف العناصر المناهضة لأردوغان في تركيا, سيواصل حزب العمال الكردستاني وفروعه الرد بالمثل. يقوم المسلحون الأكراد بهجمات مميتة على قوات الشرطة والجيش بصورة روتينية. رسالتهم هي للجبهة المناهضة لأردوغان – إنه بينما يعزز القائد التركي سلطته, فإن حزب العمال الكردستاني, مهما كان بغيضاً, هو أملهم الوحيد ضد "قوات أردوغان."

ربما تسرع سياسات أردوغان هذا الإتجاه. في الوقت الحالي, مثلما نرى في الإعلام الموالي لأردوغان, تعترف حكومته بضحايا حزب العمال الكردستاني كـ"شهداء," وتمنحهم منزلة خاصة. لقد رفض حتى الآن منح ضحايا داعش نفس المنزلة الخاصة. إذا لم تتغير هذه السياسة, قد تساعد في خلق تصنيف مزدوج للوفيات الناجمة عن الهجمات الإرهابية, مما يرسخ أكثر انقسامات تركياعلى محور حزب العمال الكردستاني-داعش.

في الوقت نفسه, الانقلاب الفاشل أعطى أردوغان رخصة لتعزيز سلطته على قوات الجيش والشرطة, جاذباً إياهم إلى الجانب الموالي لأردوغان في انقسامات تركيا. في المرة القادمة التي يتدخل فيها الجيش في السياسة في تركيا, فعلى الأرجح لن يكون للإطاحة بأردوغان, وإنما للدفاع عنه. إن الشاب الذي اغتال السفير الروسي في أنقرة يوم 19 ديسمبر, وهو فرد في قوات شرطة أنقرة والذي جاء في عهد أردوغان, يعتبر علامة على استقطاب قوات الشرطة وكذلك أيضاً عواقب سياسة أردوغان في سوريا. لقد كانت هذه جريمة سياسية صريحة: قبل الضغط على الزناد, أعلن إنه يعاقب ضحيته على سياسة موسكو في سوريا.


بالنسبة إلى أردوغان, ربما توّلد الفوضى فرصة. إذا تم تمرير الاستفتاء الدستوري, سوف يوسع سلطات منصب الرئيس بشكل هائل, ويجعل أردوغان رئيس الحكومة, ورئيس الدولة, ورئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم, معززاً سلطته على الدولة بأكملها. (في الوقت الحالي, هو رئيس الدولة فقط, وبالتالي لا يملك السيطرة الشرعية على الحكومة. يشترط دستور الدولة أيضاً أن يكون الرئيس شخصية غير حزبية, ويمنعه من رئاسة حزب العدالة والتنمية الحاكم بصورة رسمية.) لكن حتى لو ربح, نصف الدولة فقط ستتبنى أجندته. سيعمل النصف الآخر على تقويضها سياسياً –وفي حالة حزب العمال الكردستاني والجماعات المسلحة اليسارية الأخرى, بصورة عنيفة.


تركيا دولة منقسمة على نفسها. إذا أوقعت بها الهجمات الإرهابية, والاستقطاب المجتمعي, والعنف في براثن حرب أهلية بائسة, لن يكون هناك من يحمي الدولة من نفسها.

 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية أردوغان تركيا

اضف تعليق