إلقاء الخطب باللغات الرسمية في أوروبا.. هل يمكنه الحد من التطرف؟


١٥ أبريل ٢٠١٧ - ١٢:١٨ م بتوقيت جرينيتش

 
ترجمة – بسام عباس

يسعى بعض السياسيين في العديد من دول أوروبا الغربية لإجبار الأئمة على إلقاء خطبة الجمعة باللغة الرسمية فقط، ففي ألمانيا، يجب على الأئمة أن يلقوا مواعظهم باللغة الألمانية؛ وكذلك الأمر في إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وغيرها.

ولتبرير هذا المطلب، هناك حجتان. فبعضهم يرى أن الحظر سيكون بمثابة استراتيجية لمكافحة الإرهاب، بينما يعتقد آخرون أن الخطوة ستشجع المسلمين على الاندماج في المجتمعات الأوروبية، وقلة من الناس تروق لهم الحجتان.

وكان نائب وزير المالية الألماني ينس سباهن دعا، الشهر الماضي، إلى سنّ "قانون بشأن الإسلام" يجعل من خطب أئمة المساجد "شفافة" حتى تعرف السلطات ما يدور داخل المساجد، على حد تعبيره. وأضاف أهن على الأئمة الوعظ باللغة الألمانية، زاعمًا أن من سماهم "الأئمة المستوردين يتسببون في تفكك عرى المجتمع".

وانضمت يوليا كلوكنر -نائبة رئيس الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل- إلى الحملة الهادفة لصياغة قانون يتعلق بالإسلام، رغم أن المتحدث باسم الحزب الحاكم قال -في وقت سابق من هذا الشهر- إن تشريعا كهذا ليس مطروحًا الآن في جدول الأعمال.

وفي إيطاليا، الإسلام ليس دينًا معترفًا به رسميًّا في إيطاليا رغم وجود 1.6 مليون من أتباعه في البلاد، ويلزم الدستور الإيطالي الجماعات الدينية غير الكاثوليكية على بالتوقيع على ميثاق من أجل الاعتراف بها رسميًّا قبل منحها الحق في التمتع بالعطلات في مناسباتهم الدينية أو إبرام عقود الزواج. وعلى الرغم من ذلك، ففي فبراير، وافقت وزارة الداخلية على "تسهيل الطريق" نحو الاعتراف الرسمي في ترتيب لم يسبق له مثيل بعنوان " الميثاق الوطني للإسلام الإيطالي". وفي مقابل ذلك، يتعين على المنظمات الإسلامية الموافقة على إدراج أسماء الأئمة في سجل خاص، وأن على هؤلاء الأئمة إلقاء خطبهم باللغة الإيطالية. ووصف وزير الداخلية ماركو منيتي الوثيقة بأنها "حماية ضد أي شكل من أشكال العنف والإرهاب".

وفي بريطانيا، تعكف قوة عمل خاصة بمكافحة الإرهاب على وضع خطة لتشجيع الأئمة على الوعظ باللغة الإنجليزية، حسبما أفادت صحيفة تليجراف الشهر الماضي. وأشار التقرير إلى أن هذه الخطة جاءت "وسط القلق من أن الوعظ باللغات الأجنبية يشجع الانقسامات بين المسلمين والمجتمع البريطاني كما أنه يمكن أن يعزز التطرف". ونقل عن مصدر حكومي كبير قوله "إذا كان الائمة يتحدثون بلغة اخرى، فمن الصعب إذًا معرفة ما إذا كان التطرف يحدث".

وفي فرنسا، طالبت زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة مارين لوبان بإلزام الأئمة بإلقاء خطبهم باللغة الفرنسية، وقالت في هذا الشأن عام 2014: "ليس من الصعب المطالبة بأن تكون المواعظ في فرنسا باللغة الفرنسية إذ من اليسير معرفة المواضيع التي يجري التطرق إليها". ولم تكن لوبان السياسية الفرنسية الوحيدة التي تدعو إلى هذه المطالب؛ وقد اكتسبت دعمًا متزايدًا من مختلف ألوان الطيف السياسي بعد هجمات باريس عام 2015. وقال سياسي فرنسي آخر: "مواعظ فرنسا لا ينبغي أن تكون باللغة العربية".

وبالنظر إلى أن المجندين الأصوليين لا يحتاجون إلى التحدث باللغة العربية ليكونوا ناجحين للغاية فيما يقومون به، فليس من الواضح كيف أن السيطرة على الخطب باللغة العربية ستمثل استراتيجية مستمرة لمكافحة الإرهاب. ومع هذا، فقد ألقى أنور العولقي، القيادي في تنظيم القاعدة ، العديد من خطبه المسجلة باللغة الإنجليزية. وفي المملكة المتحدة، قام الدعاة البارزون مثل أنجم تشودري وأبو حمزة المصري وعمر بكري محمد بإلقاء رسائلهم باللغة الإنجليزية قبل إدانتهم بدعم الإرهاب.

وتقول برينا باول، الباحثة في جامعة ستانفورد: "من السهل أن نعطي رسالة مقاومة حتى عندما تتحدث اللغة نفسها التي يتحدث بها الناس الذين تدعوهم خلال الموعظة". مضيفة: "وحتى عندما يتحدثون نفس اللغة، فالناس غالبًا ما تكون جيدة جدًا في صناعة الرموز".
رغم أن الوعظ باللغة العربية يجعل من العسير على من لا يجيد التحدث بها أن "يفك شفرة" مضمون الرسالة، فإن ذلك لا يعني أن الخطبة بالعربية تزيد من احتمال تحويل الناس إلى متطرفين، لكن من شأنها على الأرجح أن تُشعر الأوروبيين غير المسلمين بالقلق إزاء ما يجري داخل المساجد.

ويقول مبارز أحمد -المحلل في مركز الديانة والجغرافيا السياسية المتخصص في الجماعات الجهادية والتطرف الإلكتروني-  "لا يمكننا أن نعلق كل شيء على المساجد .. هناك إجماع في مجال  مكافحة التطرف العنيف  بأن التطرف لا يحدث في المساجد؛ وأنه يحدث بشكل متزايد في أماكن أخرى. وبالتأكيد ففي عصر داعش، فالتطرف يكون على الانترنت، خاصة أن خدمات الرسائل المشفرة – "مثل الواتساب و التليجرام – أصبحت تحت الأضواء".

وقال سكوت أتران -عالم الإنثروبولوجيا الذي يدرس الإرهاب من خلال العمل الميداني مع الأصوليين الإسلاميين- ردًّا على هذا البيان، في رسالة بالبريد الإلكتروني: "إن التعليم الديني التقليدي هو مؤشر سلبي على المشاركة في هذه الحركات"، مضيفًا أن معظم الذين ينضمون إلى الحركات الجهادية من أوروبا هم من الشباب الذين "ينخرطون" في أحد المذاهب الاسلامية المتطرفة، (هناك أكثر من واحد من كل أربعة في فرنسا، على سبيل المثال).

ويضيف أتران: من المرجح أن تكون القوانين التي تتعلق بالإسلام المقترحة "كاستراتيجية لمكافحة الإرهاب"، لا قيمة لها. "وبشكل أعم، فإن البرامج الجماهيرية، كتلك التي تهدف إلى الحد من التهميش وتشجيع الاندماج، إن لم يكن الاستيعاب، بما في ذلك تعليم الدين بلغة البلد المضيف العامية بشكل مفرط، يمثل إهدارًا للموارد (وربما الأرواح من خلال المزيد من أشكال المشاركة الأكثر استهدافًا). وذلك لأن أقل من 1 % من السكان  (المستهدفين في هذه البرامج الجماعية) لن يقتربوا من الانضمام إلى الحركات المتطرفة العنيفة أبدًا، بحيث يصبح أي برنامج من هذا القبيل مثل استخدام القصف البساطي لقتل فأر، في حين أن هذا الفأر لا يزال بعيدًا".

واعترض العديد من المسلمين الأوروبيين على فكرة قانون اللغة للأئمة. وحين تم توقيع الميثاق الوطني للإسلام الإيطالي، استنكر الباحثيحيى بالافيسيني – باحث من ميلانو – ذلك قائلاً إنه "وثيقة ينبغي على المسلمين توقيعها لإثبات أنهم مواطنون جيدون وليسوا أشخاصًا سيئين".
ووصفتها سمية عبد القادر– من ميلانو – بأنها "غير عادلة"، وقالت إن بعض المطالب "تجعل بعض المسلمين يشعرون بأنهم يعاملون معاملة غير متكافئة".

إن القانون المقترح يصدم منتقديه حيث يرون فيه كيلاً بمكيالين؛ لأن الجماعات الدينية الأخرى في أوروبا غير مجبرة على إلقاء مواعظهم باللغة المحلية. فعلى سبيل المثال، في إيطاليا، يمكن للكاثوليك أن يقدموا مواعظهم للجماهير باللغتين الإسبانية والإنجليزية وكذلك اللاتينية. كما يمكن للحاخامات أن يلقوا خطبهم في الكنيس باللغة العبرية.

ومع ذلك، فهناك أئمة يعتقدون أنهم ينبغي أن يلقوا خطبهم باللغة المحلية وهم يفعلون ذلك بمحض إرادتهم. ففي فرنسا، حيث معظم الأئمة يلقون خطبهم باللغة العربية، حيث يجعلها الشيخ طارق أوبرو– إمام بوردو الشهير– نقطة انطلاق للدعوة بالفرنسية أيضًا.

وقال اوبرو في حوار مع موقع "إن آي آر" في فبراير الماضي: "علينا أن نخرج الاسلام من سياق الحضارات العربية الإسلامية القديمة ونكيفه مع مجتمع علماني متعولم عصري مثل فرنسا". وعلى الصعيد العملي البحت، أشار إلى أن رجال الدين الذين لا يدعون باللغة الفرنسية سيفقدون الجيل القادم، لأن غالبية المسلمين الفرنسيين الشباب لا يفهمون اللغة العربية.

وانضم بعض رجال الدين أيضًا إلى مطالب الخطابة باللغة لأنه من السهل الامتثال لها. حيث صرح الإمام عز الدين الزير– إمام فلورنسا– لصحيفة "واشنطن بوست": "إننا نشجع الأئمة بالدعوة باللغة الإيطالية"،  وأضاف "إذا كان مكتوبًا في الوثيقة أن هذا يُشعر الإيطاليين غير المسلمين بأنهم أكثر أمنًا، فإنني لا أرى أي خطأ في هذا".

ويبدو أن هذه الملاحظة – بأن هذه المطالب ربما تخفف من حدة قلق الأوروبيين غير المسلمين أكثر من مجرد كبح الإرهاب فعلا – وكأنها قراءة معقولة للمبررات الأساسية، وفقا لأتران.  فمن المثير للرضا النفسي أن يكون الشخص قادرًا على فهم ما تقوله الجماعات التي يعتبرها تهديدًا. وبالنسبة للسياسيين، فإن الوعد بتقديم هذا الرضا من خلال قانون جديد للإسلام ربما يزيد من شعبيتهم.
 
ومع استعداد فرنسا وألمانيا لإجراء انتخابات اتحادية (في أبريل - مايو وسبتمبر على التوالي)، فإن اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد الإسلام يمكن أن يساعد السياسيين في الانتخابات – لا سيما حيث يواجهون تحديات من أحزاب اليمين، كما كان الحال بالنسبة لـ "أنجيلا ميركل" مع حزب البديل الألماني. وفي هولندا، استخدم رئيس الوزراء "مارك روت" هذا التكتيك بنجاح ليتفادى فوز "جيرت فيلدرز" في الانتخابات الأخيرة.

 قد تواجه مطالب اللغة مشاكل قانونية لا يمكن التغلب عليها. ولكنها لن تكون قضية سهلة، وفقا لـ "مارك موفسيان"، مدير مركز القانون والدين. وباعتبارها أطرافًا في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، يتعين على هذه الدول أن تلتزم بحرية التعبير الديني التي تنص على أن الحكومات لا يمكنها التدخل بشكل كبير في المظاهر الدينية ما لم يكن لها مصلحة ملحة – مثل السلامة العامة. وينبغي أن يكون التدخل متناسبا مع تلك المصلحة الملحة.

ويقول موفسيان: "أن تبلغ المسلمين بأنه لا يمكنكم الدعوة بلغتك، أعتقد أننا هذا من التدخل في الحرية الدينية. وربما يكون ذلك انتهاك صارخ لحرية التعبير، ولكن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تمنح كل بلد قدرًا كبيرًا من الحرية في تقرير ما يلزم القيام به للحفاظ على النظام العام – كما ظهر في عام 2014 بالموافقة على حظر فرنسا للبرقع – من يدري، ربما تخلف المحكمة مع تلك الدول هذه المرة".
إن لم يكن قانون اللغة الجديد استراتيجية لمكافحة التطرف الإسلامي في أوروبا، فماذا ستكون الاستراتيجية الأفضل؟

تكمن أحد الإجابات في مكافحة التطرف عبر الإنترنت. ويقول أحمد: "شركات التقنية تعمل بجد"، مستشهدًا بأساليب مكافحة التطرف على موقعي تويتر وجوجل، مؤكدًا أنهم "يمكنهم فعل المزيد". وهناك إجابة أخرى وهي العمل مع المسلمين وليس ضدهم. وأضاف أحمد "علينا أن ندعم هؤلاء الموجودين في المجتمع الاسلامي الراغبين في محاربة التطرف". "أعتقد أنهم فاعلون ليس فقط في محاربة الأفكار المتطرفة التي يستخدمها دعاة الكراهية، ولكن أيضًا في المساعدة في تحديد أماكن نشر تلك الأفكار".

أكد أتران أن الأسلوب الأخير أفضل من الأول، وقال: "إذا نظرتم إلى أنماط تجنيد تنظيمي داعش والقاعدة، فسنجد أنهم يتجمعون بشكل كبير في بعض المدن والأحياء؛ وإذا كانت أنماط  التجنيد تنتشر في معظمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذا النمط سيكون أكثر تشتتا ... والمفتاح، إذن، أن تتعارض شبكات  المتطرفين  الاجتماعية المتطرفة الموجودة من قبل مع المجتمعات التي يتم تنشأ فيها".
ولكن هناك مشكلة واحدة فقط مع ذلك، وهي أن "هذا العمل كثيف ويتطلب معرفة عميقة بالظروف المحلية – وهو شيء ليس لدى الحكومات ومؤسسات إنفاذ القانون أي صبر حياله".


 للاطلاع على المادة الأصلية... إضغط هنا

 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق