أسباب التقارب الروسى التركى


١٧ أبريل ٢٠١٧ - ١١:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش


ترجمة – بسام عباس




يجب أن يكون هناك شيء كبير وهام في قلب العلاقة يستطيع فيه الجانبان التغلب على الألم الذي يسببه كل منهما للآخر مرارًا وتكرارًا. وفي هذا الصدد تأتي روسيا وتركيا كمثال بارز لهذه القضية، فهما من الناحية التاريخية خصمان أصبحا حديثًا حليفتين نشطتين.

وفي حين أن الولايات المتحدة أرسلت إشارات متضاربة حول سياستها تجاه سوريا، تفاوضت روسيا وتركيا وإيران حول الإطار العملي للتعايش في المنطقة التي تمزقها الصراعات الدولية والطائفية. ويبدو أن روسيا وتركيا– على وجه الخصوص– وجدتا وسيلة لتحقيق أهداف أكبر في حين اتفقا على ألا يتفقا على العديد من المصالح المتباينة التي ستبقي البلدين متباعدتين دائمًا.

التاريخ المشترك بين البلدين مليء بالصراعات. حيث شنتا باستمرار حروبًا على بعضهما البعض كل ربع قرن عندما كانتا إمبراطوريتين. ووقفت روسيا السوفيتية وتركيا الكمالية على طرفي نقيض أثناء الحرب الباردة. إلا أن روسيا وتركيا انجذبتا تجاه بعضهما البعض بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وذلك لأسباب اقتصادية في الأساس، ولكنهما تباعدتا عدة مرات في السنوات الأخيرة. والآن روسيا وتركيا تدعمان قوى متعارضة في سوريا. ومع ذلك فهناك قوة كبرى تقربهم من بعضهما البعض مرة أخرى. ويجب أن تكون أكبر من السياسات الراهنة.

وقد قامت قاذفة روسية بضرب منطقة مدينة الباب السورية الشمالية مستهدفة بعض الجهاديين إلا أنها أصابت مبنى حيث توجد قوات تركية. وقد أدى الهجوم الخاطئ إلى مقتل ثلاثة جنود أتراك وجرح 11. وكانت هذه أحدث حلقة في مسلسل حوادث "النيران الصديقة" الذي ازداد بين الجانبين.

وفي محادثة هاتفية مع نظيره التركي، أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن "حزنه وتعازيه" لضحايا هذا الحادث. وقال الجيشان إنهما بدأ تحقيقا حول الحادث.

وفي ديسمبر الماضي هاجم ضابط شرطة تركي متطرف السفير الروسي إلى تركيا، أندريه كارلوف وقتله. وكان كارلوف السفير الروسي الرابع الذي قتل أثناء تأدية واجبه. ومع ذلك، تجنبت الدولتان أي صدع في العلاقات حتى ولو كان طفيفًا. وقال المتحدث باسم بوتين: "ربما كانت محاولة للوقيعة بين روسيا وتركيا"، وأضاف "ولكن البلدين تتعاون بشكل وثيق وأكثر فاعلية ضد أولئك الذين نفذوا هذا الاستفزاز".

وفي نوفمبر 2015 أسقطت تركيا مقاتلة روسية زعمت ​​أنها اخترقت مجالها الجوي. ولم يحدث شيء مشابه بين روسيا وأحد أعضاء حلف الناتو، على الأقل طوال الخمسين عامًا الماضية. ووصف بوتين اسقاط الطائرة بأنه "طعنة في الظهر" وتوقفت المحادثات بين الزعيمين حيث قامت روسيا، التي تعد سوقًا رئيسية للسلع والخدمات التركية، بفرض عقوبات اقتصادية على جارتها الجنوبية. واستغرق الأمر ما لا يقل عن عام ونصف من العمل الدبلوماسي لإصلاح العلاقة بينهما.

اعتذر الرئيس رجب طيب أردوغان عن الحادث في يونيو عام 2016. وفي الشهر التالي شهدت تركيا محاولة انقلاب عسكري، حيث وقف الكرملين بشكل حاسم إلى جانب الحكومة الحالية. وذكرت تقارير أن الاستخبارات العسكرية الروسية نقلت إلى الجانب التركي تحذيرا حول انقلاب وشيك، وهو الأمر الذي لم يتم تأكيده أو نفيه. وفي أعقاب الانقلاب الفاشل تقارب البلدان بشكل أوثق: وعلى عكس شركاء تركيا الغربيين، لم ينتقد الكرملين حملة أردوغان واسعة النطاق في وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية، وغيرها من مؤسسات المجتمع التركي التي اعتبرتها أنقرة متواطئة في محاولة الانقلاب.

وقال ألكسندر دوجين – الكاتب السياسي الروسي المحافظ المتشدد، وزعيم ما تسمى حركة أوراسيا الدولية – إنه قد لعب دورًا رئيسيًّا في جمع روسيا وتركيا معًا مرة أخرى. وعبر دوجين عن سعادته لرؤية روسيا وتركيا تأخذان زمام حل الأزمة السورية، والدفع بالولايات المتحدة جانبا". جاء ذلك في تصريحاته لوكالة بلومبرج.

ربما تخرج الولايات المتحدة أو لا تخرج من المنطقة، ولكن التعاون الروسي التركي على الأرض في سوريا تطور كبير وتنبؤ لاحتمالات اتجاه القوى الإقليمية لبناء علاقات في ظل غياب الولايات المتحدة أو إرسالها رسائل متضاربة لشركائها الدوليين.

وقد أشار دونالد ترامب إلى أنه سيركز على محاربة تنظيم داعش في حين يعمل على مزيد من التوافق مع روسيا، وبالتالي، ولدعم روسيا للديكتاتور السوري بشار الأسد. إلا أن الرئيس الأمريكي قال أيضًا إنه سيكون مصرًا على احتواء إيران، أفضل حليف لروسيا وسوريا في المنطقة. في حين تستكشف إدارة ترامب طرق التعامل مع روسيا وإيران كل على حدة، ولكن هذا لا يبدو وكأنه رهان سهلاً. ولتعقيد الأمور أكثر وأكثر، تحالفت الولايات المتحدة مع وحدات حماية الشعب، القوى المسلحة الرئيسية ذات الأغلبية الكردية في شمال سوريا. في حين أن القوات التركية والكردية بطبيعة الحال عدوان لدودان.

كانت روسيا مشغولة في بناء الجسور مع تركيا. وقد اعترفت موسكو بأحقية تركيا في التعامل مع وحدات حماية الشعب على أنهم "إرهابيين" وحقها في محاربتهم. ففي ديسمبر انحازت تركيا، التي تعارض بشار الأسد من البداية، إلى صف القوات المسلحة السورية، التي تدعمها القوات الجوية الروسية، لاستعادة حلب. والمحطة التالية هي مدينة الباب، التي يسيطر عليها تنظيم داعش في شمال سوريا.

ومن الواضح أن روسيا وتركيا قد أبرمتا صفقة ليست واضحة المعالم تمامًا. وبحسب ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية فقد "اتفقت روسيا وتركيا على أن تدخل القوات الموالية للحكومة المدينة، وليس الثوار ". فيما ذكرت صحيفة فيدوموستي الروسية أنه بينما تقترب القوات السورية المدعومة من روسيا من الجنوب، فمن المرجح أن تسيطر القوات التركية والقوات المدعومة تركيًّا، على المدينة. هذا ويبدو أن هذه هي الصفقة الروسية – التركية، كما تقول الصحيفة في مقال تحت عنوان: "روسيا وتركيا تفصلان شمال سوريا".

تقود روسيا أيضًا جهودًا دبلوماسية دولية للتوفيق بين مصالح العديد من الوكلاء والجماعات المتعارضة التي تقاتل على الأرض. كما تعتزم روسيا بوضوح البقاء في المنطقة. وهذا هو أحد الأسباب التي سيتم العمل من أجلها مع تركيا أكثر من الولايات المتحدة. وأنا لا أبالغ في قدرة دوجين أو أية أسباب أيديولوجية للبلدين لينجذبا نحو بعضهما البعض. ويبدو أن الأسباب ستكون في معظمها واقعية وسلبية في الطبيعة: فكلا القوتين غير غربيتين؛ وكلاهما أصيب بخيبة أمل عميقة في محاولاتهما الانضمام للمؤسسات الغربية. حتى أن أنظمتها السياسية تتقارب أيضًا: ويبدو أن أردوغان يتعلم الكثير من بوتين.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مركز ويلسون روسيا تركيا

اضف تعليق