هل سينسحب أردوغان حقا من سوريا


١٨ أبريل ٢٠١٧ - ١٠:٣٤ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
ترجمة - شهاب ممدوح
المصدر - ميدل إيست بريفنج


"ميدل إيست بريفنج"
أعلنت تركيا نهاية عمليتها العسكرية التي دامت ثمانية أشهر في سوريا, زاعمة نجاح عملية درع الفرات، "لقد تكللت العملية بالنجاح" حسبما ذكر بيان صادر عن اجتماع لمجلس الأمن القومي التركي في التاسع والعشرين من مارس. وأضاف البيان أن عملية درع الفرات حققت أهدافها المتمثلة في تأمين حدود تركيا ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتهيئة الفرصة لعودة السوريين إلى مناطقهم التي تسيطر عليها تركيا في الوقت الراهن.

لا يعتبر هذا التطور مفاجئا إلى حد ما، حيث باتت تركيا في الوقت الراهن محاصرة وحركتها مقيدة في شمال سوريا. لكن أن يأتي هذا القرار من أردوغان، فهذا ما يثير الاستغراب.

مع ذلك، وحتى وقت كتابة هذا التقرير، من المفهوم أن إعلان تركيا هذا مرتبط فقط بعملية درع الفرات. لقد تناولنا من قبل كيف منعت روسيا والولايات المتحدة القوات التركية من التوغل أكثر في الشمال السوري. لقد أوضحت الدولتان أنه طالما لم يلتزم أردوغان بعدم استهداف قوات الحماية الشعبية الكردية، فإنه سيواجَه بخطوط لن يستطيع تخطيها ( القوات الأمريكية في منبج, والآن القوات الروسية في عفرين). عندما رفض أردوغان تقديم أي التزام من هذا النوع، ضاقت مساحة حركته بصورة واضحة في سوريا. وأخيرا, بدا واضحا لأنقرة أن قوات درع الفرات كانت عاجزة عن الحركة.

من الناحية العملية, أصبحت عملية درع الفرات عديمة الفائدة. وأصبحت مهمتها مستحيلة، ولذا فمن المؤكد أن مجلس الأمن القومي التركي رأي أن عملية درع الفرات لا تملك حيزا للحركة, ولو استمرت فستمثل عبئا سياسيا, ولن يكون لها أي أهمية عسكرية. ومن ثم, لم يكن القرار مفاجئا.

لكن المفاجئ هو تفسير هذا القرار باعتباره رحيل تركيا من سوريا، وهو ليس كذلك.

لقد تناولنا في تقارير سابقة مطالب أردوغان التي أوصلها لكل من روسيا والولايات المتحدة, والمتعلقة بتقديم البلدين "ضمانا" بانسحاب قوات الحماية الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني إلى شرق نهر الفرات بمجرد انتهاء معركة الرقة, أو حتى قبلها. وبحسب فهمنا, تلقى أردوغان تطمينات بأن هذا بالفعل ما سيحدث, بشرط أن يمتنع عن مهاجمة القوات الكردية حتى تحرير مدينة الرقة. حيث قضت الصفقة بتسليم تلك الأراضي للأسد.

لكن يبدو أن أردوغان إما قد اعتبر تلك التطمينات غير كافية لتهدئة مخاوفه, أو أنه, من خلال استمرار تحركاته في شمال سوريا, رغب في أن تحجز تركيا لنفسها موقعا في تقرير مستقبل سوريا. وفي كلتا الحالتين, رفض الرجل العروض المقدمة له, وواصل عملياته العسكرية.

ربما تلقت أنقرة تطمينات جديدة من وزارة الخارجية الأمريكية أثناء زيارة وزير الخارجية الأمريكي ركس تيلرسون. لكن ما بدا واضحا للجميع, ولأردوغان نفسه, أن موقفه التفاوضي ضعف بصورة كبيرة. هذا وقد كان تمركز القوات الروسية على مسافة 15 كيلو متر من مدينة إعزاز بمثابة رسالة قوية مفادها أن أنقره يمكن أن تكرر "أزمة إسقاط الطائرة الروسية" في نوفمبر عام 2015.

علاوة على ذلك, كان واضحا للجميع, باستثناء أردوغان, أن عمليات تركيا العسكرية في سوريا لن تقضي أبدا على حزب العمال الكردستاني هناك. ولو كان باستطاعتها ذلك, لماذا إذاً لم تستطع القضاء على الحزب داخل تركيا نفسها؟ ما زاد من صعوبة تلك المهمة في حالة سوريا هو دعم روسيا والولايات المتحدة لحزب العمال الكردستاني هناك. يتعين على تركيا ان توازن بين الوزن النسبي للمكاسب التي ستجنيها من تلك العمليات وبين المكاسب التي قد تحققها عبر قيامها بدور إيجابي في سوريا. لكن حسابات أنقرة ليست بتلك البساطة على أية حال.

هل هذا يعني أن أردوغان سوف يغلق "الملف السوري" نهائيا؟ هذا غير مرجح, إلا إذا تلقى عرضا يراه هو كافيا لمعالجة هواجس بلده الأمنية.

إن القضايا الرئيسية التي تتصدر المخاوف الأمنية الوطنية لتركيا لن تُعالج بعد قرار إنهاء عملية درع الفرات. تقع منبج في غرب نهر الفرات, وهي بمثابة تذكير لأردوغان بأن الوحدات الكردية لن تتردد في السيطرة على أراض, متجاوزة بذلك "الخط الأحمر" الذي رسمته تركيا.

مع ذلك, كان واضحا أنه من أجل إجبار أردوغان على تغيير رأيه في هذه المرحلة, فإنه سيتعين تغيير الوضع على الأرض. وهو ما حدث بالفعل. حيث تحرك الروس لمدينة عفرين عقب نشر الولايات المتحدة لقواتها حول منبج. كانت الجدران ترتفع حول قوات درع الفرات. عند تلك النقطة, كان أردوغان مستعدا لتوجيه سؤال مفاده:" بالمناسبة, ماذا كان عرضكم القديم إذا قررنا الانسحاب؟"

في نهاية المطاف, وجد أردوغان أنه لم يعد لديه خيار إلا القبول بالتطمينات الأمريكية, بالرغم من أنها غير مضمونة.

لكن أليست تلك الحرب متعلقة بسوريا؟ حسنا, كان الأمر كذلك في الماضي. لكنه لم يعد كذلك الآن. فالقاعدة الروسية الجديدة في جنوب غرب إعزاز لا ترفع حتى العلم السوري. حيث رفضت وحدات حماية الشعب ذلك. كما تمضي الولايات المتحدة قدما في خطتها لتحويل مطار الطبقة إلى قاعدة عسكرية أيضا.  ولن ترفع هي الأخرى بالطبع العلم السوري. القضايا المهمة في سوريا الآن باتت تدور حول الوحدات الكردية, وحزب العمال الكردستاني, وإقامة القواعد العسكرية, والرقة, وعملية درع الفرات. لم يكن أحد ليفكر في هذه القضايا في بداية الثورة السورية ضد الأسد.

لقد باتت الرقة الآن قصة منتهية، القضية الحقيقة الآن هي إدلب. وفي الواقع, القضية أكبر من إدلب نوعا ما. عندما تنتهي هذه الجولة من القتال, سنكون أمام شمال سوري مكتظ بالجهاديين من كل نوع. أي أن معركة الرقة ما هي إلا رأس جبل الجليد.

ما هو موقف تركيا في هذا السياق الأوسع؟ هي قالت إنها ستسحب قوات درع الفرات, لكان ماذا عن البقية؟ ونقصد بـ "البقية" هنا وحدات حماية الشعب الكردية, وحزب العمال الكردستاني, والمعارضة المعتدلة, والعشائر, والجهاديين. ماذا سيفعل أردوغان في إدلب, على سبيل المثال؟

تهتم تركيا فقط بما هو مرتبط بصورة مباشرة بمصالحها الوطنية: الحدّ من خطر حزب العمال الكردستاني. في حين أن المهم بالنسبة للولايات المتحدة وروسيا هو أمنهما: الحدّ من خطر الجهاديين. لم تنجح حتى الآن المحاولات للتوفيق بين هذين الهدفين المختلفين, كيف إذاً سيتم التوفيق بينهما في المستقبل؟

ما لم يقم أردوغان بانعطافة أكبر, فإن المسافة بين تركيا واللاعبين الكبار في شمال سوريا ستزيد أكثر في السنوات القليلة القادمة. ولا ينبغي منع أردوغان من عمل تلك الانعطافة عندما يكون مستعدا لها, أو بصورة أدق, عندما يُجبر على أن يكون مستعدا لها. سيتطلب الأمر إصدار إعلان بنهاية واضحة للعبة في سوريا, مصحوبا بجملة "حسنا, انتهى الأمر, والوضع لن يتغير", قد يساعد هذا الإعلان في تغيير موقف أردوغان, بافتراض أن أنقرة قد تعلمت دروسها من الوضع الرهان.

لكن المشكلة لن تنحصر فقط في المواجهة بين أردوغان وجميع الأطراف. فعندما تبرز إلى الواجهة مسألة إدلب, وما بعدها, فإن روسيا لن تميّز بين كل المجموعات المسلحة, بينما ستفرّق الولايات المتحدة بين هذه الجماعات, في حين سيدافع الأتراك عن كل المجموعات دون تمييز. كيف يستطيع أي مخطط إستراتيجي التوفيق بين كل هذه المتناقضات.

لهذا السبب تحديدا يركّز التنسيق الأمريكي-الروسي في سوريا على هذه المرحلة من الحرب فقط, وليس على المراحل القادمة. وهذا ربما يفسر أيضا سبب شروع الروس في بناء قاعدة لهم قرب إعزاز, وتركيز الأمريكيين على الطبقة.
ماذا سيحدث بعد هذا التقسيم قصير الأمد للعمل بين الأطراف؟ بالنسبة للأشخاص الذين يفكرون "بصورة عملية", فإن تلك الأمور ينبغي مناقشتها بعد تحقيق الهدف الرئيسي, أي إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة (داعش). لكن الطريقة "العملية" الوحيدة تتمثل في عدم الفصل بين المراحل بهذا الأسلوب. يمكن القيام بالمرحلة الحالية بصورة أكثر كفاءة لو تم إدراجها ضمن خريطة طريق واضحة للوصول إلى "الهدف النهائي". وبالتالي, لا ينبغي أن تكون الإجابة: دعونا ننتظر حتى يؤدي التنسيق قصير الأمد مع الروس مهمته, وبعدها نرى ماذا نفعل.

بعبارة أخرى, فإن الحل الوحيد على المدى القصير, وعلى المدى الأطول, يتمثل في إقامة أقاليم شبه مستقلة, أو تتمتع بحكم ذاتي في جميع أرجاء سوريا. ولكن هذا الحل يجب أن يكون مشروطا: غير مسموح بوجود جماعات إرهابية. هل هذا مسموح في إدلب؟ بلى. فعندما ترى الجماعات غير المرتبطة بحركة النصرة نهاية اللعبة وما يعنيه ذلك لهم, فإنها ستزيد من ضغوطها على النصرة. بعبارة أخرى, ليس بقوتك وحدها تستطيع أن تحارب الإرهابيين بصورة فعالة. وفي هذه الحالة, ربما يكون من غير المطلوب أصلا استعمال القوة كأداة أساسية.

في الواقع, اقترح مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا, ستافان دي ميستورا ( الذي شعرنا بالسرور لأنه ما يزال على قيد الحياة) للتو خطة لإقامة أقاليم الحكم الذاتي التي تحدثنا عنها.

لكن كيف نتصرف مع أردوغان؟ إن اقتراح "دي ميستورا" بإقامة أقاليم الحكم الذاتي ستجعل الأتراك يتقبلون الواقع بصورة تدريجية. أردوغان من جانبه عليه أن يدرك أن صعود الوحدات الكردية إلى مستوى يجعل الجميع يطرقون على بابها, يعود إلى صعود الجهاديين في شمال سوريا، وإذا كان هناك خطة واضحة لإنهاء الحرب السورية تشمل ترسيم الحدود الفاصلة بين المناطق الكردية وبقية المناطق, وتلبية طموحات الجماعات المسلحة غير الإرهابية, فسيكون على أردوغان التفكير بجدية في عمل تلك الانعطافة الكبيرة. 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية سوريا رجب طيب أردوغان

اضف تعليق