كيف تحوّل أردوغان إلى عدو للثورة السورية


٢٦ أبريل ٢٠١٧ - ٠١:٢٨ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

شهدت سياسة تركيا تجاه الحرب السورية تحوّلا دراميا خلال العام الماضي، ويعود هذا بصورة كبيرة إلى الانقلاب العسكري الفاشل ضد حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان في شهر يوليو, عام 2016, والذي أفضى إلى تسريع جهود تعزيز العلاقات بين روسيا وتركيا لخدمة الأهداف الأمنية لكلا البلدين. أردوغان الذي كان ذات يوم مناصرًا للثورة السورية, بات اليوم يجاري السياسة الروسية في سوريا, ويساهم في الحملة الهادفة للحفاظ على بقاء النظام، وهذا الأمر تجلّى بوضوح في مواقف تركيا تجاه ما حدث في شرق حلب.

يبدو أن الحكومة التركية باتت تتبنى سياسة مزدوجة تجاه سوريا, حيث مازال أردوغان ملتزما بخطاب شعبوي وثوري, بينما يطلق رئيس الوزراء بن علي يلدرم تصريحات داعمة للسياسة الروسية. وبالرغم من أن أردوغان ربما يكون قد نجح في خداع الكثير من مؤيديه لتصديق أنه يتصرف انطلاقا من خشيته على المدنيين السوريين, إلا أن السوريين على الأرض, وأولئك الذين لديهم اتصالات داخل شرق حلب ( بما في ذلك مواطنون-صحفيون وقادة عسكريون بارزون, مثل غسان إبراهيم, وأبو العبد) أدانوا بصوت مرتفع تركيا لاستغلالها معاناتهم للدفع بأجندتها المقيتة.

في لقاء أجراه مع موقع "Syria deeply", أشار تشارليز ليستر, الزميل في معهد الشرق الأوسط, على نحو مناسب إلى أن الأتراك كانوا " مستعدين لرؤية مدينة حلب تخرج عن سيطرة المعارضة, في مقابل السماح لهم بتأسيس حزام سيطرة لهم في شمال حلب."

أردوغان محرّك الدمى
بعد مرور شهر واحد على الانقلاب الفاشل, أطلقت تركيا عملية عسكرية جديدة في سوريا تعرف بـ درع الفرات. الهدف من العملية كان مزدوجا: طرد داعش من ريف حلب الشمالي, ومنع احتمال تشكّل دولة كردية موحّدة على الحدود مع تركيا.

وبالرغم من أن الأهداف النهائية لعملية درع الفرات كانت متوافقة مع الأهداف قصيرة المدى لجماعات المعارضة السورية, إلا أن هدف تلك العملية النهائي لم يكن إسقاط الرئيس بشار الأسد. في الحقيقة, ساهم استعداد أردوغان للتعاون مع بوتين لإنجاح عملية درع الفراع بصورة مباشرة في انهيار سيطرة المعارضة على شرق حلب, التي دامت أربع سنوات. 

وبينما كانت روسيا ونظام الأسد يرتكبان المجازر في شرق حلب, نفذت الطائرات الحربية التركية حملة قصف جوي لا هوادة فيها, ما أدى لوقوع عدة مجازر, مثل الهجوم الذي وقع في ديسمبر 2016 على مدينة الباب التابعة لمحافظة حلب, والذي أدى لمقتل ثلاثة وستين مدنيا, من بينهم أربعة عشر طفلا. وفي مناسبات أخرى, نسّقت تركيا وتعاونت بصورة مباشرة مع روسيا و نظام الأسد في قصفهما لمدينة الباب. كما تفيد التقارير بأن أردوغان دفع أموالا لبعض المتمردين- لا تزيد غالبا عن 200 دولار- لصرف أنظارهم بعيدا حلب.

في أعقاب السقوط الحتمي والكارثي لشرق حلب في ديسمبر عام 2016, قام أردوغان بخطوتين سياسيتين, وعلى الرغم من أن الخطوتين كانتا تحملان في ظاهرهما طابعا إنسانيا, إلا أنهما خلقتا المزيد من الصعوبات للشعب السوري- وبخاصة الثوار. 

أولا, نسّق أردوغان مع روسيا لتطبيق "خطة إجلاء" المتمردين والمدنيين من المدينة, متظاهرا بتقديم مساعدة إنسانية. وحسبما قال رئيس المجلس الوطني السوري, أنس العبدا, فإن خطة الإجلاء ارتقت لمستوى التطهير السياسي والعرقي للمدينة, حيث تم نقل آلاف السوريين إلى إدلب, حيث تعرضوا هناك لجولة جديدة من الهجمات على أيدي النظام وحلفائه. لقد ذهبت الأمم المتحدة إلى حد وصف عملية إجلاء السكان في حلب بأنها "جريمة حرب."

ثانيا, عقب عملية "إخلاء" شرق حلب, ساعد أردوغان في تسهيل ما تسمى محادثات السلام بين نظام الأسد والمعارضة السورية المترددة, والتي عقدت في أستانا, كازاخستان. أسهمت تلك المحادثات في حدوث خلافات كبيرة بين جماعات المعارضة المختلفة, وأدت في نهاية المطاف لتقوية المتطرفين. على سبيل المثال, بعد "محادثات السلام" شهدت إحدى أكبر جماعات المعارضة المسلحة في سوريا, حركة أحرار الشام, انشقاق عدد من الكتائب عنها, واندماجها مع فصائل مسلحة أخرى, مثل جبهة فتح الشام, ليشكلوا في النهاية "هيئة تحرير الشام". هذا الأمر حدث لأن العديد من الفصائل المسلحة لم ترغب في المشاركة في المحادثات, طالما استمر النظام وحلفاؤه في قصف منطقة وادي برده.

الملاحظ أن فصائل المعارضة التي لم تحضر مفاوضات أستانا فعلت ذلك لأنها تلقّت ضمانات من تركيا بأن اتفاق وقف إطلاق النار الناتج عن المفاوضات سوف يتم احترامه. لكن ذلك, بالطبع, كان كذبة كبيرة. حيث سقط وادي برده في نهاية المطاف في أيدي قوات الأسد في يناير من هذا العام, كما وصلت محادثات السلام إلى طريق مسدود.

ومع إدراك المزيد من النشطاء السوريين للدوافع الحقيقية لتركيا, وللكارثة التي أحدثتها عملية درع الفرات, تهاوت شعبية أردوغان للحضيض. أن استعداد أردوغان للتعاون مع الروس, وبالتالي مع الأسد, يمثل خيانة قاسية لالتزامه القديم بدعم الانتفاضة السورية. لم يعد أردوغان بالنسبة للسوريين الحليف الذي آمن به الكثيرون في الماضي.

نجاح قصير المدى, وفشل على المدى الطويل
على الرغم من أن الحكومة التركية أعلنت انتهاء عملية درع الفرات "بنجاح" في شهر مارس, إلا أن تلك العملية لم تترك وراءها إلا قطعة صغيرة من الأرض (تغطي أجزاءً متفرقة من إعزاز, وجرابلس, والباب) تحاصرها قوات الأسد في الجنوب, وقوات حماية الشعب الكردية في الغرب من جهة مدينة عفرين (بالتعاون مع القوات الروسية) وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة قوات حماية الشعب الكردية من جهة الشرق في مدينة منبج ( بالتعاون مع القوات الروسية والأمريكية).

ولعل الأمر الأكثر إذهالاً, هو إعلان تركيا انتهاء عملية درع الفرات, من دون تحقيق أحد أهم أهدافها: انتزاع مدينة منبج من قوات سوريا الديمقراطية بعد تحرير مدينة الباب من قوات داعش. كانت قوات سوريا الديمقراطية في شهر مارس قد سلّمت أطراف مدينة منبج لنظام الأسد, في ظل صمت تركي مطبق. 

لا عجب أن الثورة السورية سُميت بالثورة الفاضحة. حيث أنها فضحت بوضوح الأشخاص, مثل أردوغان, الذين استخدموا خطابا شعبويًا لتحقيق مصالحهم على حساب الشعب السوري. وكما يردد الكثير من الثوار الذين يواصلون حلمهم بمستقبل أفضل لسوريا: عسى أن تستمر الثورة الفاضحة في فضح الأشخاص. 

المصدر- Muftah


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق