أسباب عزوف الكثير من الأمريكيين عن الذهاب للكنائس


٠٣ مايو ٢٠١٧ - ٠٦:١٩ ص بتوقيت جرينيتش

 
المصدر – ذا أتلانتيك
ترجمة – بسام عباس




تُخبرنا الرواية المتداولة حول انحسار دور الدين في حياة الأمريكيين بما يلي: قبل بضع مئات من السنين, بدأ المفكرون الأوربيون والأمريكيون في التشكيك في جدوى الرجوع إلى الله لتفسير طبيعة الحياة. ومع ازدياد قبول الناس للعلم الحديث بوصفه وسيلة لسبر أغوار وفهم العالم المادي الذي يحيط بهم, أصبح الدين وسيلة أقل فعالية في التفكير- هذا الأمر لم ينحصر فقط في الطب والميكانيكا, ولكنه شمل الثقافة والسياسة والاقتصاد وكل مجالات الحياة العامة. وبينما أصبحت الولايات المتحدة أكثر علمانية, أخذ الناس يبتعدون شيئا فشيئا عن الدين.  

في الواقع, فإن هذه الرواية المتداولة تُعتبر منقوصة- ويمكن القول بأنها تفتقر للدقة, حيث أنها لا تُبرز الأسباب أو الحقيقة خلف إيمان الأمريكيين في العصر الحديث. فمن ناحية, لا تزال الولايات المتحدة بلدا متدينا بصورة ساحقة, بالرغم من رواج التوقعات عبر السنين حول أفول الدين. وعلى الرغم من عدم تصنيف جزء مهم من الأمريكيين أنفسهم ضمن أي فئة دينية معينة, إلا أنهم مازالوا يؤمنون بالله, كما يقول ما يقرب من 40% من المستطلعين إنهم يمارسون الصلوات بصورة يومية أو أسبوعية. وبينما شهد هذا النوع من الإيمان الشخصي تغييرات, فإن التحول الأبرز حصل في الطريقة التي يمارس بها الناس إيمانهم بصورة علنية: فالأمريكيون- وبخاصة فئة الشباب- من غير المرجّح أن يحضروا الشعائر الدينية أو أن يصنفوا أنفسهم ضمن فئة دينية.

وطالما لم يتخل معظم الناس عن إيمانهم بالله, فما هو سبب هذا التحول في الممارسة العلنية للدين, وما هي تفاصيل هذا التحول؟ إنه لسؤال مهم ولكن لن تكون إجابته مباشرة, وإنما ستكون في صورة مجموعة نقاط بيانية أوحجج تشكّلت مع مرور الوقت.

إليكم مثال على ذلك: نشرت مؤسسة " Pew " استطلاعا حول الطريقة التي يختار الناس من خلالها التجمعات الدينية وحضور الشعائر الدينية. فعلى الرغم من أن الأمريكيين مازالوا يترددون بصفة عامة على الكنائس ويمارسون شعائر الصلاة بوتيرة أقل عما اعتادوا عليه في السابق, إلا أن هناك أشخاصا في الواقع يذهبون بكثرة إلى الكنائس- أما الذين يمتنعون عن الذهاب للكنيسة, فهم لا يفعلون ذلك بالضرورة لأسباب دينية.

هناك تفاصيل صغيرة مذهلة في ثنايا نتائج هذا الاستطلاع، أولا, إن الأشخاص الذين قالوا إنهم يذهبون لأداء شعائر الصلاة بوتيرة أقل عما اعتادوا عليه في الماضي يجمعون على أن العوامل اللوجستية التي تمنعهم من الذهاب لدور العبادة هي العائق الأكبر أمامهم. ثانيا, جزء مهم من الأشخاص الذين قالوا إنهم لا ينتمون لديانة معينة عبّروا عن عدم ثقتهم في المؤسسات الدينية, ملمحين إلى وجود علاقة بين سمعة هذه المؤسسات وبين عزوف الناس عن المشاركة الدينية العامة.

أخيرا, وربما الأكثر أثارة للاهتمام, تبدو الولايات المتحدة منقسمة إلى نصفين فيما يتعلق بعدد المرات التي يذهب فيها الناس لأداء الصلاة في الكنيسة. حيث يقول حوالي 51% من الأمريكيين إنهم يذهبون للكنيسة أو للمراسم الدينية مرة واحدة في الشهر وعدة مرات في الأسبوع, بينما قال 49% من المستطلعين إنهم نادرا ما يذهبون أو لا يذهبون أبدا. ولكن ضمن نسبة الـ 51% هذه, أكثر من نصف الأشخاص قالوا إنهم يذهبون بوتيرة أكثر مما اعتادوا عليه في الماضي- وبعبارة أخرى, أصبح ربع الأمريكيين أكثر وليس أقل نشاطا في جماعاتهم الدينية في السنوات الأخيرة.

وعلى الجانب الآخر,فإن أقل من نصف الأشخاص الذين نادرا ما يذهبون للكنيسة أو لا يذهبون أبدا قالوا إن عزوفهم عن الذهاب بدأ في السنوات القليلة الماضية. وأضاف جزء كبير من هذه الفئة أنهم يلزمون منازلهم أيام الأحد. كل هذه البيانات هي طريقة للقول بأن هناك نشاطا أكبر يحدث على الجانب الذي يضم المتدينين مقارنة مع الجانب الذي يضم غير المتدينين. تشير هذه الدراسة إلى أنه حتى في أوقات انحدار الممارسة الدينية العامة, فإن بعض الأشخاص يعايشون صحوة دينية.

وفقا للاستطلاع, فإن خُمس الأمريكيين يحضرون الآن المراسم الدينية لمرات قليلة في السنة, بعد أن كانوا يذهبون لتلك المراسم لمرات أكثر في الماضي. حوالي نصف هذه الفئة توقفوا عن الذهاب على نحو أكثر تواترًا بسبب ما أطلق عليه الباحثون " أسباب عملية": مثل انشغالهم طوال الوقت, وأن جدول أعمالهم لا يسمح بذلك, أو أنهم كسولون جدا ليتكبدوا عناء الذهاب. في حين قال آخرون إنهم لا يهتمون بحضور المراسم الدينية بقدر اهتمامهم بعمل أشياء أخرى.

ورغم أنه من السهل تفهّم الإزعاج الذي يسببه الاستيقاظ مبكرا ودفع الأطفال للذهاب للكنيسة من أجل الجلوس هناك لساعات صباح كل يوم أحد, إلا أن هذا التفسير يُعتبر مثيرا للاهتمام ولكن لسبب آخر مختلف: يشير هذا التفسير إلى أن كثيرا من الأشخاص يعتبرون المراسم الدينية أمرا اختياريا أكثر مما كان عليه الوضع في الماضي. منذ خمسين أو ستين عاما مضت, كانت الكنائس- بوجه خاص- مركزا للحياة الاجتماعية والثقافية في الولايات المتحدة. وبالنسبة لكثير من الأشخاص, فإن الحال مازال كذلك إلى اليوم, غير أن الاستطلاع يشير إلى أن هناك أشخاصا كثيرين ربما يؤسسون لحياة اجتماعية خارج السياق الديني-  أو ربما يتخلون عن هذا النوع من الروابط الاجتماعية بالكامل.

إن تهميش المراسم الدينية ربما يرتبط بعامل آخر تمت الإشارة إليه في هذا الاستطلاع: من بين الأشخاص الذين تمت تنشئتهم تنشئة دينية ثم تخلوا عن الدين لاحقا بعد بلوغهم, فإن نسبة الخُمس من هؤلاء تقول إن كرههم للأديان المنظمة كان السبب في ذلك. وقالت نسبة أخرى تصل لخمسين في المائة إنهم تخلوا عن الإيمان بالمعتقدات الخاصة بالدين الذين نشأوا عليه. وحول ما إذا كان سبب انحدار الانتماء الديني في الولايات المتحدة يرجع لعوامل ثقافية أو فلسفية, فيبدو أن الإجابة تتلخص فيما يلي: عدد أقل من الأشخاص مستعد للقبول بقواعد وسمعة المؤسسات الدينية. هذا لا يعني أن الناس لا تهتم بالأفكار والقضايا الدينية- فالكثير من هؤلاء الأشخاص الذين لا ينتمون لأي مجموعة دينية معينة مازالوا يعتبرون أنفسهم " متدينين" أو " ساعين"- ولكنهم غير مقتنعين بالمؤسسات الدينية نفسها.

ومع ذلك, فإن تجارب الأشخاص الذين يتخلون عن دينهم لا ينبغي أن تغطي على تجربة هؤلاء الأشخاص الذين يجدون ضالتهم في الدين. حوالي سبعة وعشرين بالمائة من الأشخاص المُستطلعين يقولون أنهم يحضرون الشعائر الدينية بوتيرة أكثر من الماضي, وهو ما يخالف الانخفاض العام في الممارسة الدينية في عموم البلاد. كان هذا الأمر شائعا في أوساط البروتستانت الإنجيليين, حيث يقول ثلاثة أرباعهم إنهم يترددون على الكنيسة مرة أو مرتين على الأقل في الشهر. قام نصف الأشخاص الذين قالوا إنهم يترددون على الكنيسة على نحو أكثر تواترا بشرح التغيير الذي طرأ على معتقداتهم كما يلي: لقد صاروا أكثر تدينًا, واكتشفوا أنهم يحتاجون الله في حياتهم, وأنهم أصبحوا أكثر نضجًا مع تقدمهم في العمر. وعلى النقيض من ذلك, فإن عددا قليلا نسبيا من الأشخاص قالوا إنهم بدؤوا بالتردد على الكنيسة على نحو أكثر تواترا لأسباب عملية. وكما يبدو فإن الأيمان يجذب الناس للعبادة, بينما تثبط الأسباب اللوجستية هممهم.

يقدّم الاستطلاع دليلا على أن بعض الأمريكيين على الأقل يعتقدون أن ممارسة الشعائر الدينية هو أمر أقل أهمية مقارنة بأشياء أخرى في حياتهم, أو ربما أنهم لا يجدون الوقت الكافي لحضور تلك الشعائر.

ولكن أهم نتيجة يمكن استخلاصها من هذا الاستطلاع هو تنوع وثراء التجربة الدينية في أمريكا. فبينما يبتعد بعض الأشخاص عن الدين, ينجذب آخرون نحوه- وبصرف النظر عما يفعلونه في صباح أيام الأحد, يبدو أن الكثير من الناس يعتقدون أن الفكر الديني مازالت  له  أهمية في حياتهم.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق